يشتكي المواطنون المغاربة هذه الأيام من سوء تدبير الشأن العام الجهوي والوطني ويستنكرون هدر ميزانية البلد إما لشراء سيارات فخمة بأسعار خيالية كما روجت لذلك بعض وسائل الإعلام في جهتين جنوب المغرب لدرجة أن قيمة إحدى هذه السيارات وصلت 150 مليون سنتيم و هو رقم قياسي إذا ما قورن بنسبة الفقر في المغرب و الناتج المحلي الإجمالي.أضف إلى ذلك التلويح بصفقات بجهات أخرى تهم الاستمتاع بالموسيقى و تأتيت الصالونات.

إن هذا المنطق المتبع في التعامل مع المال العام ينفر المواطن من العمل السياسي و الإدارة ويعطي الانطباع للملاحظ أن هناك خلل ما ينبغي إصلاحه في أقرب الآجال.
لا يخفى على الكثيرين أن هناك تساهلا إلى حد ما في التعامل بحزم مع كل من سولت له نفسه العبث بدرهم من المال العام لغرض توفير بعض الملايين لصرفها على المشاريع الاجتماعية،حيث أن عدد الأطر الإدارية الموظفة المستفيدة من المالية العمومية استفادة مباشرة لا يكاد يتجاوز مليون نسمة بينما تبقى فئة كبير من المواطنين تنتظر ما سيصلها من استفادة اجتماعية حتى تتقلص الفوارق الاجتماعية و أن ينعم الكل بالعيش الكريم.

إن الديمقراطية كآلية للتغيير تبقى رهينة العقليات السياسية و رغبتها في تطوير البلد و النهوض به إلى مصاف الدول الأكثر تقدم. و أما التهافت على المناصب و الغنى السريع فالأمر غير مطمئن على مستقبل البلد.و يمكن القول أن القرارات غير المحسوبة العواقب لبعض المسؤولين المغاربة تضر باستقرار البلد على الأمد البعيد و تعطي انطباع سلبي لدى الرأي العام الوطني و تدعم بعض الأطروحات المعارضة للعملية السياسية.ففي الوقت الذي يعمل فيه جلالة الملك، نصره الله، على جلب استثمارات للمغرب و ربط شراكات إستراتيجية مع العديد من الدول نفاجئ ببعض المسؤولين المحلين يتخدون قرارات سياسية لا تتماشى مع تحديات المرحلة.
فإذا كان الاختيار الديمقراطي الذي تبناه المغرب لا رجعة فيه، فإنه أصبح من الضروري تقييم هذه الممارسة و الرقي بها نحو الأفضل.وإن كل تساهل مع سوء استخدام آلية الديمقراطية ينعكس بالسلب على العملية السياسية و سيزيد من نسبة العزوف عن الانتخابات و فقدان الثقة في المؤسسات.و لهذه الغاية، ينبغي أن نفكر في طرق جديدة للرقي بالممارسة السياسية إلى ما هو متوقع منها، في محاولة للرفع من نسبة الانخراط في العمل السياسية و التعامل بإيجابية مع واقعنا المعاش و تطويره نحو الأفضل. ولبلوغ هذا الهدف، يجب أن يتعاون الجميع أحزابا و مؤسسات في التوصل إلى صيغة توافقية تؤسس لممارسة سياسية جديدة عمادها البرنامج الحزبي الدقيق حتى لا يفاجئ المواطنون بقرارات صادمة تخلق اضطرابا في علاقة المواطن بدولته.فإسناد المسؤولية للسياسي و الإداري يتجاوز المصلحة الشخصية إلى درجة أنه يعتبر واجهة الدولة المغربية: فإن هو أحسن صنعا فإنه سيكون انطباعا إيجابيا لدى المواطن و إن تخلف عن الموعد فإنه سيزيد من حالات الإحباط و اليأس مما ينعكس سلبا على التنمية و العديد من القضايا المصيرية.
إننا اليوم في حاجة ماسة إلى دخ دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية المغربية عبر تغيير المقاربة المتبعة وذلك بخلق مؤسسة إدارية جديدة تكون غايتها تقييم البرامج الحزبية التي تتقدم بها الأحزاب المغربية و إصدار الموافقة عليها بغية ضبط مكامن الخلل، بحيث سيصبح لزاما على كل حزب تقديم برامج قطاعية دقيقة تراعي الظرفية الوطنية و الدولية مصحوبة بالقوانين التي تنوي هذه الأحزاب إصدارها، في إطار التعاقد السياسي بين الحزب و الناخبين. و آنذاك سيصبح من المستحيل العبث بميزانية الدولة لأن كل حزب سيلتزم بالبرنامج الذي تقدم به إلى الانتخابات.فهذه المؤسسة سيقع على عاتقها تدبير البرامج الانتخابية سواء تعلق الأمر بالانتخابات الجماعات الترابية و البرلمانية و بالأخص انتخابات مجلس النواب.و بالمناسبة فإنه ينصح في هذا الباب بإجراء انتخابات مجلس النواب في دورين و الإبقاء على ثمانية أحزاب للمنافسة في الدور الثانية حتى تكون لدينا معارضة قوية وحكومة متماسكة.
كما أنه ينصح باعتماد لائحة وطنية عوض انتداب مرشحين على مستوى الجهات حتى تتطهر العملية الانتخابية من الكائنات السياسية التي لا تتوانى عن استخدام العنف و شراء الأصوات. و أما انتخابات الجماعات الترابية فإن الوقت قد حان لمراجعة البرمجة الانتخابية و جعل هذه الانتخابات جهوية تجرى كل ستة أشهر في كل جهة بما أننا نتوفر على أثنى عشر جهة و أن مدة الانتداب ست سنوات حتى تستفيد كل جهة على حدة من النقاش العمومي و أن توضع تحث المجهر النقدي و أن تستفيد من الأخطاء التي تحدث في تسيير الجهات الأخرى .أضف إلى ذلك خلق ديناميكية حزبية عوض الموسمية السياسية و حتى تقيم البرامج الحزبية الجهوية تقييما دقيقا في حالة ما تم إحداث مؤسسة وطنية لتقييم البرامج السياسية و الله المعين.