اسماعيل العلوي ـــ ملف "ذ الريق" جولة أخرى من جولات الحرب الدائرة بين السلطات المغربية وجماعة العدل والإحسان منذ أكثر من أربعة عقود من الزمان، حرب غير متكافئة بين دولة تملك قوة الأجهزة العمومية السرية منها والعلنية، وتملك القضاء والإعلام وأبواق الدعاية، وجماعة لا تملك إلا موقفا سياسيا معارضا واضحا وسمعة ورصيدا أخلاقيا في صفوف الجماهير، تحاول السلطات بكل ما تملك من قوة هزه في نفوس الناس والتشكيك فيه في كل مناسبة وبكل الوسائل حسب كل طبيعة كل مرحلة:

 1- في فترات الصراع الأولى ركز المخزن على الجانب العقائدي لدى الجماعة وجند أقلامه ودعايته وأجهزته العلمائية لاتهام الجماعة وشيخها رحمه الله تعالى بالتصوف والشعوذة والتشيع والخرافة وغيرها من نعوت وأوصاف طبعت مرحلة كان الصراع فيها إلى حد ما شريفا بين أطراف تملك من الدين ومن الحياء ومن المروءة ما يمنعها من تجاوز الخطوط الحمراء.وخرج المخزن من ذلك كله خاسرا بعد أن اكتشف متأخرا أن الجماعة كانت سدا منيعا ضد انتشار قيم التطرف والكراهية والإرهاب في أوساط فئات واسعة من الشباب وأن خط الاعتدال العقائدي والتربوي والدعوي الذي اختارته كان صائبا.

2- ثم جاءت مرحلة ثانية تولى المسؤولية جيل جديد من "الشباب الحداثي" الملف، فعرف الصراع منحى آخر لا يعرف الخطوط الحمراء، ولا يعرف "العيب والحشومة والعراض" التي تربى عليها رجال الحسن الثاني ومجايليهم، ولهذا اتسعت مساحة الضرب تحت الحزام وتعددت الملفات والمحاولات ذات الطابع الأخلاقي وهو اختيار عادي، لأن فبركة الملفات ذات الطبيعة الفضائحية والجنسية (خيانة، فساد، اغتصاب، شذوذ) من أبجديات الضغط والابتزاز المخابراتي في العالم، وليس في المغرب فقط من جهة، ومن جهة ثانية لأن جيلا من الشباب أيضا تولى القيادة في العدل والإحسان وهذا قد يعزز احتمال السقوط والاختراق لهذا -من الطبيعي- أن تكرر الأجهزة السرية المحاولة لأن هذا من شأنه أن يحقق العديد من الأهداف منها:

• قد تنجح محاولة الابتزاز والضغط بالفضح و"الشوهة" وتربح الأجهزة جاسوسا متقدما تنظيميا، وهذا اختراق له أهميته القصوى، وتجارب الأجهزة مع المعارضين من اليسار شاهدة.
• تشويه سمعة الجماعة وهز صورتها الأخلاقية والتشويش عليها في أوساط المتعاطفين والمتابعين.
• زرع بذور التشكيك بين القيادة والقاعدة وزعزعة الثقة في نفوس المنتسبين المتذبذبين.
• التدمير النفسي والاجتماعي للقيادات -المتورطة بين قوسين- والحد من فاعليتها وحركيتها واندفاعها في العمل السياسي والدعوي.
• وقد تكون بالون اختبار لمدى جاهزية أجهزة الجماعة وقياس قوة ردود أفعالها.
• يقصد منها بعث رسالة فرملة وتخويف لقيادات العدل والإحسان الذين رفعوا مؤخرا وتيرة انتقادهم للملكية في المغرب بشكل صريح وواضح وعلني.

في إطار هذا السياق العام يمكن أن نفهم مثل هذه الملف، ونفهم ما يرافقه من زخم إعلامي وسياسي، فالملف بكل تأكيد ليس شخصيا. فمفوضيات الشرطة والدرك تسجل آلافا من حالات الخيانة الزوجية والفساد يوميا، بل إن الفساد والدعارة وشبكاتها تملأ الشوارع والمنتجعات والفيلات، منها ما هو منظم ومنها ما هو عشوائي، أم إن فائض هرمونات الذكورة عند العدل والإحسان في زمن المخنثين والباردين والشواذ باتت قضية أمن دولة، فعلى أي أساس اعتقلت الشرطة -الضابط حسب البيان- الرجل؟ هل هي شكاية أم نتيجة رصد مخابراتي؟ ولماذا لم تخبر الزوجة إلا بعد 18 ساعة تقريبا؟ ثم إن ملابسات القضية وتأخر رد الفعل الرسمي متمثلا في بلاغ ولاية أمن الدار البيضاء، وما شاب مسطرة التقديم من تأخير وتلكؤ، والقصف الإعلامي الذي جاء -بعد حفظ الملف وإطلاق سراح المعتقل- ودخول وكالة المغرب العربي للأنباء على الخط، بعد أن بلع الإعلام لسانه طيلة يومي السبت والأحد في انتظار الضوء الأخضر، يؤكد أن الملف كان سياسيا ابتداء وانتهاء، ويؤكد أن المخزن خسر المعركة قضائيا وسياسيا وحقوقيا، ولكنه حاول أن يتدارك ويغطي هزيمته بهذه الفرقعات الإعلامية، التي تفتقد المهنية والموضوعية من منابر معروفة الولاء والارتباط.

بدون شك أن إضاعة جهود الدولة في مثل هذه المعارك الصبيانية، هو أمر مخز وغير مشرف لبلد اختار تعزيز الديمقراطية والحريات، فالعدل والإحسان لم تدع يوما الطهرانية ولم تزعم قط أن قيادييها وأعضائها ملائكة "لا يأكلون الطعام ولا يمشون في الأسواق". لذا فعلى العقلاء البحث عن حل سياسي جدي لهذا الصراع بين الجماعة والدولة الذي عمر لأكثر من أربعة عقود.

ذ إسماعيل العلوي
[email protected]