الحالة المزرية التي اتسم بها اجتماع ما يسمى بالائتلاف الدولي ضد “الجهاديين” الذي انعقد في باريس الثلاثاء، بحضور وزراء خارجية 26 دولة، يجسد التعبير الاصدق للاسباب التي تفسر “تمدد” قوات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية معا، وسيطرتها على نصف الاولى، وثلثي الثانية، بعد اقل من عام من خطبة زعيمها ابو بكر البغدادي في المسجد النوري الكبير في الموصل، بعد الاستيلاء عليها “دون مقاومة” في شهر رمضان الماضي.

الاجتماع اصدر قرارين مهمين يكشفان مدى تخبطه وضعفه، وغياب استراتيجية واضحة لدى الدول الاعضاء فيه حول كيفية مواجهة “الدولة الاسلامية”:

الاول: دعم الخطة العسكرية والسياسية للحكومة العراقية لاستعادة المناطق التي تحتلها قوات “الدولة” واولها مدينة الرمادي، وهذا يعني دعم حملة “لبيك يا حسين” التي تحولت الى “لبيك يا عراق” بعد انتقادات عديدة لتسميتها ذات الطابع الطائفي، ابرزها من السيد مقتدى الصدر.

الثاني: اطلاق عملية سياسية سريعا في سورية تحت اشراف الامم المتحدة للتوصل الى تسوية تحقن الدماء وتحافظ على وحدة التراب السوري.

***
السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق، الذي يشارك في اجتماع باريس، اتهم الائتلاف الدولي بالفشل في التصدي للتوسع السريع لـ”الدولة الاسلامية”، ولكنه لم يعترف بأي تقصير او لوم لنفسه وقواته التي لم توقف الولايات المتحدة تدريبها منذ عشر سنوات، وجرى انفاق 25 مليار دولار على تسليحها، جرى اقتطاعها من قوت الشعب العراقي، وقامت طائراتها بأكثر من ثلاثة آلاف غارة حتى الآن لاضعاف، ومن ثم، القضاء على هذه “الدولة”.

القصف الجوي الامريكي الذي بات على وشك دخوله عامه الثاني لم يوقف الشاحنات المتفجرة، والتدريب المكثف للجيش العراقي على يد خمسة آلاف خبير عسكري امريكي، لم يحل دون فرار عناصره حتى قبل ان تبدأ المواجهات العسكرية.
السيد العبادي يريد ان تقوم الولايات المتحدة الامريكية بكل شيء لحكومته بما في ذلك “تحرير” المدن التي لم يدافع عنها جيشه، مثل الرمادي والموصل والفلوجة، ولم لا، اليست هي التي احتلت العراق، واطاحت بنظام الرئيس العراقي صدام حسين، واسست “العراق الجديد” على انقاض حكمه؟ ووعدت العراقيين ببلد ديمقراطي نموذجي يعمه الرخاء والاستقرار، وتتمنى مثله دول الجوار وما بعدها؟

خطة السيد العبادي العسكرية والسياسية التي دعمها اجتماع باريس تقوم على اساس الاستعانة بقوات الحشد الشعبي المكونة من ميليشيات شيعية، وبعض قوى العشائر السنية، اي بقايا “قوات الصحوات” التي اسسها الجنرال ديفيد بترايوس عندما كان قائدا للقوات الامريكية في العراق في الفترة الحرجة بين عامي 2006 و2008 التي شهدت صعودا لتنظيم “القاعدة” وسياراته المفخخة.

المشكلة تكمن في كون بعض هذه الميليشيات ليست خاضعة للحكومة العراقية، ولا تأتمر بأمرها، بينما من الصعب الثقة بقوات “الصحوات” السنية التي من الممكن ان تغير ولاءها في اي لحظة.

الجنرال بترايوس نفسه شكك في حديث ادلى به الى قناة تلفزيونية امريكية قبل يومين في نجاح خطة مواجهة “الدولة الاسلامية” هذه، وقال انها “عدو قوي” من الصعب هزيمته، لانه يزداد قوة وتوسعا، وهناك كثيرون يتفقون معه في هذه النتيجة.
من غير المستبعد ان تنجح القوات العراقية المدعومة بالحشد الشعبي، وقوات صحوات عشائرية في استعادة مدينة الرمادي، فالحرب كرّ وفرّ، ولكن ماذا لو لم تنجح في هذه المهمة، الم تتعرض قوات “الدولة” لهزيمة كبرى في مدينة “عين العرب” او “كوباني” السورية الكردية؟ ماذا فعلت بعد ذلك؟ الم تستولي على مدينتي الرمادي وتدمر بعد اقل من شهرين من هذه الهزيمة؟ وتحكم سيطرتها على “معبر التنف” على الحدود العراقية السورية، وتتقدم حاليا نحو مدينة اعزاز في الشمال الغربي لسورية القريبة من احد اهم المعابر السورية مع تركيا، وتنجح في اقامة شريط يمتد من الموصل في الشرق حتى حلب في الغرب؟

تنظيم “الدولة الاسلامية” بات يسيطر حاليا على كل المعابر السورية مع العراق، وتتقدم حاليا نحو السويداء في الجنوب للسيطرة على معبر آخر مع الاردن، ومن غير المفاجيء ان يشن التنظيم حملة عسكرية اخرى باتجاه معبر طريبيل، او معبر رفحا الحدودي العراقي السعودي.

الدعم السعودي القطري التركي لجيش “الفتح” الذي تشكل جبهتا “النصرة” و”احرار الشام” المبايعتين لتنظيم “القاعدة” عموده الفقري، ربما يؤدي الى اقدام تنظيم “الدولة الاسلامية” على عمليات انتقامية ضد هذا الجيش، وضد تركيا نفسها الداعمة له، حيث تؤكد بعض الدراسات وجود ما يقرب من ثلاثة آلاف عنصر تابع لـ”الدولة” في العمق التركي، يشكلون خلايا نائمة يمكن تفعيلها في اي لحظة، تماما مثلما يحدث حاليا من تحريك وتفعيل لخلايا مماثلة في المنطقة الشرقية ذات الكثافة الشيعية في المملكة العربية السعودية.

تنظيم “الدولة الاسلامية” لا يتقدم في سورية والعراق فقط، وانما في ليبيا، حيث اضاف مدينة “سرت” مسقط رأس العقيد معمر القذافي الى امبراطوريته، بعد مبايعة اقليم درنة في الشرق له، ويتقدم حاليا نحو الجفرة وسبها في الجنوب الليبي، ويستعد لمحاربة قوات “فجر ليبيا” التي تسيطر على العامة طرابلس، وتمثل رأس الحربة لدولة “مصراته”.

ما حدث في ليبيا هو تكرار للسيناريو العراقي، فالموالين للنظام الليبي السابق الذين عانوا من التهميش والاقصاء من قبل “الثوار” باتوا ينضمون لصفوف “الدولة الاسلامية” ويقدمون لزعيمها “البيعة”، وبات الكثير من الليبيين الذين عانوا ويعانون من فوضى الميليشيات ودمويتها وفسادها يفضلون دعم هذه “الدولة” على امل تخليصهم من معاناتهم هذه تماما مثلما رحب الافغان بميليشيات طالبان، واهل الموصل، او معظمهم بـ”الدولة الاسلامية”، سعيا للامان والاستقرار، وايمانا بالمقولة التي تقول “ان آخرالعلاج الكي”.
***
اجتماع باريس كان اجتماعا لدول مفسلة، وبعضها عربية، لا تملك استراتيجية واضحة لمحاربة “الدولة الاسلامية” التي هيأت لها الحاضنة اساسا باحتلالها العراق، او دعمه مثلما تدعم مخطط تفتيت سورية والمنطقة العربية بأسرها، وباتت عملية السيطرة على هذا “التنين الاسطوري” صعبة للغاية، ان لم تكن مستحيلة.

المطالبة بعملية سياسية سريعة تحت اشراف الامم المتحدة لايجاد حل سياسي للازمة السياسية في سورية هو اعتراف صريح بهذا الفشل والافلاس، ولكن حتى هذا الحل بات ابعد مما يتصوره هؤلاء، لانه جاء متأخرا جدا، وربما تعني هذه المطالبة بالتخلي عن المشروع التركي الرامي الى اقامة دولة، ومنطقة عازلة في حلب.

السؤال هو حول المدينة الجديدة، في العراق، او سورية التي ستستولي عليها “الدولة الاسلامية” بمناسبة مقدم شهر رمضان الكريم، هل هي بغداد، ام حلب، ام ادلب، ام كربلاء؟ نترك الاجابة للايام المقبلة.

ختاما نقول، هل سنفاجأ في القريب العاجل بمفاوضات بين امريكا وتنظيم “الدولة الاسلامية” في مسقط او اي عاصمة عربية اخرى تمهد لاعتراف متبادل؟ ولم لا الم تتفاوض امريكا، وما زالت مع “الحوثيين” في العاصمة العمانية التي وضعتهم على قائمة الارهاب؟ الم تتفاوض مع ايران التي اعتبرتها الاخطر على مصالحها في المنطقة، وفرضت عليها حصارا استمر ثلاثين عاما؟ الم تتفاوض مع الطالبان وتفتح لها سفارة في الدوحة؟

فكروا بهذه الفقرة جيدا وبهدوء بعد ان تلتقطوا انفاسكم، وحكموا العقل على العاطفة، واعيدوا دراسة التجارب الامريكية السابقة لاستخلاص العبر.