مع اقتراب موعد الإنتخابات الجماعية والجهوية الأولى من نوعها في المغرب بعد دستور يوليوز 2011، يفرض سؤال مدى إقبال المغاربة على المشاركة في هذا الإستحقاق نفسه بقوة. بل إنه يشكل التحدي الأساسي الذي تراهن عليه الدولة بغض النظر عن طبيعة النتائج التي ستفرزها هذه الإنتخابات، والتي قد تكون مؤشرا على شكل الخريطة السياسية التي يمكن أن تنبثق عن الإنتخابات التشريعية المرتقبة في السنة المقبلة.

خلال آخر انتخابات جماعية سنة 2009، بلغت نسبة المشاركة 52 بالمئة. وهذا يعني أن الرهان هذه المرة يكمن في الرفع من تلك النسبة أو الحفاظ عليها في أسوء الأحوال، وتلك مسؤولية الأحزاب المشاركة في الإستحقاقالإنتخابي. ذلك أن الإقتراع المقبل يأتي بعدحراك اجتماعي دشنته حركة 20 فبراير، وأدى إلى التسريع بالإعلان عن تعديل دستوري، لكنه لم يغير الكثير من معالم الممارسة السياسية في المغرب.ومن تم فإن نسبة المشاركة في الإنتخابات القادمة يوم 04 شتنبر المقبل تحمل دلالة خاصة، لأنها ستظهر(إلى حد ما)حجم الثقة التي يضعها المغاربة في الأحزاب التي تؤثث المشهد السياسي في بلادنا. لكن تأثير نسبة المشاركة لا يتوقف عند مصداقية الفرقاء السياسيين من عدمه ( و إن كان متعلقا بها )، بل يتعداها إلى النقاش حول قيمة وجدوى هذه العملية الإنتخابية برمتها. وفي كل الإستحقاقاتالإنتخابية التي تعرفها دول العالم تستأثر نسبة المشاركة باهتمام خاص لأنها لا تعبر عن مواقف فردية إزاء برامج ومشاريع ومرشحي الأحزاب المتنافسة فحسب، بل تعبر عن مستوى الوعي السياسي عند الشعوب ودرجة الثقة التي يوليها المواطنون لمؤسسات الدولة. وهو ما يتخذ دلالة خاصة في الحالة المغربية بالنظر إلى أن ثقافة الولاء للحزب ليست متجذرة عند المغاربة، سواء لدى النخبة السياسية التي تغير انتماءاتها وألوانها الحزبية (كما تغير جواربها)، وتهاجر من حزب لآخر بحثا عن التزكيات، أو لدى الناخب الذي لا يصوت عادة على أساس البرنامج أو الإنتماء الحزبي، بل يصوت انطلاقا من معرفته الشخصية بالمترشحين وعلاقته بهم.

تقدم المؤسسات الرسمية لحظةالإستفتاء الدستوري- التي ناءت بالمغرب بعيدا عن عواصف الربيع التي عرفتها عدد من دول شمال إفؤيقيا والشرق الأوسط- بوصفها محطة أساسية في سياق السعي إلى دمقرطة الممارسة السياسية في المغرب. لكن القطع مع الماضي والمضي قدما إلى المستقبل لا يتوقف على مجرد وثيقة دستورية، بل يتعلق بمدى استعداد النخب السياسية لتجديد برامجها وتطوير عقلياتها بما ينسجم مع تطلعات وآمال الشعب المغربي. وقبل ذلك يتعلق بمدى استعداد الدولة للعبور بالمغرب فعليا إلى ديموقراطية حقيقية.وعلى هذا المستوى يبدو أن دار لقمان مازالت على حالها. فدوائر المخزن هي المتحكمةفي خيوط القرار السياسي، أما الأحزاب المتنافسة على الساحة فقد رضيت لنفسها أن تكون مجرد واجهة لديموقراطية الإستثناء المغربي، لأنهالاتعرف أي حضور على مستوى العمق الشعبي ولا تملك الإمتداد في الشارع، وهي لا تعبر إطلاقا عن هواجس ومطالب المغاربة، ولا تلتفت إلى المواطن البسيط إلا بوصفه ورقة إنتخابية. وهي أيضا تفتقر- في معظمها- للديموقراطية الداخلية ولشروط العمل الحزبي الذي يراهن على الجماهير الشعبية ويعبر عن اختياراتها ويدافع عنها... ثم إن هيستيريا السباق من أجل الحصول على التزكيات وترؤس لوائح المرشحين التي تقدمها الأحزاب السياسية في مختلف الدوائر الإنتخابية، والتنافس المحموم بين مختلف التشكيلات الحزبية لاستقطاب الأعيان و"موالين الشكارة"... كل هذا يؤكد أن المشهد السياسي في بلادنا مازال بعيدا عن التطلعات، وأن الإنتخابات ليست إلا أداة لإضفاء المشروعية على الوضع القائم وإعادة إنتاج نفس الواقع.

لقد عرفت المواعيد الإنتخابية التي شهدتها بلادنا خلال السنوات الأخيرة عزوفا كبيرا عن صناديق الإقتراع. حيث كان الفائز الحقيقي فيها هو حزب المقاطعين (وإن كانالمستفيدون من المقاطعة هم أولئك الذين لا يريدون التغيير في البلد في المدى المنظور على الأقل). لذلك من اللازم أن نربط على هذا المستوى بين الوعي الشعبي والعزوف السياسي والإنتخابي. ذلك أن الضعف الشديد في الإنخراط الحزبي لدى المغاربة لا يعني غياب الوعي السياسي لديهم. إذ أن فئات عريضة من أبناء هذا الشعب باتت تفهم اللعبة جيدا، وهي متقدمة جدا على الواقع الحزبي نفسه، لذلك لا تجد لها مكانا داخل هذه الأحزاب التي لا تعدو أغلبها أن تكون مجرد وكالات انتخابية مملوكة تفتح أبوابها كلما حان موعد انتخابي بدون أن تمتلك رؤية سياسية واضحة، أو تحمل مشروعا مجتمعيا منبثقا من اهتمامات وهموم الشارع المغربي... فهل يوجد بينها من يستحق أصوات المغاربة؟.