توفق الملك بشكل كبير في خطابه الأخير، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب،  وهو يتحدث عن الجزائر وظروف التنمية في افريقيا، وأخفق بنفس القدر  وهو يتحدث عن التهديدات الإرهابية، وإن كان مفيدا الإشارة إلى هذه الآفة الفتاكة، مادام لم يتطرق للظروف التي تخلق الإرهابيين.

فبخلاف خطاب سابق جاء متشنجا اتجاه الجزائر، أظهر الملك في الخطاب الأخير رزانة وتبصر سياسي كبير و حكمة مطلوبة في رئيس الدولة، وهو يُذكر الجزائريين بروابط الأخوة بين البلدين وتاريخهما النضالي المشترك ضد المستعمر الفرنسي، قبل أن يتحدث الملك بلسان "حركة التحرر الوطنية" وهو يشير إلى الدور الخسيس الذي تلعبه فرنسا، فعلا، داخل إفريقيا للحيلولة دون تحقيق أي تنمية أو ديمقراطية في هذه القارة.

لكن الملك لم يكن موفقا وهو يتحدث عن التهديدات الإرهابية وهلوسات الإرهابيين، بعد أن وقف فقط عند "ويل للمصلين"، حين اكتفى بسرد بعض ترهات المتطرفين المتعلقة بنظرتهم للموسيقي مثلا، في حين أنه كان على الملك أن يتقدم في النقاش أكثر ويشرح للمغاربة جذور الإرهاب ومسؤولية الدولة في بروز هذه الآفة الخطيرة. فالملك في خطابه الأخير يُظهر الإرهابيين كما لو أنهم قضاء وقدر، وجب محاربتهم أو أنهم "بضاعة مشرقية" صُدِّرت إلى المغرب دون طلب.

والحال أن الدولة تساهم، عن غير وعي، إذا أحسن الظن بمسؤوليها، في فتح شهية الإسلاميين نحو استغلال الدين في السياسة ماداموا يرون الدولة بدورها تستغل الدين في السياسة، وقد تبث ذلك في أكثر من مناسبة، كان أكثرها تجليا حين دعت مندوبيات تابعة لوزارة الأوقاف المغاربة إلى التصويت على دستور 2011.

ثم كيف ننجو من الإرهاب وعدد من المُقررات المدرسية، التي تضعها الدولة، محشوة بتعاليم متطرفة وعنيفة؟ كيف ننجو من الإرهاب والمغاربة يعلمون أن هناك رجل نافذ نهب أراضي فقراء باسم الملك وفي الأخير، وبدل أن تتحرك النيابة العامة، بحكم الإختصاص، تحرك حصاد وكأنه رئيسا للنيابة العامة واستدعى مالك "الضحى" إلى مكتبه، قبل أن ينبهه إلى خطورة استعمال اسم الملك في معاملاته التجارية، دون إنصاف الضحايا فيما نُهِب منهم، ودون استرجاع ما حصل عليه الصفريوي باسم الملك؟

كيف ننجو من الإرهاب "وأحزمة البؤس" لازالت تحيط بأكثر من مدينة بل وتوجد في قلب العاصمة الإقتصادية والإدارية؟ كيف ننجو من الإرهاب وقضاة يزورون الأحكام، وحين توجه ضحية لمكتب وزير العدل قال له السيد الوزير" "دعيهم لله"؟ كيف ننجو من الإرهاب وعصي هراوات الأمن تُكسر فوق جماجم من قال فيه الشاعر: "قف للمعلم وفِّهِ التبجيلا...كاد المعلم أن يكون رسولا"؟ نعم كيف ننجو من الإرهاب والدولة تفرق بين مواطنيها بين خدام تغدق عليهم بريعها وغير خدام تغدق عليهم بهراواتها؟

الإرهاب أصله حرمان وإقصاء وتهميش، لا أحد يُخلق ارهابيا من بطنه أمه، وإنما الظروف الإجتماعية والإقتصادية والتعليمية بالأساس، والمسوؤل عن إنتاجها السياسة العمومية للدولة، هي من تساعد على صنع الإرهابي في آخر المطاف. وبالتالي مواجهة الإرهاب لا تكفي معها الخِبرات الأمنية مهما كانت نجاعتها وجودتها بدليل أننا منذ 2003 ونحن إلى غاية اليوم نسمع عن تفكيك خلايا إرهابية، بما يفيد فشل الدولة في القضاء على هذه الظاهرة الفتاكة.

الحل: تفاصيله كثيرة لكن أبرزها هو فصل الدين عن الدولة، ورفع يد الأخيرة عن حياة الأحزاب وخاصة عن قطاع التعليم، وإطلاق ثورة ثقافية في البلاد، ومصادرة كل العقارات والأموال التي عجز أصحابها عن تبرير مصادرها قبل توظيف هذه الأموال رفقة أموال أخرى محصلة من أحكام ضد سارقين للمال العام، في مشاريع تنموية توفر فرص شغل للعاطلين أو المعطلين. فهل تخفى هذه الحقيقة على  الملك؟