بديل ـ الرباط

يحتفل المغاربة يوم 18 نونبر من كل سنة بـ"عيد استقلالهم" عن فرنسا، وهي مناسبة يطفو فيها على السطح سؤالين مركزيين: هل فعلا "استقل" المغرب عن فرنسا؟ وهل فعلا يوم 18 نونبر هو تاريخ "استقلال" المغرب؟

استقلال شكلي!

تُجمع نخبة مغربية واسعة على أن المغرب لم ينل سوى "استقلالا شكليا" عناوينه الكبرى عودة الملك محمد الخامس من المنفى، وخروج العلم والجيوش الفرنسية، ولكن المصلحة الفرنسية لم تخرج وبقيت متحكمة في دواليب الإدارة المغربية.

وترى هذه النخبة المغربية أن معاهدة "إكس ليبان"، التي جرت أيام قليلة قبل عودة الملك محمد الخامس إلى المغرب، لعبت دورا سلبيا في بقاء المغرب مرهونا اقتصاديا وسياسيا إلى فرنسا إلى اليوم، مشيرة المصادر إلى أن هذه "المعاهدة" هي التي فككت لحمة الحركة الوطنية، وأدخلت جزءً من الأخيرة في مواجهة مباشرة مع القصر. فقد رفض عبد الكريم الخطابي وأتباعه خاصة عباس المسعدي قبول مقتضيات "الإتفاقية" بوضع السلاح، لاقتناعهم أن مرحلة الكفاح المسلح لازالت لها راهنيتها، لكن علال الفاسي والمهدي بنبركة ومحمد الخامس كان لهم نظر آخر، وهكذا أعلن الملك استقلال البلاد يومين بعد عودته من المنفى، في وقت لازالت فيه أطراف شاسعة من البلاد مستعمرة، بحسب نفس المصادر.

وللتأكيد على أن "الاستقلال" ليس حقيقيا وإنما "شكليا" يشير أصحاب هذا الرأي إلى ما يجري داخل الإدارات المغربية  اليوم، سواء من خلال المراسلات المبتادلة بين الموظفين والمسؤولين، او من خلال لغة التواصل المتداولة بينهم، مشيرين أيضا إلى لوائح أثمنة وأنواع المأكولات في معظم المطاعم المغربية واللغة التي تؤثت عناوين العديد من واجهات المحلات التجارية والشوارع المغربية، علاوة على تقديم العديد من المسؤولين المغاربة لندواتهم وأنشطتهم باللغة الفرنسية، هذا دون الحديث عن  رقم المعاملات التجارية بين المغرب وفرنسا، وحتى المعاملة التفضيلية لمواطني الأخيرة مقارنة مع المغاربة، كما حصل عندما جرى تنقيل سجناء فرنسيين فقط لدخولهم في اضراب عن الطعام، في وقت يموت فيه مغاربة بالاضرابات عن الطعام دون ان تحقق لهم مطالب بسيطة كالتسجيل في الجامعة مثلا أو الاعتراف بأنهم معتقلون سياسيون. (سعيدة المنبهي..مصطفى المزياني..).

استقلال حقيقي!

يرى محمد معروف الدفالي، استاذ تاريخ المغرب المعاصر بكلية الآداب عين الشق الدار البيضاء أن المغرب فعلا استقل عن فرنسا، موضحا ان المغرب في ظل الاستعمار كان محروما من مظاهر السيادة، لأن القرار السياسي والاقتصادي والعسكري كله كان بيد السلطات الفرنسية، بخلاف ما جرى بعد 18 نونبر 1955 وإلى اليوم، حيث استعاد المغرب مظاهر سيادته، ليخلص الاستاذ الجامعي إلى انه قانونيا هناك "استقلال"، دون أن ينفي وجود تبعية لفرنسا، وهي التبعية التي تعيشها جميع البلدان في العالم حتى القوية منها، بحسبه، مزكيا كلامه بتبني دول أحيانا مواقف دول أخرى، مشيرا إلى أن المتحكم في تلك العملية هي المصالح، وهي قاعدة التعامل اليوم بين المغرب وفرنسا.

وبالنسبة  للدفالي فإن المغرب خفف كثيرا من ثقل اللغة الفرنسية، مستدلا في ذلك بالمستوى اللغوي الفرنسي الضعيف  لدى كثير من الطلبة مقارنة مع مستواهم اللغوي العربي، وهذا أمر لم يكن حاصلا في السنوات الاولى للاستقلال، مشيرا إلى انفتاح كثير من الطلبة والشباب اليوم على اللغة الانجليزية.

18 نونبر 1955 أم 2 مارس 1956؟

لازال قسم من النخبة المغريية يتساءل هل "استقلال المغرب" جرى يوم 2 مارس 1955 أم 18 نونبر من نفس السنة؟

الاتجاه الرسمي وقسم واسع من المغاربة يؤكد أن "الاستقلال" هو يوم 18 نونبر 1955. وبالنسبة للرافضين لاعتبار يوم 18 نونبر 1955، هو يوم "الاستقلال" فيستندون في رفضهم على كون مساحة واسعة من المغرب الأوسط لم تحصل على "استقلالها" إلا يوم 2 مارس المذكور، وهو تاريخ توقيع "إلغاء الحماية الفرنسية"، مستغربة نفس المصادر لكون هذا التاريخ لا يشكل أي ذكرى جميلة للمغاربة فلا هو عطلة رسمية ولا يوم ذكرى.

ويعتبر الصحفي محمد رضى بنشمسي 18 نونبر كتاريخ لـ"استقلال" المغرب، مجرد "كذب وبهتان مفضوح"، موضحا أن يوم 18 نوفمبر 1955 هو أن الملك محمد الخامس ألقى خطابا يومين بعد عودته من المنفى. لم يتضمن، على حد قول محمد الخامس نفسه، “الإعلان عن مباشرة المفاوضات مع فرنسا لتحديد إطار ومضمون استقلال البلاد، (مع العلم أن…) المفاوضات سوف تختتم بوضع حد لنظام الحماية”. تلك المفاوضات كانت قد بدأت خلال صيف 1955 في منتجع إيكس ليبان في شرق فرنسا عندما كان محمد الخامس لا يزال في المنفى، حيث مثل الجانب المغربي قياديون من الحركة الوطنية (من حزب الاستقلال وحزب الشورى).

و إذا كانت المفاوضات قد توجت بالاستقلال بتاريخ 2 مارس 1956، فإن السبب الأول هو أن فرنسا وجدت نفسها مجبرة على الرضوخ بعد عدة سنوات من مقاومة شرسة سقط فيه المئات من الشهداء في سبيل حرية الوطن. لكن هؤلاء الأبطال المغاربة مثل محمد الزرقطوني و أحمد الرشيدي و حمان الفطواكي وعبد الله الشفشاوني … لا نجد لهم أثرا كبيرا في مقررات ودروس التاريخ. يضيف بنشمسي.

وينتقد بنشمسي بقوة المعالجة الاختزالية التي تقيمها صحيفة لوماتان التي تعتبر قبلة لـ”التاريخ الرسمي”، حين تكتب أن “محمد الخامس هزم الحماية في شهر نوفمبر 1955 عندما فرض على أنطوان بيني Antoine Pinay التوقيع على البيان النهائي للاستقلال”. متسائلا كيف يستطيع المرء أن يكذب بهذه الوقاحة؟ موضحا أن محمد الخامس وبيني لم يوقعا على أي وثيقة على الإطلاق. كل ما في الأمر أنهما اجتمعا عشرة أيام قبل عودة السلطان من المنفى ( وهي العودة التي انتزعها إصرارُ الوطنيين) في لقاء ودي، حيث أكد رئيس المجلس الفرنسي التزام حكومته باستئناف المحادثات التي انطلقت من قبل في إيكس ليبان.

أما الزعماء الوطنيون المساهمون في تلك المفاوضات، يضيف بنشمسي، فإن الصحيفة لا تذكرهم إلا في فقرة عابرة، وفقط في سبيل الإشارة إلى أن محمد الخامس كان “قائدهم” (وهذه كذبة أخرى: لا شك أن السلطان كان يتمتع آنذاك بوضع رمزي قوي، ولكن خلال منفاه في مدغشقر، لم يكن على علم بتطور الأحداث في المغرب). فلماذا تناست الصحيفة أعمال المقاومة البطولية، ولماذا غضت الطرف عن الانتفاضة الباسلة التي قادها عبد الكريم الخطابي، واصفة إياها بـ”تمرد الريف”؟ وأين الموقعون الشجعان على وثيقة المطالبة بالاستقلال، الذين تجاوز عددهم الستين، والذين عرضوا حياتهم للخطر لإعلان وطنيتهم ؟ لم تذكرهم الصحيفة إلا بوصفهم نوعا من “الائتلاف" أسئلة يضيفها بنشمسي.

لماذا "السطو" على التاريخ؟

يفسر بنشمسي ذلك "السطو" برغبة النظام الملكي الحاكم في التأكيد على وجود شرعية واحدة ووحيدة في البلاد، وهي التي يمنحها الدم الملكي. يقول بنشمسي في هذا الصدد: قد نتفهم أن يكون الحسن الثاني لجأ لهذا التحايل على الذاكرة الجماعية، سعيا منه لهزيمة خصومه في الحركة الوطنية. ولكن اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، ما المصلحة في اجترار نفس الأكاذيب؟ إن العرش مستقر لا يهدده أحد. ثم إن الملك محمد السادس، حسب ما يردد الإعلام الرسمي، حريص على “ترسيخ المستقبل الديمقراطي في المغرب”. ولكن المستقبل المشرق لا يمكن أبدا بناءه على أنقاض اقتطاع جزء من الماضي. إن مراجعة التاريخ الرسمي لم تعد أمرا مرغوبا فقط بل هو اليوم ضرورة. فسح المجال أمام أبطال آخرين قد يُمثل علامة نضج للملكية، بينما إصرارها على محوهم من الذاكرة هو الذي يكشف ضعف الملكية وعدم ثقة أركانها في أنفسهم.