عبد الله أفتات

بالغ رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران خلال الأسابيع الأخيرة في مدحه للملك والدفاع عنه والتشبث به لدرجة يخيل لمن لا يعرف المغاربة بشكل جيد أن شوارع المملكة غاصة بالجماهير المطالبة برحيل الملك والحال هو عكس هذا تماما، فالمغاربة تقريبا يعتبرون الملكية هي الأصلح كنظام ويطالبون بتطويرها لتناسب المبادئ الديمقراطية المتعارف عليها .

بنكيران لم يكتفي بهذا بل إنه يخالف المقتضيات الدستورية من أجل إثبات بمناسبة أو بدونها أنه مع الملك، ومن أجل أيضا تهميش نفسه كمسؤول جاء عن طريق صناديق الاقتراع، حين صرح مثلا أمام مجلس المستشارين بداية الأسبوع الماضي ما مفاده أن " جلالة الملك يصدر الأومر ونحن ننفذ" وقال في تصريح آخر أكثر إثارة أنه هنا من أجل المساعدة فقط، وهو ما يمكن اعتباره ضرب لدستور فاتح يوليوز الذي أعطى بعض الاختصاصات لرئيس الحكومة، لكن أسئلة كثيرة تطرح حول سلوك بنكيران هذا، وهو ما سنحاول أن نعطي بعض التفسيرات بخصوصه .

تراجع وهج الحراك الذي شهده المغرب سنتي 2011 و 2012 كان له الأثر البالغ على تراجع حماس أمين عام حزب العدالة والتنمية الزائد، بحيث كان يستعمل ورقة الشارع لفرض نفسه كبديل، ولسان حاله يقول أنا أو الأمواج البشرية التي كانت تخرج في أزيد من 70 مدينة وقرية، وهو ما يعني أن السلطة الحاكمة استعملته ك"جوكير" حتى تمر المرحلة بخير، وعلى ما يبدو فقد مرت كما خطط لها .

السبب الثاني الذي قد يكون يجعل بنكيران يكثر من مثل هاته الخرجات هو تخوفه من العودة القوية لحزب الأصالة والمعاصرة الذي كان يتهيأ للإنقضاض على الحكومة قبل أن يتفاجأ بالرياح القوية للربيع الديمقراطي الذي هبت نسائمه على المغرب الأقصى، وتصريحات قادة هذا الحزب تؤكد هذا المنحى خاصة بعد الطفرة التنظيمية التي حققها في المدة الأخيرة، فأصبح لديه إطارات موازية (أطباء، مهندسين، أساتذة جامعيين، قطاع طلابي ، قطاع شبيبي، جمعيات محلية ووطنية..) وهي إشارات إلى العودة القوية لهذا الحزب خاصة بعد فوزه بمقعد إضافي خلال الانتخابات الجزئية الأخيرة .

السبب الثالث يتعلق بالإحساس الكبير الذي أصبح يراود بنكيران وحزبه بتراجع شعبيته خاصة بعد فقده لمقعدين خلال الانتخابات الجزئية التي عادت لغريميه حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة الذي أصبح يبشر بنهاية العدالة والتنمية، ومع مرور الوقت اتضح أن الحزب الذي يقود الحكومة شأنه شأن كل الأحزاب التي مرت من هنا ولم يستطع اختراق الحواجز، لدرجة أن هناك من يتحدث عن مسؤولين رفضوا تنفيذ ما صدر عن رئيس الحكومة وهو ما جعله يقول أنه هنا للمساعدة فقط، بل أكثر من هذا أصبح يستعمل كل أدواته من أجل الدفاع عن اختيارات الدولة وتبريرها بكل ما أوتي من قوة حتى وإن كان غير مقتنع بها كقضية اعتقال علي أنوزلا، عسكرة الجامعة، الزيادة في الأسعار، الاستعمال المفرط للعصا أمام البرلمان وبمختلف شوارع العاصمة بل بمختلف جهات وقرى المغرب، تراجع على مستوى الحريات التنظيمية والتعبيرية ..وغيرها كثير.

إن مثل هكذا تصريحات تفرغ المؤسسات المنتخبة من كل محتواها، وتجعلها ضعيفة متهاوية أمام المؤسسات المعينة خاصة تلك التي يشرف عليها الملك، خاصة وأن بنكيران أبان عن زهد كبير في تعيين مدراء المؤسسات الكبرى والاستراتيجية لفائدة الملك رغم منحه الدستور إياها، مما يجعلنا نتساءل عن دعوى إجراء الانتخابات إذا كان رئيس الحكومة من أجل المساعدة، أو إذا كان الملك سيصدر الأوامر والحكومة تنفذ، إن رئيس الحكومة من المفروض أن يكون لديه برنامج صادق عليه البرلمان ومن المفروض أن يكون شريكا في صنع القرار، لكن كل المؤشرات تقول أن بنكيران مسكين لا حول له ولاقوة، والمضحك أنه في بعض الحالات يتحدث كأنه رئيس حكومة بجد، لكنه أصبح حسب العديد من المراقبين عالة على الإدارة وعلى أحلام المغاربة التي تبخرت منذ أن وطئت قدماه مقر رئاسة الحكومة .