بديل ــ الرباط

يكشف الصحفي المغربي محمد الطائع، في كتابه ''عبد الرحمان اليوسفي والتناوب الديمقراطي المجهض"، عن محطة تاريخية مهمة، توثق للصراع الذي كان بين المستشارين الملكيين من جهة والحكومة المنتخبة من جهة أخرى.

وتفـيد الشهادة أنه :" كان الصراع بين الحكومة المنتخبة و الديوان الملكي حقيقة ثابتة جسدتها أكثر من واقعة، فمع ازدياد مشاكل اليوسفي داخل حزبه ووسط فريقه الحكومي أصبح نفوذ "حكومة الظل" يتقوى، و بدأت ملفات عديدة في يد حكومة التناوب ترحل رويدا رويدا إلى الديوان الملكي، الذي أصبح يتدخل في الشؤون الحكومية ، بشكل مباشر. أضف إلى ذلك ما كانت تعانيه حكومة اليوسفي جراء معاكسات "وزراء السيادة".

المستشار الملكي أندري أزولاي، الذي كان وقتها أكثر نفوذا و سلطة و تأثيرا من كافة أعضاء الديوان الملكي الجدد أدلى بدلوه "السياسي" في هذا المضمار، و صرح بأن "النتائج الاقتصادية لم تكن مرضية نظرا لانعدام تجربة أعضاء الحكومة، و كان هذا هو ثمن التناوب"..

على نفس النغمة و الإيقاع لن يتردد بدوره وزير العدل (أنداك) عمر عزيمان في "تنقيط" حكومة اليوسفي. ففي تصريح لجريدة "لوموند الفرنسية" ذائعة الصيت و الأكثر تأثيرا و انتشارا في صفوف النخب الفرنكوفونية، قال عزيمان، و هو عضو في حكومة اليوسفي، "لقد حققت الحكومة مردودا إيجابيا في مجال حقوق الإنسان، و لكننا خذلنا المواطنين اجتماعيا و اقتصاديا". موقف أغضب اليوسفي كثيرا إلى جانب العديد من الوزراء.

خرجات اعتبرها اليوسفي غير بريئة في توقيتها و ضربا للدستور المغربي، الذي لا يخول إطلاقا لمستشاري الملك التدخل المباشر و العلني في عمل الحكومة، و تنسيقا غير بريء في تنقيطه أو تنقيط حكومته. و ما أغاظ اليوسفي أكثر هو تزامن هذه الخرجات الإعلامية "المحسوبة و التوجيهية" لمستشاري الملك مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2002، و التي كان عبد الرحمان اليوسفي يعول عليها كثيرا. لذا طلب اليوسفي من صحافيي "الاتحاد الاشتراكي" الرد بحزم على ما قاله وزير العدل و مستشار الملك "النافد"، فانتقدت جريدة حزب الوزير الأول هذا "الترامي على الاختصاصات"، و جاء في افتتاحيتها ليوم 29 يناير 2002 ما نصه: "يطرح هدا التصريح مشكلا سياسيا كبيرا، فبالإضافة إلى أنه مجانب للحقيقة (....) فإن من شأنه أن يغدي عددا من الاستنتاجات التي آلت إليها بعض الأقلام، مثلا: أن هناك حكومة ظل موازية للحكومة المؤسسة (....) و أن لها أدوارا توجيهية في القرار السياسي و في التعيينات (....) في سنة انتخابية يصبح التذكير بواجب التحفظ عند مستشاري جلالة الملك ووزراء السيادة ضروريا، و إلا فلن يثير ذلك إلا البلبلة.

و قبل صدور هذه الافتتاحية "الغاضبة" بيوم واحد فقط، و ردا على تصريحات و تدخلات مستشاري الملك و "وزراء السيادة" التي خلفت غضبا عارما في الأوساط السياسية و داخل الحكومة و حزب "الاتحاد الاشتراكي" تحديدا، و في عمق الجدل الذي طفا لأعلى السطح حول الفروق الجوهرية بين الفاعل السياسي الحزبي و الفاعل السياسي التقنوقراطي، صرح القيادي الاستقلالي و عضو مجلس النواب و الوزير في حكومة التناوب المعدلة ، امحمد الخليفة، لجريدة "الصباح" قائلا: "قد يكون هذا هاجسي في الغد عندما أنزل إلى الانتخابات، و قد لا يكون هذا الهاجس واردا عند زميلي الأستاذ عبد الصادق ربيع، الأمين العام للحكومة".

بعد شهر تقريبا من خرجة مستشار الملك "أزولاي" و وزير العدل "عزيمان" على صفحات جريدة "لوموند" الفرنسية، سيرد اليوسفي على منتقديه بكلام مباشر على أعمدة مجلة "ليكسبريس" الفرنسية. ففي جوابه عن سؤال للمجلة بخصوص موقفه من الخرجات الإعلامية و أراء مستشاري الملك في عمل حكومته، قال اليوسفي بكل بساطة ووضوح: "لقد ردت صحافة حزبي على ذلك الكلام، و على ضرورة أن يلتزم المسؤولون و مستشارو الملك بواجب التحفظ، فليس من صلاحياتهم إطلاق أحكام على عمل الحكومة. إن هذه الأخيرة تتحمل مسؤولياتها في تدبير شؤون البلاد، و يجب عليها تقديم الحساب للبرلمان، و أمام جلالة الملك، و ليس أمام أي شخص أخر".

ليس عسيرا تحقيب مرحلة حكومة التناوب و تجزيئها إلى مرحلتين: الأولى مرتبطة ببقاء الحسن الثاني على قيد الحياة، و الثانية تبدأ مباشرة بعد وفاته و اعتلاء ابنه الملك محمد السادس عرش المملكة، بعد بيعته بتاريخ 23 يوليوز 1999.

في مرحلة الحسن الثاني، اشتغل اليوسفي بثقة كبيرة و سرعة أكبر، و كانت كافة الخلافات تجد طريقها إلى الحل و بسرعة. كان التفاهم و التناغم بين اليوسفي و الملك و مستشاريه عامل قوة للتجربة، و كانت قنوات التواصل مباشرة و مفتوحة بالكامل. فالعلاقة التاريخية بين الحسن الثاني و اليوسفي و انتماؤهما للجيل نفسه سهلت و دللت الكثير من الصعاب. لكن بعد وفاة الحسن الثاني، سيتوارى جيله رويدا رويدا ليخلفه جيل شاب، جديد في كل شيء، و من هنا بدأت شرايين التواصل تختنق، هنا بالضبط أصبح التناوب و رجالاته "الأحياء" الواقفون خلفه "عبثا" على النخب الجديدة و بدأت الأجراس تدق معلنة في كل حين استعجال النهاية و "إجهاض" تجربة التناوب التوافقي.

أيضا فمستشارو الملك الجديد و فريق عمله المشكل أساس من أصدقائه، باتوا يتحاشون الاتصال باليوسفي و مقابلته، بفعل كاريزمته و صرامته التي لا يجرؤون عليها، فزاد هذا الحاجز و التباعد في تعقيد الأمور.

هكذا تحول أحمد الحليمي و فتح الله ولعلو في السنة الأخيرة من عمر حكومة التناوب إلى وسطاء بين الديوان الملكي و اليوسفي، حيث يتم الاتصال بهما لنقل الرسائل لليوسفي و استبيان وجهة نظره في أكثر من موضوع أو إخباره بمستجد.

و بينما كان اليوسفي يتحمل -صامتا- الانعكاسات السلبية لتقلبات الوضع الجديد، في علاقته مع القصر، كان بالمقابل في معركة مفتوحة مع وزراء السيادة في حكومته و أيضا "جيوب المقاومة" و المعارضة، بل كان عقل و عين اليوسفي أيضا على ما يفتعل من حروب ضده في قلب حزبه.

في هذا السياق سئل اليوسفي عما إن كان يعتبر العمل إلى جانب ملك شاب نوعا من الامتياز، فرد قائلا: "إن ذلك أمر بديهي لأنه يجسد حقيقة المجتمع المغربي اليوم. إنه ملك حداثي، ملك مغرب القرن ال21. بالطبع، كنت من جيل الحسن الثاني، و كنا نتقاسم تراث المقاومة، و أشعر بالسعادة عندما ألاحظ استمرار هاتين التجربتين، لأن كلا منهما تضيف إلى الأخرى، و تشكلان مكسبا للمغرب".

و حين سئل عن تقييمه للفرق بين الاشتغال إلى جانب ملكين (الحسن الثاني و محمد السادس)، أجاب: " يمكن أن يفاجئك ذلك، فبالنسبة إلي لا يوجد أي فرق. إن احترامي و إرادتي في الاستمرار في هذه التجربة هو نفسه". لكن هذه التجربة لم يكتب لليوسفي إكمالها إلى نهايتها كما أراد، بعدما تباينت الرؤى بين جيلين و تصورين، و لمس الجميع أن "العهد الجديد يبحث عن " نخب جديدة". نخب كانت مند مدة قيد التحضير في صمت و هدوء".