حميد المهدوي ـ أعاد "الاعتداء"، الذي تعرض له، بحسبه، يوم الأربعاء 2 يوليوز، أستاذ داخل إحدى مقاطعات طنجة، ذاكرتي إلى "اعتداء" مماثل كنت قد تعرضت له، قبل سنوات، علي يد قائد ينتمي للمخزن التقليدي "اللي كيكمي الكيف وكيحارب الكيف".

سوق "كاسباراطا" العشوائي، بطنجة، الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، من يوم الأحد سنة 2008، بعد غد الثلاثاء عيد المولد النبوي، رواج منقطع النظير على بضاعتي، بعد أن وُفقت في جلب ملابس أطفال، لا نظير لجودتها وثمنها البسيط في السوق، لم يمض على عرضي لسلعتي سوى ساعتين، حتى كنت قد ربحت قرابة 500 درهم، وإذا صار الوضع هكذا إلى السابعة مساء، سأكون "معيد بالصح"، لكن "يوجد دائما من يفسد الحكاية" على قول القاص و الروائي أحمد بوزفور. ثلاثة أشخاص بلباس مدني، وشخصان بلباس عسكري يهاجمون "الفراشة"، لم انتبه إلى الأمر إلا متأخرا، حاولت الهروب كما الجميع، لكن "فراشتي" كانت ثقيلة جدا، لقد وقعت إذن.

نقلوني رفقة بضاعتي إلى مقاطعة "كاسابراطا"، دار جدل كبير بيننا في السيارة، لم يشفع لي تصريحي باني مجاز معطل وأعيل أسرة. صعدنا الدرج إلى الطابق الثاني؛ حيث مكتب القائد، وإلى جانبه مكتبين، أحدهما خصص لتخزين المحجوزات، سمعت صراخا مؤلما لصاحب "فراشة"، ينبعث من مكتب المحجوزات، ضربات متتالية تتهاوى عليه، فيما الضحية يناجي الله أن يفك محنته ويعيدوا له بضاعته، بدأت الهواجس تساورني تباعا: هل "سأُسلخ"؟ هل سيكون مصيري من مصير الشخص الذي يصرخ؟

أدخلوا بضاعتي إلى مكتب المحجوزات، قبل أن يطلبوا مني مغادرة المكان، سألت عن القائد، بعد أن أقنعوني باستحالة استعادة سلعتي إلا بإذنه، لكن القائد غير موجود. مر العيد "جحيما" علي، فخسارتي ليست سهلة، لقد حجزوا على قرابة 6000 درهم، ولم يبق لي سوى 4000 درهم، وهي كل "ثروتي" في الحياة، لينطلق المسلسل  الشيق مع القائد.

مر أسبوع، حللت بالمقاطعة "صباح الخير" أحيي عون سلطة فيرد: "صباح الخير"، ثم أسأل: "هل القائد هنا"؟ "لا مازال ماجاش". بعد نصف ساعة يحل القائد، أوقفته في بهو المقاطعة "صباح الخير السي القائد" فرد بابتسامة عريضة "صباح الخير"، ثم واصلت حديثي "السي القائد راهوم داولي شي سلعة، وأنا مجاز معطل، أتحمل أعباء أسرة، وليس لي من مورد في الحياة غير السلعة التي حجزوها، أرجو أن تعيدوا لي بضاعتي"، فخاطبني "في العشية آجي تاخذها".

عدت في الثالثة بعد الزوال، القائد لا يدخل إلى مكتبه إلا في الرابعة بعد الزوال، حرصت على الوقوف أمام باب مكتبه، حتى يراني دون أن اطلب منه شيئا، مخافة أن يجد مبررا للانقلاب علي، اعتقدت أنه سيناديني في أي لحظة لتسليمي بضاعتي، لم يفعل، الساعة السابعة مساء، يغادر مكتبه، اعترض سبيله "السي القائد ذيك السلعة الله يجازيك بخير" فيرد: "آه نسيت من كثرة المشاغل غدا آجي ديها في الصباح"، جئت في الصباح الباكر، وقفت مجددا أمام باب مكتبه، لم اكلمه، ابتسمت في وجهه وأنا أحييه بصوت خافت "صباح الخير السي القايد" نظر إلي، وبادلني نفس الإبتسامة وهو يردد "صباح الخير"، سررت بتحيته، وفي قرارة نفسي قلت "ما أطيبه، ليت القواد ومسؤولي كل البلد مثله". لم ينادي علي، ولا عن احد أعوانه من أجل قضيتي، خرج من مكتبه، في الساعة الواحدة بعد الزوال، تقدمت نحوه بابتسامة عريضة، "السي القائد ذيك السلعة" فيرد "آه نسيت من كثرة المشاغل، شوف آجي في العشية".

جئت في الساعة الثالثة، وجاء هو في الرابعة كما العادة، تكررت نفس المشاهد السابقة، يجدني في بهو المقاطعة أمام مكتبه، أبتسم في وجهه فيبتسم في وجهي، وعند الساعة السابعة يغادر، اعترضه في البهو "السي القائد ديك السلعة" فيرد "آه نسيت من كثرة المشاغل، آجي غذا في الصباح"، أدركت مخططه، كان ينتظر مني أن أقول له "ولكنك قلت لي آجي في المساء" ليجد فرصة للانقلاب .

والله يشهد، تكرر هذا المشهد اليومي أكثر من شهر، صرفت كل مدخراتي، لم يبق أمامي سوى السرقة أو التسول، راودتني أفكار إجرامية خطيرة، فكرت أن اسرق للقائد ابنه، ثم فكرت أن أحرق له منزله، وفكرت أن احدث ثقوبا بجميع عجلات سيارته، لكن لم أفعل شيئا من هذا، علما أنه كان يستحق شرب دمه، لقد حطمني وكرهت "القواد" "والعمال والولاة بل كل مسؤولي البلد.

كنت كل مساء احتسي قهوة مع أصدقاء بمقهى الأندلس بطنجة، كان بينهم، ابن عم مصطفى الغنوشي،  المدير الحالي لديوان وزير الداخلية، وكان آنذاك، رئيس قسم الشؤون العامة بولاية طنجة، هو ينحدر من بلدتي منطقة الخنيشات باقليم سيدي قاسم، والدي صديق حميم لشخص تكفل بتربيته، اقترح علي صديقي ابن عمه، أن ألجأ إليه، فهو المتحكم في "قواد" طنجة، بحسبه، شجعني اكثر على ذلك، تزكية والدي له، من خلال الإشادة بأخلاقه الكريمة بحسبه، توجهت إليه، كان لطيفا ومبتسما، بعد أن قدمت له نفسي، هو يعرف والدي، "آه باك هو إمام المسجد اعرفه"، قلت "الحمد لله يبدو أنها فرجت".

استقبلني في مكتبه وهو محاط باثنين من مرؤوسيه، أذكر أحدهما يسمى "القائد رشيد"، سألني الغنوشي عن أحوال البلدة والأسرة، ثم طلب مني أن أروي له ما جرى، استهللت القصة بالحديث عن وضعيتي كمعطل يعيل أسرة، حاصل على إجازة وعدد من الشواهد فكان أول هدف سجله في مرماي، أن قال لي "إذن أنت سوقك خاوي"، زعزعني هذا الرد، في وقت تعالت فيه قهقهات صديقيه، واصلت الحديث، فقاطعني كم قضيت في طنجة، قلت له سنتين، فعظ على أسفل شفتيه، قبل أن يقول متأسفا "آه ماعندك زهر كون دوزتي ست سنوات كون شفنالك مقدم في شي مقاطعة، حسن من هاذ البيع والشرا في الزنقة"، دَبَّ مُقترحه هذا في قلبي دبيب الموت في الحياة، وشعرت بإهانة كبيرة، تمنيت أن أنفجر في وجهه، أن تبتلعني الأرض، على أن أسمع هذا المقترح، بسرعة البرق تخيلت نفسي "مقدم"، والأفظع تخيلت كيف سيستقبل معارفي ممن عاشروني في جامعة ابن طفيل الفكرة "المهدوي مقدم في طنجة" أعوذ بالله.

اتصل الغنوشي بقائد "كاسابارطا" او تظاهر بالإتصال، الله أعلم، قبل أن يغلق الهاتف، ويلتفت إلي قائلا، اليوم الاثنين، صباح الأربعاء اذهب إليه، وسيعطيك بضاعتك".
خرجت مسرورا، وأنا أدعو الله أن ينصره ووالدي وابن عمه الذين هداني إليه.

جاء يوم الأربعاء، حللت بالمقاطعة في الساعة التاسعة صباحا، جاء القائد في الساعة العاشرة، نظر إلي ابتسمت في وجهه، وأنا أردد بصوت خافت "صباح الخير السي القايد" فرد بوجه متجهم على غير عادته، "صباح الخير".

مضت ساعة على وجودي بالمقاطعة، لم ينادي علي، تقدمت صوب "الشاوش" "الله يجازيك بخير دْخُل عند السي القائد قولوا داك السيد لي منطرف السي الغنوشي"، دخل "الشاوش إلى مكتب القائد، وعاد مشيرا إلي أنه فعل، مرت ساعتان ولم ينادي علي، نفذ صبري، بعد أن نفذت كل أموالي، خرج القائد إلى بهو المقاطعة، وكانت تغص بالناس، كل واحد وقضيته، تقدم نحو العديد منهم، يسأل كل واحد عن غرضه، فيحدد له موعدا، أو يحيله على مصلحة ما، وصل إلي، والله يشهد، تقدمت بأكثر ما يمكن صوب أذنيه، وأنا أهمس له "آنا السيد لي من طرف السي الغنوشي" فرد غاضبا "إوا من بعد شنو بغيتي"، صدمني رده، يا الله ما ذا أسمع، أدركت المقلب، فعزمت على التصعيد، قلت له "بضاعتي"، فرد "ليس لك بضاعة هيا غادر المكان"، قبل أن يعود لمكتبه، ملأت القاعة صراخا، بعد أن أدركت أنه لم يعد لي ما أخسره، فطلب القائد من "الشاوش" أن يدخلني إلى مكتبه، دخلت إليه وقال صارخا:"دابا حنا درنا بوجه السيد وانت قدام الناس كتقولي أنا من طرف الغنوشي"، ضبطت أعصابي، وحرصت على الهدوء وأنا أقول له "السي القائد أنا هنا منذ ثلاث ساعات، بل لأزيد من شهر، وطلبت من الشاوش أن يخبر ك بوجودي بناء على اتفاقك مع السي الغنوشي، وقد اخبرني الشاوش أنه فعل، فظللت أنتظر استدعائك لي، قبل أن تخرج إلى القاعة تطلب معرفة غرض كل واحد، طلبت مني تحديد سبب وجودي، وقد همست في أذنك ولم يسمع احد ما دار بيننا".

طلب مني أن آتي في المساء لاستعيد سلعتي، جئت في الثالثة، وتكرر نفس المشهد القديم، لمدة أسبوع، انتظره لساعات في بهو المقاطعة، وحين يكون مغادرا، أتقدم إليه، فيرد "نسيت من كثرة المشاغل آجي غدا في الصباح" فآتي في الصباح فيقول لي وهو يغادر زوالا "أجي في العشية".

لم يبق لي سوى ان اقتله، والله يشهد فكرت في هذا، ثم فكرت أن أعود إلى الغنوشي، قابلني الأخير امام باب مكتبه غاضبا "آش داكشي لي درتلينا انتايا، صيفطناك عند السي فضحتينا قدام الناس"، أقسمت له بأغلظ الأيمان أني لم افعل، وأن القائد عبد الرحيم، فقط ناور كي لا أستعيد بضاعتي، لم يستقبلني الغنوشي بالحفاوة التي استقبلني بها في المرة السابقة، رجحت أن مقلبا دبره مع القائد، طلب مني أن أعود إلي المقاطعة، وأنه سيكلم القائد مجددا.

عدت إلى المقاطعة، و لأسبوع ونفس المشهد يتكرر. إلى أن حل يوم وكان هو يوم جمعة، ويوم الأحد سأكون في إحدى المؤسسات لإجتياز مباراة في الجمارك. كانت ورقة الترشح بجيبي.

شاهدت شخصا من بلدتي يدخل المقاطعة، وقد سبق لي أن شاهدته يدخلها في عديد مرات ولكني كنت "مرفوعا" عنه، تقابلت عيني مع عينه، حياني وحييته، ليخبرني أنه "مقدم" في نفس المقاطعة، حكيت له قصتي وأطلعته على قضية المباراة وأني لا أجد ما أكله فبالأحرى اجتياز امتحان، سأل إن كان بحوزتي بطاقة تعريف وورقة الترشح للامتحان، ليثبت للقائد أني ابن بلدته، حتى لا يظن به سوء، قلت بلى مددته ببطاقة تعريفي الوطنية وورقة الترشح للامتحان، قبل أن يخاطبني "واقيلا عندك الزهر راني اليوم فرعت لواحد فمو كان تيبني بلا ترخيص، القائد منعو، وهو يواجهو، وأنا نكلملو ببونية، هانت شوف صباعي باقي فيه الدم"، يقول المقدم وهو يشهر أصبه المعني، في الهواء.

دخل إلى مكتب القائد، وخرج إلي بعد دقيقتين، ليطلب مني أن آتي في المساء لأن المكلف بمكتب التخزين لم يكن هناك، جئت في المساء وسحبت سلعتي، سرقوا نصفها طبعا، وأخذت "كسوة" جميلة، قدمتها للمقدم بعد أن أخبرني أن له طفلة عمرها ست سنوات، حاول أن يرفض تسلم الهدية ولكني أصررت على أن يأخذها.

غادرت المقاطعة وأنا أضحك من هذا المغرب العجيب الغريب، الذي يحل فيه المقدم المشاكل التي عجز عن حلها رئيس قسم الشؤون العامة...