بديل ـ عماد كزوط

في هذه الشهادة، التي خص بها عبد السلام الغازي، ابن محمد بن العياشي الغازي، المجاهد الذي شارك في حرب "البيبان" المماثلة لحرب "أنوال" ، ينفي الغازي أن يكون عبد الكريم انهزم في الحرب أمام القوات الاسبانية والفرنسية، كما ظلت تشيع معظم وسائل الإعلام المعادية لخطه الكفاحي، وخلافا لما رُوٍّج له دوما من لدن النخب السياسية، التي شاركت القصر التوقيع على معاهدة اكسليبان، حول وجود عداء مستمر بين الملك محمد الخامس وعبد الكريم، فإن الغازي، المقرب جدا من أسرة عبد الكريم والمطلع على جميع وثائق الأخير، يكشف عن حقيقتين مثيرتين، واحدة حين بعث الملك لعبد الكريم بحصان، لم يكتب له الوصول بعد أن صادرت القوات الفرنسية الهدية في الطريق، وواحدة حين شكر عبد الكريم محمد الخامس، مباشرة بعد ان وطئت قدماه القاهرة.
وفي هذه الشهادة، يفك الغازي لكم لغز عدم تحرير عبد الكريم لمليلية، بعد أن دخلها منتصرا خلال حرب أنوال، كما يطلكم عن عدد من الحقائق حول كيفية حصوله على السلاح، وعلاقته بالمخابرات الألمانية، وهل فعلا ان الأخيرة هي من أوحت له بوقف الحرب؟ وفي الشهادة أيضا حقائق لم تقرأوا أو تسمعوا بها أبدا عن الاستقلاليين والاتحاديين وجنرالات الجزائر وأشياء أخرى مثيرة وصادمة سننقلها إليكم على شكل سلسلة من الحلقات، مع فتح المجال لقراء الموقع الكرام بالتعليق على هذه الشهادات.

كان عبد الكريم يبلغ الثلاثين من عمره، حين استشهد امزيان سنة 1912، على يد القوات الإسبانية، لم يفت عبد الكريم الدور لزيارة جثمان المجاهد "أمزيان"، مستغلا إقامته بـ"مليلية" ، قبل أن يبعث رسالة لأبيه عبد الكريم يقول فيها: "شاهدت جثة المجاهد امزيان فوجدت وجهه يتلألأ نورا، فبدأت أحشائي تتقطع كمدا، ولذا أطلب منك أن تبعث رسالة إلى "المخ" حاكم مليلية وتهنئته على انتصاره لكن بأدب " ظاهر".

ضمن هذا السياق أبى الشاهد " عبد السلام الغازي "، إلا أن يقف قليلا على هذا المقطع، ليرد على بعض الجهات، التي تقوم بحذف كلمة " ظاهر" من الرسالة لتحاول بخبثها ترسيخ تهمة الخيانة لدى عبد الكريم، موضحا أن تعامل الأخير مع اسبانيا كان من أجل توفير بعض الوقت لرص الصفوف وتوحيد القبائل من أجل مجابهة إسبانيا نظرا لأعباء الحرب الثقيلة.

مضى عبد الكريم قدما في تعامله مع اسبانيا بالرغم من التهم الموجهة إليه، بحيث كان همه الوحيد، توحيد القبائل ورص صفوفها، قبل خوضه أي حرب معها، فكان هذا بالضبط عين الاختلاف بين أمزيان وعبد الكريم حول عدم مشاركة هذا الأخير شخصيا في مواجهة أمزيان لإسبانيا.

كان الصراع في هذه الفترة يتجاوز كل التوقعات، صراع يصل إلى حد الإقتتال بين كل دار ودار، ليس هناك اسقرار ولا أمان، وهي الحالة التي يشبهها مُنظر العقد الإجتماعي طوماس هوبس، بحالة الطبيعة، عندما بدأ وضع أسس الدولة الحديثة، حين كان الصراع يبلغ أشده حول تجاوز السلطة الدينية في أوربا.

وإذا كان هوبس قد اعتبر تأسيس نظام سياسي، تخول فيه السلطة للحاكم من قبل الشعب، هو الكفيل بتحقيق السلم والأمان، فإن عبد الكريم وجد في تهديد المد الاستعماري للمغرب الدافع لتحقيق السلم والأمان لا لشيء سوى لتوحيد الصفوف من أجل مجابهة العدو.

نجح عبد الكريم في رص الصفوف وكشف وجهه عندما أدرك أن إسبانيا عازمة على فرض حمايتها على المغرب، فكان أول عمل قام به عبد الكريم بهذا الخصوص هو استدعاء ابنيه الاثنين إلى حضيرة الوطن، قبل ان يقوم بزيارة تفقدية الى "تفريست" المستعمرة، تأهبا لشن الحرب على اسبانيا، لكن المفاجأة التي لم تكن في الحسبان، قيام اسبانيا ببعث أحد عملائها ليقوم باستضافته، قبل أن يدس له السم في الطعام، ليفارق الحياة بعد عشرين يوما بعد ذلك سنة 1920، ستبدأ أطوار حكايات مثيرة مع محمد ابن عبد الكريم، سيرصدها لكم موقع "بديل" في الحلقات القادمة..

يتبع