معظم قادة الجيوش العربية قليلو الكلام، وهذا لا يعني انهم يفضلون الفعل على القول، وفقا لمتطلبات مهامهم وادوارهم، ولكن ما قاله اليوم الجنرال التونسي المتقاعد رشيد بن عمار، رئيس هيئة اركان الجيش، حول “التحالف الاسلامي لمحاربة الارهاب” الذي اعلن عن قيامه الامير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي، في مقابلة مع صحيفة “الصريح” يستحق التوقف عنده بجدية واهتمام.

الجنرال بن عمار الذي تردد انه لعب دورا رئيسيا في “اقناع″ الرئيس التونسي الاسبق زين العابدين بن علي بالرحيل اثناء انفجار الثورة التونسية في عام 2011، قال ان انضمام تونس الى هذا التحالف الاسلامي ضد التنظيمات الارهابية بقيادة المملكة العربية السعودية “خطوة مهمة” لكنها “تفتقد الى مشاركة الجزائر”، واضاف بأنه “لا يبدي ارتياحا لغياب الجزائر عن هذا التحالف الاسلامي المعلن”.

غياب الجزائر عن هذا “التحالف الاسلامي” ليس نقطة الضعف الوحيدة في رأينا، بل غياب دول اسلامية ذات وزن كبير، مثل باكستان واندونيسيا والعراق وايران وسورية، الى جانب الجزائر، وبعض هذا الغياب ربما جاء بسبب “عملية اقصاء” مقصودة، مثلما هو حال العراق وايران وسورية، وربما الجزائر ايضا، او نتيجة التجاهل وسوء التنسيق، او عدم الرغبة، ووضع اسماء دول على قائمة الاربعة والثلاثين الاعضاء دون التشاور معها، وعلم معظمها بهذا التحالف من خلال الصحف ومحطات التلفزة، في عملية “املاء” تثير حساسيات، وربما عداوات ايضا.

الجزائر دولة اسلامية مهمة، سياسيا وعسكريا، وخاضت تجربة دموية استمرت اكثر من عشر سنوات في مكافحة “الارهاب”، حسب ادبياتها، راح ضحيتها اكثر من مئتي الف شخص، وتهميشها بهذه الطريقة من قبل المسؤولين عن تأسيس هذا التحالف يعتبر سوء تقدير لها ومكانتها، ان لم يكن اهانة ايضا.

لا نعرف اسباب هذا التهميش، مثلما لم نسمع اي رد رسمي عليه، باستثناء بعض التلميحات في صحف ومواقع للتواصل الاجتماعي، فالتحالف مذهبي سني، والجزائر مالكية سنية، وربما جرى استثناؤها لانها ترفض التقسيمات والفتن الطائفية، وربما ايضا لانها لم تقف الموقف المعارض نفسه الذي وقفته دول عربية خليجية تجاه النظام السوري، واعترضت على قرار تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية، ولا نفهم حتى هذه اللحظة اسباب الصمت الرسمي الجزائري تجاه هذه المسألة، ومسائل اقليمية اخرى عديدة.

منذ الاعلان عن هذا “التحالف الاسلامي” في مطلع الشهر الحالي من قبل الامير محمد بن سلمان، والدول المشاركة فيه، لم نسمع عن اي خطوات عملية لتكريسه على ارض الواقع، بمعنى آخر، لا نعرف ما اذا كان عسكريا ام سياسيا، وهل هناك خطة لعقد اجتماع لوزراء خارجية الدول المعنية، وهل سيتم تشكيل لجنة من الخبراء والوزراء لوضع ميثاق لهذا التحالف على غرار حلف “الناتو” مثلا؟

كثرت التحالفات العربية والاسلامية، مثلما تناسلت قبلها “العواصف”، والمنطقة العربية تسير من تفتيت الى آخر اكثر عمقا، ومن حرب دموية الى اخرى اكثر دموية، وبات الانسان العربي المقهور المهمش والمبعد عن دائرة اتخاذ القرار مطالبا بتمويل هذه الحروب، واعمال التدمير والقتل المنبثقة عنها، او نتيجة لها، من قوت يومه، وخبز اطفاله وحليبهم، وهنا تكمن المأساة او بعض جوانبها.