في سنة 2013، أجريت حوارا بالصوت والصورة مع الأمين العام لحزب "الإستقلال" حميد شباط، وحين هم لوداعي أمام مكتبه بالمقر المركزي للحزب، رجحت على مسامعه أن يعود بنكيران لرئاسة حكومة جديدة، فأمسك شباط بيدي اليسرى وخبط عليها قائلا: "واللهْ لَا وَلَّا ضْرَبْ فيها الضَّرْبَة".

وطيلة المدة الفاصلة بين هذا القسم واليوم، ظل سؤال واحد يدور في خلدي: ما الذي يجعل شباط واثقا من نفسه ومعطياته إلى درجة يقسم فيها بأغلظ الأيمان، على عدم عودة بنكيران لرئاسة الحكومة من جديد؟

وكلما خامرني هذا السؤال كنت لا أجد أمامي سوى جوابين: إما أن الأمر عادي ويرتبط في عمقه بحماسة وثقة في النفس زائدتين عن اللزوم وناجمتين عن شعور بـ"عظمة سياسية" تملكت شباط بعد إزاحته لـ"آل الفاسي" من قيادة حزب "الميزان"، وإما أن الرجل تلقى ضمانات من جهات عليا في البلد، بعدم فوز بنكيران في الانتخابات المقبلة، أو ربما حتى الوصول إلى هذه الانتخابات، بإجراء انتخابات سابقة لأوانها، تفضي إلى فوز حزب "الاستقلال"، وبالتالي رئاسة شباط للحكومة؟

كانت قناعتي تميل أكثر إلى الجواب الثاني لاسيما بعد أن كشف لي عبد الواحد الفاسي، زعيم تيار "بلا هوادة" عن تفاصيل غريبة ومثيرة سبقت إعلان شباط فائزا برئاسة حزب "الاستقلال"، قبل أن يتزكى هذا الاقتناع بشكل أقوى من خلال الجولات التي نظمها شباط في عدد من مدن المملكة، مباشرة بعد انتخابه أمينا عاما للحزب، حيث كان لافتا للانتباه حجم الحشود الغفيرة التي كانت تحج لمهرجاناته الخطابية وحجم المواكبة الإعلامية المثيرة لها.

وخلال هذه الجولات كان "رشاش" شباط مُوجه صوب هدف واحد؛ إنه "صدر" عبد الإله بنكيران؛ فقد اتهمه بـ"سرقة" "الغاز" من القنينات، و بموالاة "التنظيم العالمي للإخوان المسلمين" قبل أن يتهمه بموالاة تنظيم "داعش والنصرة" الإرهابيين، بل وحمله مسؤولية فيضانات التشيك وأحداث تركيا، ولم يبق له إلا أن يحمله مسؤولية نشوب الحرب العالمية الأولى والثانية !

و طيلة مدة "تأليبه" ضد بنكيران ظلت وسائل الإعلام المغربية، تزف شباط "عريسا" للرأي العام؛ إذ يستحيل أن يمر يوم دون أن تغطي صوره وتصريحاته مختلف صفحات الجرائد الورقية والمواقع الإلكترونية، إلى أن "نفُذ رصاصه"، دون أن "تنفذ" شعبية بنكيران وسط المغاربة، بل إن شعبية الأخير أصبحت تتغذى من "الرصاص" الطائش لشباط، خاصة بعد أن أخرج الحمير للتظاهر في شوارع العاصمة، والأفظع ظهوره على صفحات وسائل الإعلام وهو "يقج" برلمانيا داخل مؤسسة دستورية وتشريعية، دقائق قليلة على مغادرة الملك للبرلمان بعد أن حث الفاعلين الحزبيين على تجنب ما وصفها الخطاب الملكي بـ"المزايدات السياسية".

إذن لقد فَشل شباط في مُهمته،  بل أزم وضعية "المخزن" أكثر مع "العدالة والتنمية" حين صعد "نجم" أمينه العام بفضل "ترهات" شباط، التي كانت سببا  مباشرا في"احتضاره" ودخوله إلى غرفة "العناية المركزة" إلى أن وقع بشكل رسمي على "وفاته" يوم طالب برفع الحصار على "جماعة العدل والإحسان"، لـ"يلفظ  أنفاسه الأخيرة سياسيا"، يوم زيارة الملك لفاس، وذلك بعدما لم يظهر له أثر خلال تلك الزيارة؛ فحين يزور الملك هذه المدينة ولا يَظهر عمدتها طيلة مدة الزيارة، لا ضمن الوفد المستقبل للملك، ولا ضمن الوفد المرافق له خلال جولاته في شوارع المدينة فهذا يعني نهاية هذا العمدة، وطبعا ليست هناك نهاية أروع من "ذبحه" ديمقراطيا بواسطة "أصوات الناخبين".

وعندما يُصوت شباط على الأزمي قبل أن يظهر على شريط فيديو وهو يتصرف معه كما يتصرف  عبد الحق المريني، مدير القصور الملكية والتشريفات والأوسمة مع الملك، وهو الذي وصف الأزمي، سابقا بـ"داعش المغرب"، وحين يفكر شباط في المساندة النقدية لحكومة بنكيران، بعد كل ما قاله في حقها وفي حق وزرائها، فهذا له معنى واحد لا ثالث له؛ شباط في لحظة لخبطة وتيهان ودوخة، لا يعرف ما يقدمه ولا ما يُؤخره، والمصيبة أن لا أحد من محيطه نصحه بتلك المقولة المأثورة "ليداخْ يْشَدْ لَرْضْ".

بقاء شباط في الواجهة إحراج كبير للقضاء المغربي بسبب تصريحاته الخطيرة حول تمويل "حزب "البام" من المخدرات وتحكم الياس العماري في "الفرقة الوطنية للشرطة القضائية"، وبالتالي  أصبح  شباط "ثقلا" كبيرا على السلطة في المغرب، بل ومصدر "قلق" و"إزعاج" لها،  خاصة بعد أن وظف بنكيران، بشكل "ماكر" تلك التصريحات خلال حملاته الإنتخابية؛ لهذا كان طبيعيا أن "يَنْدَحِر" شباط  ويخرج خاوي الوفاض من الإنتخابات المحلية والجهوية، خاصة بعد أن تأقلم بنكيران بشكل مُلفت وسريع مع "دار المخزن"، وأجاد لغته بشكل أقوى، بل وأكد للسلطة أنه أكثر نجابة ونجاعة وإخلاصا ووفاء ومردودية من شباط ولشكر والياس ومزوار وكل "المؤمنين" ببركة " دار المخزن".