عبد العزيز العبدي

ماذا يقع بالضبط في البلد؟ رائحة العنف والقمع تغمر الأجواء، كأن البلد قد انقسمت لتوها لمعسكرين، واحد للأشرار والآخر للأخيار، فقط لا تستطيع تحديد من هو الخير بالضبط ومن هو الشرير، ولا تستطيع أن تحدد ما إن كان هذا العنف المتبادل، أو الأحادي الجانب، سينتج مزجا جماعيا لينتج لنا مجتمعا من الأخيار أو من الأشرار...

أصبح خناق الدولة ضيقا، أضيق مما يمكن تصوره، وأضحت ردود أفعالها عنيفة ومقززة، وربما باعثة عن الخوف... الخوف من المستقبل ومن شكل العيش في مستقبل البلد...
صرح وزير الداخلية أمام نواب الأمة بما يفيد اتهام جمعيات حقوقية بخدمة أجندات أجنبية، لا نعطي تقييما هنا لتصريح وزير الداخلية، إن كان على صواب أم على خطأ.... لكن وجب التذكير أنه عضو في الجهاز التنفيذي، ويمتلك من السلطة والموارد ما يمكنه من تعليل تصريحه بأرقام، بوقائع وبمعطيات.... أجندة من؟ وأي جمعية؟ وأي مال ودعم؟ لا أن يترك الأمور على عواهنها... ونحن كمواطنون نصدقه، وننتظر منه إشراك وزير العدل في تصريحاته هذه، وتحريك المساطر القضائية من أجل مساءلة هذه الجمعيات، وترتيب العقوبات ضدها... دون ذلك لن يكون كلامه إلا ترهيبا للمجتمع ومحاولة لجم ديناميكيته....

الجمعية المغربية لحقوق الانسان غير كل جمعيات المجتمع المدني والحقوقي، لها تاريخها المشرف ولها سجلها الحافل بالمنجزات الحقوقية في هذا البلد، وأكثر من ذلك لها تجربتها وخبرتها في التسيير السياسي والإداري لهياكلها... قد لا نتفق معها في الكثير من مواقفها، لكن لن يستطيع أي صاحب ضمير نقي أن ينعتها بالعمالة وبالخيانة وبخدمة الأجندات... الجمعية هذه وهي تتلقى تصريحات الوزير ابدت استغرابها واندهاشها، وعبرت عن استنكارها في بيانها الشهير.... فلماذا انزعج السيد الوزير من بيانها؟ لماذا يتم تعميم توجيه وطني، يشمل كل القطاعات، من أجل التضييق على أنشطة الجمعية؟ ومنع جامعاتها الصيفية والحقوقية؟ ثم تطلق عليها كلاب الحراسة في الصحافة، لينهشوا في ذمتها بشكل بليد وسمج، هل البلادة وصلت بهؤلاء، جهات وجرائد وصوحافيون، كي يعتقدوا أن جمعية بكل هذا التاريخ من الصراع حول وجودها وحول قيمها، ستسقط في فخ العمالة والأجندات الخارجية؟

ثم والدولة تمنع جامعاتها الصيفية وأنشطتها الموجهة إلى الشباب، تدفع بهؤلاء نحو منحدرات التطرف واليأس، وتزرع بذور التدعيش فيهم لتنمو وتتغول بعد حين كي تهدد الدولة بذاتها، خدامها وأميرها، ولها فيما يصلها من شباب المغرب الذي هاجر إلى دولة الخلافة أمثلة حية....
رائحة الترهيب تجلت أيضا في الدعوة التي رفعتها إدارة الأمن الوطني ضد موقع بديل انفو، وذلك على خلفية متابعته لملف اغتيال كريم لشقر... لن نبدي ملاحظات هنا، على اعتبار أن الملف بين أيدي القضاء، لكن أليس من حق الرأي العام أن يساءل أجهزة الشرطة ويبحث في مسؤوليتها في اغتيال هذا الشاب؟ ألم يفارق الحياة في المسار الرابط بين السد القضائي بباب المدينة ومخفر الشرطة والمستشفى؟ وهو مسار يتواجد فيه رجال الأمن من أوله إلى آخره... لماذا لم يصدر أي توضيح حول هذه الجريمة؟ وكيف مات كريم لشقر؟ ولماذا لم يقدم أي فاعل للعدالة؟

البلد ليست على ما يرام، وهناك خوف وترهيب يستوطن النفوس ويخنق الحناجر... حتى الكتابة أصبحت محفوفة بالمخاطر، وأصبحت السياجات والخنادق المحفورة في كل الفقرات.... عند كل توقيع مقال، أو خربشة في الفايسبوك، أتحسس رقبتي، وأضع ما يكفي من الغطاء والملابس للانتقال إلى الزنزانة... ليس هذا هو الوطن الذي حلمنا به ذات مصالحة وطنية، وذات هيأة انصاف ومصالحة، وذا عهد جديد..... هذا وطن يشبه المحتجز.... هذا وطن يحتزنا....