بديل ــ حاوره: أحمد عبيد

قال المفكر الشيعي المغربي، وعضو الرابطة الدولية للمحللين السياسيين، إدريس هاني، في حوار له مع موقع "بديل"، إن "الفكر الشيعي والشيعة لا يتعارضان والنظام الملكي في المغرب"، متحفظا في السياق ذاته، على مفهوم "الأقلية الشيعية" في المغرب، بل فقط وجود "مسلمين لهم قناعات شيعية"،معتبرا بأن "الفكر الشيعي هو مدرسة عريقة راسخة الجذور في التراث العربي والإسلامي، ولا يمكن أن نعتقد أنّه سيأتي زمان لن نسمع فيه عن الفكر الشيعي الذي استمر في الوجود أكثر من 14 قرن". حسب تعبيره.

وعن العلاقة الدبلوماسية بين المغرب وإيران، أردف المفكر المغربي، أن الأصل في العلاقة بين الرباط وطهران، أن تكون "طبيعية" و أن يستفيد البلدان من فوائدها الدبلوماسية، خاصة وأن ايران أضحت ضمن أعضاء النادي النووي، بعد الإتفاق الغربي- الإيراني، مشددا على "ضرورة أن تبنى العلاقات بين البلدين على أسس عقلانية، في سياق أهمية دور البلدين"، مشيرا الى قضايا ملفتة في شؤون العلاقات المغربية الإيرانية لا سيما فيما يتعلق بموقف الأخيرة من قضية الصحراء، في الحوار التالي :

 

س ـ في البداية من منظورك كمثقف شيعي مغربي، هل يمكن الحديث عن حالة أقلية شيعية بالمغرب ؟

ج ـ (يبتسم..) اسمح لي أن أعبّر لحضرتكم أوّلا بأنّني لا أوافق على أي شكل من أشكال التصنيف والتمييز على أساس المعتقدات، وسيكون منطقيا ومقبولا أن أنعت بالمثقف الشيعي في حالة واحدة، هي أن تلتزموا بالتصنيف نفسه كلّما أشرتم إلى مثقفين آخرين في سائر البلاد العربية..

س . كيف.. نلتزم بالتصنيف نفسه ؟

ج. مثلا أن تقولوا عن الجابري أو العروي المثقف السنّي، أو علي حرب المثقف الشيعي، أو مهدي عامل المثقف الشيعي، أو حسن حنفي المثقف السني، أودونيس المثقف الشيعي، أو ادريس الخوري المثقف السني، أو مظفر النواب المثقف الشيعي، وهكذا القائمة تطول...

فهذا التصنيف مرفوض جدّا لا سيما وأنّ الذين يتحدثون بالليل والنهار عن المذاهب والطوائف لا يصنفون، بينما أنا من يشتغل على موضوعات شتى ولا أخوض في هذه القضايا إلا تحت طائلة السّؤال، أصنف.. فإمّا أن يصنف الجميع أو لا يصنف أحد.. ومع ذلك أساير هذا التصنيف وأجيب عن الأسئلة المطروحة إياها..إنّ الحديث عن أقلّيات هو أيضا مرفوض.. إذا شئت رأيي فليس العالم الإسلامي متجانسا، بل هو أهواء وملل ومدارس، وكلها جزء من هذا العالم ولا توجد أقلية أو أكثرية، هذه توصيفات طائفية، والطائفية هي مشكلة سياسية وليست مشكلة دينية، هناك أناس لديهم قناعات بالتشيع في كل العالم فلا مجال لحصرها في هذا القطر أو ذاك، فلا ننسى أنّنا في عصر انفجار المعارف والقناعات والثقافات والتواصل والتعليم، فهذه الحساسيات في نظري تنتمي إلى حقبة القرون الوسطى ولا علاقة لها بالمجتمع الحديث مطلقا.


س ـ نفهم إذن .. لا توجد أقلية شيعية في المغرب ؟

ج ـ هناك كما قلت قناعات، ولا يوجد وضع خاص ولا مشروع خاص لهؤلاء الذين تسمونهم شيعة.. وأنا أسميهم مسلمين وكفى..

س . طيب ..حسب تعبيرك من "يقتنعون بالفكر الشيعي في المغرب".. ما صحة أن لهم مكانة اعتبارية ونفوذ في المغرب ؟

ج . بالمقابل هناك حملة للتشويه والتحريض ضدّ هؤلاء بأساليب خاطئة فيها الكثير من الإساءة والتّعسّف على كرامة الإنسان وحقّه في الاختلاف والرّأي، وثق بي تماما انه يصعب الحديث حول حدود الظاهرة وأين يتجلّى نفوذها.. لسبب بسيط هو أنّ التحريض يساهم في عدم وضوح الظاهرة بشكل طبيعي.

س ـ في ظل المؤشرات السياسية الراهنة، هل تعتقد بأن للفكر الشيعي مستقبل في المغرب ؟

ج ـ الفكر الشيعي موجود في العالم وهو موجود عبر التاريخ، لا ننسى أنه مدرسة عريقة راسخة الجذور في التراث العربي والإسلامي، ولا يمكن أن نعتقد أنّه سيأتي زمان لن نسمع فيه عن الفكر الشيعي الذي استمر في الوجود أكثر من 14 قرن، كنت أعتقد أن يسأل العقل المسلم ما هي القراءات والأبحاث الجديدة حول مقاربة التراث الفكري الإسلامي وتحويل تنوعه إلى ثراء وغنى ثقافي لهذه الأمّة.. وفي اعتقادي أنّ الذين يحاربون هذا الفكر بطريقة غير عقلانية ولا يستفيدوا من الاختلاف هم الخاسرون.

س ـ أنتقل معك الى محور آخر ..بصفتكم كعضو في الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين.. قطعت العلاقات بين المغرب وإيران، بسبب موقف الأخيرة من السيادة البحرينية، هل تعتقد أنه سبب كاف لقطع العلاقات مع إيران؟

ج ـ هذا الإشكال طرح وعولج بما يكفي في حينه، كان هناك سياق ملتبس لهذه القضية، وفي اعتقادي لا أهمية لتقييم أسباب قطع تلك العلاقات في وقتها، بقدر ما أن المطلوب اليوم هو الحديث عن كيف يمكن أن تعود العلاقات ضمن أسس أكثر عقلانية بين بلدين لا زلت لا أدري أي داعي لكي لا تقوم بينهما علاقات، فحتى البحرين التي بسببها حدث ما حدث هي اليوم تتجه إلى ترتيب علاقات ديبلوماسية مع طهران.. هناك اليوم سباق خليجي نحو إيران لطي صفحة مرحلة من النزاع داخل منطقة الخليج.

س ـ في سياق كلامك .. تناثرت مطالب سياسية مغربية تطالب بعودة العلاقات الإيرانية المغربية من جديد، بعد فوز روحاني، هل تنجح ؟

ج ـ في الواقع كان بإمكان العلاقة بين الرباط وطهران أن تعود إلى وضعها الطبيعي حتى في عهد السيد أحمدي نجاد، ولا يوجد رئيس لا من المحافظين ولا من الإصلاحيين يرفض تطبيع هذه العلاقة، فمبدئيا لا أرى مانعا في ذلك.. بل ذلك هو الوضع الطبيعي.. لأنّ فوائد العلاقات الديبلوماسية أهم من القطيعة.

س ـ ما "الفوائد الدبلوماسية" بين البلدين إذن ؟

ج ـ الأصل في العلاقات بين الدّول أن تكون طبيعية.. والاستثناء أن لا تكون.. فإيران دولة مهمّة والمغرب بلد مهم.. ولا بد من أن تكون العلاقة مثمرة.. الآن إيران وبموجب الاتفاق مع اللجنة السداسية الغربية حول الملف النووي أصبحت عضوا في النادي النووي.. وإذن هي في حاجة إلى الفوسفاط المغربي، ولن يكون وضع المغرب حرجا، كما هناك مجالات جديرة بأن تنتعش في إطار هذه العلاقة كالزراعة والصناعة والخدمات وتطوير الخبرات ومجال التعليم والبحث العلمي والطّب وأمور أخرى لها علاقة بالتطوير والتنمية.. ويبقى المكسب الأهم هو المكسب السياسي.. فعلاقات طبيعية بين البلدين من شأنها أن تساهم في السلام في المنطقة.

س ـ لكن.. في المقابل تبرز معطيات أخرى تبرز أن تطبيع العلاقات شيء بين طهران والرباط، مستحيل في ظل ما كشفت وثائق مسربة عن موقع "وكيليكس" كشفت عن تورط الحرس الثوري الإيراني في الإشراف على تدريب ميلشيات جبهة البوليساريو شرق الحزام الرملي في صحراء الحمادة ؟

ج ـ لا شيء مستحيل في العلاقات الدّولية.. ثم متى كانت العلاقات الديبلوماسية تحددها وثائق الويكيليكس الغامضة ؟ هذا فضلا عن أن هذا كلام في نظري ليس صحيحا.. لا يوجد حرس ثوري إيراني في قلب هذا النزاع.. وإيران سحبت اعترافها بالانفصاليين، ولا زالت على ذلك الوضع حتى بعد قطع العلاقة بين البلدين.

س ـ يروج في أوساط بعض الحركات الإسلامية.. أن الفكر السياسي الشيعي يتعارض والأنظمة الملكية.. هل يصدق الأمر على النظام الملكي في المغرب ؟

ج ـ الفكر الشيعي قائم منذ القرن الهجري الأول قبل أن يفتح المغرب وقبل أن يظهر دستور 1962م، وبالتالي أعتقد من غير المجدي إقحام نظام دولة له خصوصيته وسياقه في هذا النّقاش.. فهذا الجدل تاريخيا لم يكن، فالشيعة تعايشوا مع كلّ أنماط الحكم العادلة. ولكن الحساسية بدأت من الثورة الإسلامية في إيران ضدّ الشّاه، لكن كان أحرى أن نسأل: كم شاه عارضه الشيعة؟ سنجد في العصر الصفوي والأفشاري والقاجاري علاقة متميّزة بين الشاهات وعلماء الدين الشيعة، إنّما مشكلة الشيعة مع الشاه ناتجة عن سياسة الشاه الذي بدأ يتجه نحو تغيير ملامح إيران الإسلامية في إطار ما يعرف بالثورة البيضاء، وربط علاقة مع إسرائيل طبيعية في أوج الحرب التي جرت بين الدول العربية وإسرائيل، في تلك المرحلة كان الشّاه أكثر طائفية وتعصبا للهوية الشيعية لإيران.. إذن لكل بلد ظروفه وسياقاته.

س. لكن سؤالي بالضبط حول موقف الفكر السياسي الشيعي من الملكية بالمغرب ؟

ج . الملكية في المغرب لها سياق مختلف، البحث عن الشرعية وهي أمر جد معقد في تاريخ نشوء الدولة العربية الحديثة، كان قائما في بلدان كثيرة.. فالشاهات الصفويون بلوروا صيغة للشرعية تقوم على توافق بين رجال الدين والشاه، وفي تركيا كانت الشرعية التاريخية تستند إلى الخلافة.. وفي المغرب كان السلطان.. وتبلورت صيغة الملك كأمير للمؤمنين في وثيقة 1962 الدستورية، وفي السعودية كانت الشرعية في توافق دعوة محمد بن عبد الوهاب مع حركة آل سعود السياسية.. إن الملكية في المغرب مثل سائر النظم السياسية هي مسألة الشرعية في سياق تاريخي خاص.. وبعيدا عن كل هذه التفاصيل النظرية، لا إشكال عند هؤلاء الشيعة مع الملكية في المغرب.. بل بالنظر إلى مقتضيات الدستور والعرف السياسي بات واضحا أنّ الملكية ضامن لاستقرار النظام العام.

س ـ وعن ملف النزاع حول الصحراء ؟

ج ـ كلمة واحدة ..الصحراء صحراؤنا.