لم تتخذ "حكومة  مغربية قرارات جبانة، بالقدر الذي اتخذته حكومة عبد الإله بنكيران، وكان آخر هذه القرارات، قرار الاقتطاع من أجور الموظفين في سنة 2018 لسد العجز الذي سيعرفه الصندوق بل والاضطرار لعدم صرف المعاشات في سنة 2022.

كان بإمكان بنكيران أن يختار ألف حل غير هذا الحل الجبان، كإلغاء تعويضات الملك والوزراء وكبار مسؤولي الدولة وجميع الموظفين عن التنقل والعديد من الامتيازات التي يحظون بها وسط شعب قسم منه لا يجد ما يأكله، وتوقيف نهب الرمال من آلاف المقالع وتحويل هذه الأموال وهي بالملايير إلى صندوق التقاعد، وفتح تحقيقات في آلاف التقارير الحقوقية حول ملفات فساد كبيرة، وإرجاع الأموال المهربة إلى الخارج، وتقليص أجور البرلمانين ومعاشاتهم، وإلزام سارقي المال العام بإعادة الأموال إلى الشعب، وفتح تحقيق في ظروف تفويت آلاف هكتارات الدولة والجيش المغربي والأراضي السلالية للشركات العقارية بأثمنة زهيدة، قبل استرجاعها وإعادة بيعها من جديد، وتحويل أثمان البيع إلى الصندوق المذكور، ثم سحب رخص الصيد في أعالي البحار من بعض الجنرالات وبعض كبار مسؤولي الدولة المغربية.

أمام بنكيران أيضا مراجعة ظهير 1975 الذي يمنح بموجبه لأعضاء الحكومة تقاعد مريح يصل الى 40000 ألف درهم حتى لو لم يستكمل الوزراء مدة انتدابهم الحكومي ولنا أن نتخيل كم من وزير مر في كل الحكومات المتعاقبة. ثم هل يُعقل أن يمنح مثلا لمحمد أوزين وسمية بنخلدون والحبيب الشوباني تقاعد بقيمة 4 ملايين في الشهر لكل واحد منهم، في الوقت الذي توجد فيه فئة عريضة من موظفي الدولة اشتغلت 40 سنة بتفاني واخلاص وخرجت بتقاعد في حدود 4000 درهم، مع العلم أن هؤلاء الوزراء يستحقون الحبس وليس أربعة ملايين في الشهر على "اعتدائهم" على كرامة الشعب وخيانتهم لثقته، كل بالمنسوب إليه.

ثم لماذا نمنح البرلمانين 10000 الاف درهم كل شهر، كتقاعد عن الولاية الأولى و17000  للشهر، عن الولاية الثانية. هل هناك من تبديد للمال العام أكثر من هذا؟

بنكيران إذا أراد أن يكون "راجل" ولو لمرة واحدة في حياته، عليه أن يطلب من الملك تخفيض ميزانية القصر والأهم أن يطلب منه التضامن مع الشعب بتخصيص جزء من ثروته الخيالية لفائدة الصندوق الموشك على الافلاس مع إعلان هذه المبادرة للرأي العام ودعوة كل أغنياء المملكة إلى الاقتداء بالالتفاتة الملكية، كما يمكنه أن يفرض ضريبة تصاعدية على الثروة، ويفتح تحقيقات قضائية مع كل ثري تحوم حوله شبهات فساد أو اغتنائه بشكل غير مشروع، مُلزما جميع رجال الدولة والموظفين والقضاة وغيرهم بالتصريح بممتلكاتهم، وتطبيق الجزاء على كل ممتنع عن التصريح.

مشكلة الصناديق تحتاج إلى هذه الحلول وإلى حل بنيوي في إطار مبدأ دستوري عام اسمه ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا أن يقتصر  الحل على جيوب الموظفين مع العلم أن المسؤول الأول عن أزمة هذه الصناديق هي الدولة، وهي مسؤولية مزدوجة، الأولى بتعيينها على رأس الصناديق لبعض اللصوص أو الفاشلين أو الجبناء الذين يتسترون على نافذين لسرقة أموال الصناديق، والثانية بعجزها عن مواكبة أحوال الصناديق بالشكل الذي يجعلها تتدخل في بداية المشكل وليس أن يصل الامر إلى مستوى اختلاس 115 مليار درهم من الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي .

وعلينا أن لا ننسى أيضا أن الموظفين كانوا يدفعون حصتهم لصندوق التقاعد في الوقت الذي لم تكن فيه الدولة تدفع حصتها، كما لا ننسى أن حصة الموظفين المقتطعة من أجورهم لم يتم استثمارها بشكل جيد، والصناديق تعرضت لاختلالات كبرى باعتراف الحكومة نفسها.

ولو كانت الحكومة فعلا حريصة على الميزانية العمومية وتسعى إلى ترشيد حقيقي للنفقات العمومية كما تزعم فما عليها إلا أن تعطي المثل وتبادر إلى مراجعة رواتب وتعويضات وتقاعد الوزراء وأعضاء الدواوين وكبار المسؤولين على رأس المؤسسات العمومية وتوقف تمتيع المستشارين والبرلمانيين بـ"الآيبادات" والرؤساء بالسيارات الفارهة، وتتحاسب معهم عن استغلال البنزين وكل مقدرات وإمكانات الدولة.

كما أن الحكومة  التي تدعي أن الوظيفة العمومية تستنزف 103 مليار درهم عليها ان تمتلك الشجاعة للتفصيل في هذا المبلغ لا أن تقدمه بشكل عام، لأن أكثر من 70 في المائة من هذا المبلغ يسيطر عليه كبار رجال الدولة المغربية والموظفون السامون وغيرهم، فيما يبقى الفتاة لموظفي الشعب.

بكلمة، الدولة مسؤولة لوحدها عن افلاس الصناديق، وعليها أن تتحمل لوحدها مسؤولية إصلاحها، فمن العار أن يكون قدر الموظف  كقدر "الحجام" الذي عُلِّق بعد سقوط "السمعة" كما يفيد المثل الشعبي المأثور... و"لي دارها بيديه يفكها بسنيه".