جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية التركية “نكسة” للرئيس رجب طيب اردوغان قبل ان تكون نكسة لحزبه “العدالة والتنمية” بعد اكثر من 13 عاما من السيطرة المطلقة على كل مؤسسات الدولة التشريعية (البرلمان)، والتنفيذية (الوزارة)، والرئاسة والقضائية الدستورية.

بخسارة حزب العدالة والتنمية الاغلبية المطلقة واضطراره لتشكيل حكومة ائتلافية، تحطم حلم الرئيس اردوغان في تغيير نظام الحكم الى نظام جمهوري على الطريقتين الامريكية والفرنسية، يعطيه صلاحيات تنفيذية مطلقة كرئيس للدولة.

بات من الصعب جدا على الرئيس اردوغان ان يغير الدستور، لان هذا التغيير يتطلب موافقة ثلثي مجلس النواب، او الذهاب الى استفتاء شعبي يؤيد نتائجه غالبية النواب، في حال جاء لصالح التغيير الدستوري.

تركيا تقف الآن على حافة مرحلة من عدم الاستقرار السياسي، وربما الامني ايضا، وبات امام البلاد خيارات ثلاثة، الاول تشكيل حكومة انتقالية بين حزب العدالة والتنمية والحزب الكردي الجديد، او اي حزب آخر، او تشكيل حكومة اقلية، او الذهاب الى الانتخابات البرلمانية مجددا الخريف المقبل، والخيار الاخير هو الاكثر ترجيحا.

النجاح الكبير الذي حققته “التجربة الاردوغانية” في ميادين السياسة والاقتصاد، ومعدلات النمو الضخمة التي تحققت في السنوات العشر الماضية، وهو نجاح زواج بين الاسلام السياسي والديمقراطية الغربية، كان موضع قلق للكثير من الدول الغربية، والدول الاقليمية ايضا، عندما بدأ الرئيس اردوغان يحاول ترجمته، اي النجاح، الى دور سياسي اقليمي فاعل.

الفتور الغربي تجاه النموذج التركي بدأ عندما اصطدم السيد اردوغان باسرائيل، وعمل على كسر حصارها على قطاع غزة، وارسل قافلة سفن مرمرة، وبدأ الاعجاب بهذا النموذج ينكمش ويتحول الى عداء ومؤامرات بعضها علني، والآخر خفي، وافضل من عبر عن هذا التحول الصحافي الامريكي توماس فريدمان الذي جسد هذا العداء في مقالة له في صحيفة “نيويورك تايمز″ التي يكتب فيها، هاجم فها اردوغان وحزبه بشدة، وانقلب عليه مئة وثمانين درجة، بعد ان كان يتغنى بمثل هذا النموذج ويحث العالم الاسلامي على اتباعه.

المؤامرة الخارجية ليست وحدها سبب تضعضع هذا النموذج، واحداث شروخ في جدرانه، فسياسة الرئيس اردوغان الاقليمية، وتورطه بشكل مباشر في سورية، بحسن نية، او نتيجة توريطه من قبل اصدقاء له في الغرب والعالم العربي في هذا المستنقع الدموي، ساهمت بشكل كبير في تسريع انهيار حكمه وانفضاض بعض الناخبين من حوله.

محاولة تصدير “النموذج الاردوغاني” الى دول الجوار العربي كانت خطوة محفوفة بالمخاطر، وجاءت نتائجها عكسية تماما، فقد جرى التصدي لها بشراسة من خلال انقلاب عسكري في مصر، وقوة انتخابية ناعمة في تونس (النساء لعبن دورا كبيرا الى جانب اخطاء الحكم الاسلامي)، واخيرا تراجع اقتصادي في تركيا نفسها (انخفضت نسبة النمو من 7 بالمئة الى 3 بالمئة وارتفعت معدلات التضخم، وخسرت الليرة حوالي 30 بالمئة من قيمتها).

داخليا ارتكب الرئيس اردوغان العديد من الاخطاء من بينها التصرف بغطرسة، والتصادم مع حلفائه (فتح الله غولن)، وتضييق الخناق على الحريات التعبيرية مثل اغلاق وسائط التواصل الاجتماعي وفرض رقابة عليها لاحقا، وانتشار الفساد في اوساط الدائرة الضيقة المحيطة به، وتصاعد الطموحات السلطانية ونزعة الاستئثار بالحكم، واخيرا بناء قصر كبير (1150 غرفة) هربا من الصراصير، على حد تعبيره.

التوتر كان بديا على الرئيس اردوغان في الفترة الاخيرة، بعد اشتداد الخناق عليه من قبل اعدائه، وما اكثرهم، وانعكس من خلال تصريحات غير مسبوقة، وغير مسؤولة مثل قوله ان هؤلاء الاعداء من المثليين والعلويين والملحدين، وهذه سقطة كبيرة ما كان يجب ان يقدم عليها شخصا في مكانته.

ان اكبر خطر يواجه تركيا هو الفوضى السياسية على غرار ما حدث في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وهي فوضى استغلها الجيش للسيطرة على الحكم في انقلابات متلاحقة.

لا يخامرنا ادنى شك بأن هذه النكسة التي مني بها الرئيس اردوغان ستشكل نبأ غير سار لقطبي التحالف مع تركيا، وهما المملكة العربية السعودية وقطر، كما ايضا ستشكل صدمة بالنسبة الى حركة “الاخوان المسلمين” التي يدعمها الرئيس اردوغان وحكومته بقوة في مواجهة نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي اطاح بحكمها في مصر، والشيء نفسه يمكن قوله ايضا عن الحركات الاسلامية الاخرى، مثل حركة النهضة في تونس، وحماس في قطاع غزة، وحزب العدالة والتنمية في المغرب.

ولا شك ان اردوغان نفسه هو الخاسر الوحيد في هذه الانتخابات، ولا نبالغ اذا قلنا انه المسؤول الاكبر عن هذه الخسارة، ولا نستبعد ان يكون الرئيس السوري بشار الاسد والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قد اقاما سرادق الاحتفالات لتلقي التهاني بهذه الانباء السارة بالنسبة اليهما.

انها الديمقراطية واحكامها وقوانينها!