جميل جدا أن يكون نقاشنا على ضوء أطروحات قائمة أو مجرد بدايات لتأسيس لبنات أولى في الطرح، من وجهة نظرنا،  في اتجاه إنتاج قيم ذات بعد إنساني بداخل المغرب وعلى طول شمال إفريقيا ، حتى لا ندخل في نقاشات لا طائل من ورائها ، ويمكنها أن تذهب بنا نحو الهاوية ، أولا، يجب إعادة الاعتبار لكياننا الإنساني نحن كمغاربة، ربما لأننا نحاول قدر الإمكان أن نؤمن بالقيم المثلى ، هذا لا يعني أننا مثاليون في طرحنا ، ولكن يعني أننا نصارع الجهالات وكافة أشكال التطرف المدمرة، وثانيا، نعتبر أن تقوى المواطنة هي الفيصل في هذا الوطن ، وقيم السمو الإنساني ، طبعا هناك خصوصيات ، لكننا كمغاربة، هل نبقى في دائرة نقاشات تفوت علينا المزيد من الفرص والكثير من القضايا الممكن التفكير فيها في علاقتنا بمقومات انتماءاتنا ، نحن كمغاربة؟

إشكالياتنا عديدة، هل من إمكانية للتفكير فيها كمواطنين في صراعاتنا مع الفقر والاستبداد والأمية وغياب العدالة الاجتماعية والرشوة والمحسوبية والزبونية والإقصاء والتهميش والفساد ووووو ؟ نعتقد أن هناك أسئلة جذرية يجب طرحها في هذا الصدد بدل نقاشات تصارع الطواحين الهوائية ، والعمل على إجهاد عقولنا لبحث الإجابات عليها ، وخاصة في هذه المرحلة بالذات ، لقد طال بنا زمن التخلف الفكري والعلمي والحضاري والتاريخي ، فهل من لبيب، للتأمل في أوضاعنا بشكل جذري ينهي علاقاتنا مع السائد ألأزماتي هذا ؟

لقد بات الإنسان المغربي تتقاذفه تيارات خارج سياقاته التاريخية الممكنة، السياقات التي تجعله خارج دائرة العقلانية والقيم الحضارية البناءة، هكذا في كل مجالات حياته، مما لا شك فيه أن هذه التيارات لم تأت من فراغ، بل هناك من يقف وراء تسييدها في الواقع المغربي المعاش، ليركن إليها من دون ردود فعل قائمة على التأمل النظري والعقلي ليتصفحها في كل تفاصيلها، فحقيقة أن العمى ألتبصري الذي أصاب المغاربة قاطبة، مع استثناءات قليلة، جعل منهم كائنات غير معقلنة وآلية.

فلنمعن النظر في خانات حقولنا في كافة مستوياتها، ولنطرح السؤال بصددها، هل كل حقولنا، في الاجتماع ، السياسة، الاقتصاد، الثقافة، العدالة، الإدارة، التعليم ... هي في منأى عن النقد ومنزهة عن الشبهات والاختلالات البنيوية وعن الأزمات المركبة ؟ .

إن كل الحقائق المعاشة لدى كل المغاربة تفوح رائحتها بشكل تشمئز منه النفوس، وتبعث على التذمر، وتخيب أمال العقول والإرادات في التغيير الممكن، نحو الأهداف والمرامي النبيلة، وإرساء دعائم السلم الاجتماعي بآلياته الحقيقية، فلنأخذ واقع الحال على ألسنة المغاربة، المعلن عنه في الخطابات المتداولة، المعبرة على التشكي والشكوى، بالرغم من أنهم أطراف في عمليات إنتاج وإعادة إنتاج كل المعطيات الواقعية القائمة على أرض الواقع المغربي، وما يزيد في تعميق الأزمة هو التضليل الممارس والتغليط الممنهج في خطابات القيمين على الشأن العام، فتضيع الحقيقة في حد ذاتها، وهو ما نشاهده في كل المنابر الإعلامية الرسمية وغير الرسمية، مدافعون بشكل مستميت على أطروحاتهم وتصوراتهم، وكأننا حققنا التطورات المأمولة والمبرمجة التي سطرت منذ مدة، إلا أننا لازلنا نراوح أمكنتا في سلاليم التطور الحضاري، بل نتراجع بخطوات للوراء أيما تراجع . في غياب حركية مجتمعية فعلية تقف في وجه كل ما من شأنه أن يعرقل السير الطبيعي للمجتمع المغربي، نحو تحقيق المبتغيات التاريخية والحضارية لأمة ضاربة الجذور في تاريخ الإنسانية.

فإذا ما أراد المغاربة أن يشمروا على عضلات عقولهم ويقفوا وقفة تأمل اتجاه واقعهم المعاش والمحجوب بالغربال، ليروه بعين الحقائق في ذاتها، وليس بمنظار الأجهزة الرسمية وبعقولها التي تنتج بنات الأفكار وأنصاف الحقائق المضللة، وبتواطؤ من يسير في القافلة الرسمية، فعليهم الذهاب أبعد مما يعيشونه من تصورات في أذهانهم المحشوة بالأفكار البالية، اتجاه كل عوالمهم الذاتية والموضوعية، وطرح كل ما يجري على أرض الواقع المغربي على طاولة النقاش العمومي، دون عقدة أو خوف المعاشين بأوهام وأحلام الكوابيس، فلم تتحقق أية طفرة نوعية من دون خلخلة لكل المعطيات المسبقة أو القائمة لأي كائن كان، سواء فردا أو جماعة أو  مجتمعا. هذا ما يعتمل في تحريك عجلة التاريخ بقوانينها التطورية.