بقلم: ذ محمد المعاشي

يأتي هذا المقال كتتمة للمقالين السابقين الذين تم نشرهما على أعمدة الصحف والجرائدة الالكترونية:

المقال الأول، كان في موضوع ((أي إصلاح لأنظمة التقاعد في غياب المقاربة التشاركية مع النقابات))، والذي تناولنا فيه نظام الصندوق المغربي للتقاعدCMR الذي أحدث سنة 1930، كنظام إجباري التطبيق، إلا أن هذا النظام يعاني من إختلالات مالية عميقة وهيكلية تزداد تفاقما مع مرور الزمن، حيث أن كل التقارير تجمع على أن هذا الصندوق سيعرف صعوبات مالية ابتداء من سنة 2014، وستعرف الاحتياطات المالية للنظام انخفاضا لتصبح سلبية إبتداء من سنة 2021، كما وقفنا على المقترح الحكومي الذي أحالته على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في شأن إصلاح هذا النظام في غياب المقاربة التشاريكة مع النقابات، وما أسفر عن هذا المقترح من جهة، الرفع في وتيرة الغليان الاجتماعي، ومن جهة أخرى، رفض المقترح داخل الحركة النقابية المغربية والذي نتج عنه احتجاجات وإضراب وطني الذي عرفه المغرب يوم 29 أكتوبر 2014؛

المقال الثاني، كان في موضوع ((متى كان نظام التقاعد التكميلي بديلا لنظام التقاعد الأساسي))، حيث تتطرقنا فيه إلى نظام الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR الذي أنشأ سنة 1949 على شاكلة جمعية لأرباب العمل، يخضع لقانون الجمعيات، ويعمل على تسيير نظام تكميلي اختياري لصالح أجراء القطاع الخاص، وهذا الصندوق أصبح بحكم الواقع نظاما تكميليا إختياريا للصندوق الوطني للضمان الاجتماعيCNSS، حيث أدرج هذا النظام ضمن أعمال اللجنة الوطنية لإصلاح التقاعد، كما وقفنا كذلك على الاحتياطات المالية للصندوق وديمومته إلى أمد يفوق 2060، وفي الأخير تم الوقوف على إشكالية هذا النظام التكميلي والاختياري الذي أصبح في بعض الحالات بديلا لنظام التقاعد الأساسي الاجباري.

أما مقالنا هذا سنتناول فيه نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS، كمؤسسة عمومية عهد إليها تسيير الضمان الاجتماعي، والملزم تطبيقه على مقاولات القطاع الخاص.

  الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS

يعتبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مؤسسة عمومية، عهد إليها مهمة تسيير نظام الضمان الاجتماعي، وتتمتع بالشخصية المدنية والاستقلال المالي، والموضوع تحت الوصاية الإدارية للوزير المكلف بالشغل، التي أحدثت بمقتضى ظهير شريف رقم 148-59-1 المؤرخ في 31 دجنبر 1959 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي([1])، الذي خضع لعدة تعديلات، حيث تم تتميمه بمقتضى ظهير شريف بمثابة قانون رقم1.72.184 المؤرخ في 27 يوليوز 1972 ([2])، وتتميمه بمقتضى قانون رقم 7.80 الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.81.314 بتاريخ 6 مايو 1982([3])، وتعديله وتتميمه بموجب قانون 17.02 الصادر بتنفيذه ظهير الشريف رقم 1.04.127 المؤرخ في 4 نوفمبر 2004([4])، وفي الأخير تم تتميمه بموجب قانون 117.12 الصادر بتنفيذه ظهير شريف 1.14.115بتاريخ 30 يونيو 2014([5]).

والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يسير من طرف مجلس إداري يتكون من ممثلي الإدارة والمشغلين والأجراء وينتخب أعضاؤه لمدة ثلاث سنوات، كما يتم تمويله بواسطة مساهمات المشغلون بنسبة الثلثين والأجراء بنسبة الثلث الاخر، باستثناء التعويضات العائلية التي يتحملها المشغلون وحدهم، بعد أن يكون مقدار واجب الاشتراك حدد بمرسوم وباقتراح من وزير التشغيل ووزير المالية.

أما مسؤولية أداء مجموع واجب الاشتراك تقع على عاتق المشغل، متحملا وحده واجب الاشتراك، وتعتبر ملغاة بحكم القانون كل اتفاقية منافية لذلك ([6]).

لقد أجاز المشرع المغريي من خلال الفصل السادس من الظهير الشريف المنظم للضمان الاجتماعي([7])، على تلقي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعيCNSS من جهة، لتسبيقات وإعانات مالية من الدولة أو الجماعات العمومية الأخرى، ومن جهة أخرى تلقي هبات ووصايا.

كما أجاز كذلك المشرع للصندوق بأن يقتني بعوض ويفوت جميع المنقولات وكذا، شريطة التوفر مسبقا على إذن مشترك للوزير المكلف بالتشغيل والوزير المكلف بالمالية، جميع العقارات وذلك بعد موافقة المجلس الإداري، في الوقت الذي أجاز للصندوق إبرام قروضا لدى المؤسسات البنكية بعد موافقة الوزير المكلف بالشغل والوزير المكلف بالمالية، وكذلك إبرام لحاجيات المصلحة عقود إيجار تتعلق بالعقارات. 

وفضلا عن ذلك، ألزم المشرع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بموجب الفصل 30 من ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.72.184 المؤرخ في 27 يوليوز 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، بإيداع الأموال الاحتياطية المتوفرة لديه غير الأموال اللازمة لتسييره العادي، لدى صندوق الإيداع والتدبير.

ومهمة الصندوق الأساسية تكمن في تدبير النظام الإجباري للضمان الاجتماعي لمجموع الأجراء القطاع الخاص، وهذا ما سنتناوله في هذا المقال، من خلال التطرق إلى كل من إلزامية نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على مقاولات القطاع الخاص(أولا)، مع التركيز بالخصوص على نظام التقاعد الأساسي الملزم تطبيقه في القطاع الخاص(ثانيا)، محاولا إظهار بعض مكامن العيوب الذي يعرفه نظام التقاعد من جراء تطبيقه على أجراء القطاع الخاص، عسى أن يؤخذ بهذه العيوب بعين الاعتبار كمقترح تعديل في الإصلاح الذي ستعرفه منظومة التقاعد المغربي.

أولا

إلزامية نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على مقاولات القطاع الخاص

أنشأ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من أجل إضفاء الطابع الإلزامي على القطاع الخاص، لحماية المؤمن لهم ضد مخاطر فقدان الدخل بسبب المرض أو الولادة أو الشيخوخة.

والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يقوم بتغطية إلزامبة واجبارية على أجراء القطاع الخاص، إذاً ما هي الفئات الخاضعة لهذا النظام (أ)، وما هي الخدمات المقدمة من طرف هذا النظام(ب).

  1.     الفئات الخاضعة لهذا النظام

 يجري نظام الضمان الاجتماعي وجوبا، حسب الفصل الثاني من ظهير شريف 1972، على مايلي:

-      المتدربون المهنيون والأشخاص المأجورين ذكورا كانوا أو إناثا العاملون لحساب مشغل واحد أو عدة مشغلين في الصناعة العصرية والتجارة والمهن الحرة أو المشتغلون مع موثق أو جمعية أو نقابة أو شركة مدنية أو هيئة ما كيفما طريقة أداء أجورهم وشكل عقد عملهم أو نوعه أو صلاحيته؛

-      الأعوان المرسمون بالمؤسسات العمومية غير المنخرطين في الصندوق المغربي للتقاعد؛

-      الأعوان المتقاعدون بحكم الحق العام المؤقتون المياومون العرضيون العاملون مع الدولة والجماعات العمومية والمؤسسات العمومية؛

-      الأشخاص الذين تشغلهم التعاونيات كيفما كان نوعها؛

-      الأشخاص الذين يشغلهم أرباب الأملاك المعدة للسكنى والتجارة؛

-      البحارة والصيادون بالمحاصة؛

-      الأشخاص العاملون بمصالح عمومية ذات صبغة صناعية وتجارية الذين لا يعفون من الانخراط في النظام عملا بالفصل الثالث.

وتجدد بمراسيم شروط تطبيق نظام الضمان الاجتماعي على من يأتي:

-      الأعوان المرسمون بالمؤسسات العمومية غير المنخرطين في الصندوق المغربي للتقاعد؛

-      الأعوان المتقاعدون بحكم الحق العام المؤقتون والمياومون والعرضيون العاملون مع الدولة والجماعات العمومية والمؤسسات العمومية؛

-      المأجورون العاملون بمقاولات الصناعة التقليدية؛

-      الأعوان المستخدمون بالمنازل؛

-      الشغالون المؤقتون أوالعرضيون العاملون بالقطاع الخاص؛

-      الأفراد المنتمون لعائلة أحد المشغلين والعاملون لحسابه.

ويعتبر مؤقتين أو عرضيين بالقطاع الخاص الشغالون الذين لا يعملون أكثر من عشر ساعات في الأسبوع لحساب مشغل واحد أو مجموعة من مشغلين واحدة.

لكن هذا النظام حسب الفصل الثالث من قانون 1.72.184، لايجري على الموظفين المرسمين العاملين مع الدولة والجماعات العمومية الأخرى ولا على الأعوان المستفيدين من عقد للمساعدة التقنية، ولا حتى على العسكريين بالقوات المسلحة الملكية، كما لا يجري كذلك على الأشخاص المأجورين المنتمين لأحد الأصناف الجارية عليها أنظمة أساسية للمستخدمين بالمصالح العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية تضمن بحكم القانون الاستفادة من تعويضات تعادل على الأقل التعويضات المقررة في الظهير الشريف.

غير أن الإعفاء من الإنخراط في النظام يمنح فيما يخص المصالح العمومية المشار إليها أعلاه بمقرر يصدره الوزير المكلف بالشغل بناء على طلب من المصالح المذكورة وطبق شروط تتحدد بمرسوم.

  1.     الخدمات المقدمة من طرف الصندوق

يقدم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لمؤمنيه طبقا لمقتضيات الفصل الأول من ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.72.184، مجموعة من الخدمات التي تتجلي في مايلي:

  1. التعويضات العائلية؛
  2. الخدمات القصير الأمد المتجلية في التعويضات اليومية عن المرض والأمومة أو عن حوادث الشغل والأمراض المهنية، والتعويضات عن الوفاة؛
  3. الخدمات الطويلة الأمد المتعلقة بمعاشات العجز ومعاشات الشيخوخة ومعاشات ذوي الحقوق.

 وهذه الخدمات باستثناء التعويضات العائلية التي يتحملها المشغلون وحدهم، مساهمتها يتحملها كل من رب العمل في حدود ثلثين، أما الأجير فمساهمته في حدود الثلث (الفصل 20 من ظهير 1972)، وتحتسب على أساس نسبة إجمالية تقدر ب 11.89% من الأجر الخام في حدود 6000 درهم كسقف شهري للراتب.

 ومادام المقال الأول يرتكز على إصلاح منظومة التقاعد، فإننا سنركز على نظام التقاعد الذي يدبره الصندوق الوطني للضمان الاجتماعيCNSS، كثالث نظام للتقاعد، من ضمن أربعة ركائز أساسية من منظومة التقاعد في المغرب، حيث يعتبر نظام التقاعد أساسي وإجباري التطبيق على أجراء القطاع الخاص، وفي نفس الوقت سنحاول إبراز بعض مكامن العيوب الذي يعرفه هذا النظام وملفه معروض إلى جانب أنظمة التقاعد الأخرى، على أنظار اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد.

ثــانــيــا

نظام التقاعد الاساسي في القطاع الخاص

بعد أن عهد تسيير الضمان الاجتماعي إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كمؤسسة عمومية منذ سنة 1959، أصبح هذا الصندوق يقدم تعويضات طويلة المدى، والتي هي عبارة عن مجموعة من الرواتب حسب الفقرة الثالثة من الفصل الأول من ظهير 1972 ومنها على الخصوص رواتب عن الشيخوخة.

وبداية سنقف على السقف المعتمد في الاحتساب، الذي يعتبره الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عنصرا محوريا في تحديد معاش التقاعد(1)، لكن الممارسة والتطبيق أبانت على مدى ضعف هذا السقف الذي يؤدي إلى هزالة معاش التقاعد من جهة، ومن جهة أخرى ما تتسم به مسطرة الاحالة على التقاعد من عيوب والتي قد تؤدي في أخر المطاف إلى إنتهاك حقوق الأجراء(2)، مما يتطلب تقوية أجهزة المراقبة من أجل حماية التشريع التنظيمي(2)، وتطبيق الجزاءات في حالة الاخلال بتطبيق الأحكام القانونية (4)، إلا أنه قد تعرف هذه العقوبات تراجعا وتخفيفا من طرف مشرع المدونة(5).

  1.  الأجر المعتمد في الاحتساب للحصول على معاش التقاعد

يعتمد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كأساس لاحتساب معاش التقاعد، على مبلغ 6000درهم كسقف مصرح به، والذي يعتبر عنصرا محوريا في تحديد المعاش، بعد أن عرف هذا السقف تطورا خلال السنوات السابقة، حيث انتقل من 3000 درهم سنة 1990 إلى 5000 رهم سنة 1993 ثم انتقل بعد ذلك سنة 2002 إلى 6000درهم.

ومعدل تعويض الأجير المنخرط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا يتجاوز 70 % من السقف المحدد في 6000درهم أي 4200درهم، والذي يشكل تراجعا ملموسا بالنسبة للأجراء الذين يتقاضون أجورا عليا غداة تقاعدهم.

في الوقت الذي كان على الصندوق أن لا يتوقف على المبلغ الجزافي(أ)، بقدر ما كان عليه أن يعترف لكل أجير بقيمة مجهوداته الاسهامية(ب).

  1.     لا يجب أن يتوقف الصندوق على المبلغ الجزافي 

بالرغم من التطور الذي عرفه المبلغ المصرح به والمعتمد في الاحتساب، فلازال المبلغ والسقف المحدد ضعيفا وهزيلا، بالمقارنة مع تطور أجرة الساكنة النشيطة التي لا تساير التضخم المالي، حيث يعرف هذا السقف إرتفاعا في بعض دول البحر الأبيض المتوسط، كتونس وتركيا واسبانيا.

لذا، لا يجب أن يتوقف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على المجهودات الاسهامية للأجير على المبلغ الجزافي المحدد مسبقا حاليا في 6000 درهم، بقدر ما يجب أن ترتبط المساهمة بالمبلغ الحقيقي الذي يتقضاه الأجير شهرباً.

وأمام ضعف السقف المعتمد في الاحتساب والمحدد في 6000درهم، نتساءل، كيف يعقل أن يعتمد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعيCNSS في عملية احتساب المعاش، على مبلغ جزافي لا يتعدى 6000درهم، بالنسبة للأجراء المنخرطين في هذا الصندوق الذي يتقاضون أجرة شهرية تفوق 6000درهم؟ وفي نفس الوقت يذهب المشرع بالسماح لهذه الفئة من الاجراء بالانخراط في نظام التقاعد التكميلي الإختياري المتجلى في الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR الذي جاء كنظام تكميلي لأجراء القطاع الخاص، المنخرطين والمستفيدين من خدمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

لكن الممارسة أبانت أن هناك صعوبة كبيرة في تفعيل الاستفادة من التقاعد التكميلي، حيث أن نسبة المشاركة لا تتجاوز 15 بالمائة  من أجراء القطاع الخاص المستفيدين من خدمات الضمان الاجتماعي منخرطون في التقاعد التكميلي، فهل سيسمح أرباب عمل المقاولات، لهذه الفئة من الاجراء التي يفوف أجرتها الشهرية 6000درهم، من الانخراط في نظام التقاعد التكميلي الاختياري، وما سينتج عن هذا الانخراط من مصاريف إضافية يساهم بها المشغل كنصيبه المتجلى في الثلثين إلى جانب نصيب الأجير المتجلى في الثلث؟ مع العلم أن أرباب عمل المقاولات والمؤسسات يلجأون إلى عملية الغش في التصريحات أو التهرب الكلي بالتصريح بكتلة الأجور كما جاء في تقرير المجلس الأعلى للحسابات.

  1.     يجب على الصندوق أن يعترف لكل أجير بقيمة مجهوداته الاسهامية

 كان على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعيCNSS الاعتماد في الاحتساب على الأجرة الشهرية للأجير كما هو الشأن بالنسبة للصندوق المغربي للتقاعدCMR، ما دام أن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعيCNSS يلجأ إلى اعتماد الأجر الشهري في الاحتساب بالنسبة للأجراء الذين يتقاضون أقل من 6000 درهم، لذا يجب على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن يحرر السقف المحدد، وأن يعترف لكل أجير بقيمة مجهوداته الاسهامية، كي يستفيد المنخرط من نتائجها من جهة، او العمل على مراجعة السقف والرفع منه، لكن شريطة اعتبار الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR نظام اجباري على القطاع الخاص، بالنسبة للأجراء الذين يتقاضون أكثر من 6000 درهم وبمساهمة المشغل في المشاهرة.

  1.   المسطرة القانوية للإحالة على التقاعد

إن إحالة الأجير المنخرط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، على التقاعد لبلوغه للسن القانوني والمتوقف عن مزاولة العمل، حدده المشرع المغربي في ستين (60) سنة وهي قاعدة عامة، ويمكن إحالته ابتداء من خمسة وخمسين سنة، كما يمكن تأخير الاحالة بصفة استثنائية ولكن بطلب من الأجير بعد موافقة المشغل والبث فيها من طرف وزارة التشغل.

إلا أن المشرع اشترط في تصريف المبلغ الشهري لمعاش التقاعد، توفر الأجير على 3240 يوما على الأقل من التأمين.

وفي هذا الصدد، نص الفصل 53 من ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.72.184 بتاريخ 15 جمادى الثانية 1392 (27يوليوز 1972) المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي على أنه ((يخول للمؤمن له البالغ 60 عاما والمتوقف عن كل نشاط تؤدى عنه أجرة الحق في راتب الشيخوخة إذا أثبت توفره على ثلاثة آلاف ومائتين وأربيعين يوما على الأقل من التأمين، غير أن سن الستين يخفض إلى 55 عاما فيما يخص عمال المناجم الذين يثبتون قضاء خمس سنوات على الأقل من العمل في باطن الأرض))،

كما جاء قانون رقم 7.80 الصادر بتنفيذه ظهير الشريف 1.81.314 بتاريخ 6 يونيو 1982، ليحدد سن إحالة الأجراء على التقاعد والزام المؤاجرين باستخدام من يخلف المنقطعين عن العمل بسبب ذلك، لينص في فصله الثاني على أنه ((يجب أن يحال على التقاعد كل أجير بلغ من العمر ستين سنة باستثناء بعض الحالات التي يرجع البت فيها إلى وزارة الشغل بطلب من المشغل.

يحدد سن التقاعد بخمسة وخمسين سنة فيما يخص العاملين بالمناجم الذين يثبتون أنهم اشتغلوا في باطنها مدة خمس سنوات على الأقل.

غير أن الأجراء الذين لم يكونو، عند بلوغهم ستين أو خمس وخمسين سنة قد قضوا فترة التأمين المحددة في الفصل الثالث والخمسين من الظهير الشريف 1.72.184 الصادر في 15 جمادى الآخر 1392(27 يوليوز 1972) بمثابة قانون يتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، يؤخر سن التقاعد فيما يخصهم إلى التاريخ الذي يستوفون فيه مدة التأمين المذكورة)).

إلا أن الفصل الثاني وباقي فصول هذا الظهير ألغي بمقتضى المادة 586 من مدونة الشغل الكتاب السايع منه (قانون رقم 65.99 صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.03.194 في 11 سبتمبر 2003)([8]).

لقد حافظ مشرع المدونة على مضمون الفصل الثاني من خلال المادة 526 التي حلت محل هذا الفصل، لكن في نفس الوقت قيد تأخير الإحالة على التقاعد بطلب من المشغل وبموافقة الأجير (عوض المشغل وحده الذي كان منصوص عليه في الفصل الثاني من قانون 7.80)، وبقرار من وزارة التشغيل، حيث نصت هذه المادة على أنه ((يجب أن يحال إلى التقاعد كل أجير بلغ سن الستين. غير أنه يمكن الاستمرار في الشغل، بعد تجاوز هذه السن، بناء على قرار تتخذه السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، بطلب من المشغل وبموافقة الأجير.

يحدد سن التقاعد في خمس وخمسين سنة، فيما يخص أجراء المناجم الذين يثبتون أنهم اشتغلوا في باطن الأرض طيلة خمس سنوات على الأقل.

تؤخر الإحالة إلى التقاعد، إلى تاريخ اكتمال مدة التأمين، بالنسبة إلى الأجراء الذين لم يكونوا عند بلوغهم سن الستين أو الخمس والخمسين قد قضوا فترة التأمين المحددة بموجب الفصل 53 من الظهير الشريف 1.72.184 الصادرفي 15 جمادى الثانية 1392 (27 يوليوز 1972) المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي)).

  • التقاعد المبكر

مباشرة بعد صدور مدونة الشغل في 11 شتنبر 2003 الذي أخذ سريان فعله بعد إنصرام أجل ستة أشهر من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية([9])، جاء قانون جديد رقم 17.02 الصادر بتنفيذه ظهير 1.04.127 بتاريخ  4 نوفمبر 2004، ليؤكد من جديد على المشغل، على أنه يمكن الإحالة على التقاعد ابتداء من الخمسة والخمسين وما فوق، بالنسبة للذين يثبتون توفرهم على 3240 يوما على الأقل من التأمين.

والمستجد في هذا القانون من خلال الفصل 53 مكرر، هو امكانية إحالة الأجير على التقاعد قبل ستين سنة، والذي يصطلح له  بالتقاعد المبكر، لكن المشرع ربط هذا الأخير بإثبات توفر الأجير على 3240 يوما على الأقل من التأمين، حتى يتسنى استفادة المتقاعد المبكر من معاشه.

حيث نص الفصل 53. مكرر على أنه ((خلافا للمقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 53 أعلاه، يمكن إحالة المؤمن له، الذي يثبت توفره على ثلاثة ألاف ومائتين وأربعين يوما على الأقل من التأمين، على التقاعد ابتداء من سن الخمسة والخمسين سنة وما فوق، بطلب منه وبترخيص من مشغله الذي يجب عليه أن يؤدي منحة، لهذا الغرض ودفعة واحدة، إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي....)).

لكن يبدوا أن رغم وضوحية النص القانوني المتعلق بمسطرة الاحالة على التقاعد، فقد عرف تطبيقه اختلالات قانونية والتي انعكست على الوضعية المالية للمتقاعد، وفي هذا الصدد سنقف على الحالات المتكررة في مقاولات القطاع الخاص المنخرطة في نظام التقاعد الذي يديره الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كنظام أساسي، حيث الأجراء العاملين فيها قد يتعرضون لإنتهاك حقوقهم نتيجة عدم إلمامهم بالنصوص القانونية المنظمة لنظام التقاعد، والذي كان من الواجب على كل منخرط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن يكون على إطلاع وإلمام بالمقتضيات القانوية المنظمة لنظام التقاعد، خاصة أمام أزمة العمل النقابي في المساهمة والتأطير وعدم القدرة على المواجهة والتصدي للمشغلين الذين أصبحو في حماية الحكومة، مما أدى إلى بروز تيارات نقابية جديدة وانشقاقات داخل المركزيات النقابية الكبرى، هذا إضافة إلى كون بعض المركزيات النقابية مع انخراط أحزابها في الحكومة (عدم استقلالية العمل النقابي عن العمل الحزبي)، أصبحت في واجهة الدفاع عن الحكومة قبل الطبقة العاملة، وهذا ما أدى إلى غياب الثقة في النقابات والنفور منها([10]).

وعلبه، سنحاول أن نقف على سبيل المثال لا الحصر على حالات أساسية، التي نعتبرها من الحالات التي قد تؤدي إلى انتهاك حقوق الأجراء، والتي تتطلب إلمام أجراء القطاع الخاص بالنصوص القانونية المنظمة للضمان الاجتماعي.

الحالة الأولى: أرباب عمل المقاولات يلجأون إلى تطبيق الإستثناء في مسطرة الاحالة على التقاعد

تتعلق هذه الحالة، بلجوء أرباب عمل المقاولات إلى تأمين أجرائها -إلا- الذين سيتوفرون على 3240 يوما عند بلوغهم السن الستين يوم إحالتهم على التقاعد.

وهذه الحالة تؤدي بنا الوقوف على نص الفصل 15 من ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.72.184 المؤرخ في 27 يوليوز 1972، الذي نجد فيه أن المشرع المغربي لجأ إلى إستعمال كلمة في بداية هذا الفصل وهي "يجب"، وهذا دليل على إلزامية جميع المشغلين الذين يستخدمون في المغرب أشخاصا يخضعون لنظام الضمان الاجتماعي، الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أي أن المشرع من جهة، لم يرد أي استثناء حتى تلجأ المقاولات إلى اقصاء أجرائها الذين قد لا يتوفرون يوم إحالتهم على التقاعد على 3240 يوما على الأقل من التأمين، إذاً لماذا الإقصاء؟

ومن جهة أخرى، أنه في حالة إمتناع المشغل بالتصريح بالأجير، عمد المشرع من خلال مقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل 15 على إعطاء الصلاحية والحق للأجير من أن يطلب مباشرة تسجيله أو إنخراط مشغله في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حيث نصت على أنه ((إذا امتنع المشغل من تسجيل شخص شغله خول هذا الأخير الحق في أن يطلب مباشرة تسجيله أو إنخراط مشغله)).

لكن في اعتقادنا من خلال قراءة الفصل 15 القفرة الثالثة، يبدو أن النص يكتنفه نوع من الغموض وعدم الوضوح الذي يتجلى فيمايلي:

ü  أولا، كان على المشرع أن يوضح بصفة مباشرة المصلحة الواجب التصريح لديها، وفي حالة امتناع التسجيل إلى أي مصالح المراقبة والتفتيش التي يجب اللجوء إليها من أجل التدخل، مع توفير حماية قانونية خاصة لهذ الفئة المقصية تفاديا من تعسف المشغل؛

ü  ثانيا، أن المشرع على علم بالأمية المنتشرة في صفوف بعض الأجراء، وان قلنا في عديد من المقاولات الخاصة العائلية، وما يزكي ذلك هو ما ذهب إليه مشرع مدونة الشغل بمقتضى قانون 99-65 حينما عهد في إطار المهام الاستشارية للجنة المقاولة ببرنامج التدرج والتدريب من أجل محو الأمية (المادة 466)، لذا كيف يمكن لمثل هذه الفئة المطلوب فيها محو الأمية أن تكون على بينة بمقتضيات الفصل 15 من قانون 1.72.184 أو بقوانين التشريع الاجتماعي.

ü  ثالثا: متى يتسنى للأجير الذي حرم من الإنخراط، بالذهاب إلى إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، كي يتقدم بطلب التسجيل، في الوقت الذي يبدوا أن إمكانية ترخيص المشغل الأجير -المحروم- بالخروج في وقت العمل صعب جداً، من جهة، ومن جهة أخرى حتى وان انتظر الأجير حتى إنهاء العمل، فإن توقيت عمل مصالح الصندوق محدد وقد يكون نفس توقيت عمل المقاولات.

وعليه، رغم صراحة النص يبدوا أن هناك صعوبة كبيرة في التنفيذ على أرض الواقع.

الحالة الثانية: إحالة الأجير على التقاعد حتى وإن لم يتوفر على 3240 يوما على الأقل من التأمين.

إنطلاقا من تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2013، بلغ العدد الإجمالي من الأجراء المنخرطين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي البالغين لسن التقاعد والذين لم يتمكنوا من جمع 3240 من عدد الأيام اللازمة من المساهمة، والتي تخول لهم الحق في الاستفادة من المعاش، إلى 622.000 حالة عند نهاية سنة 2012.

في الوقت الذي نعتبر أن هذه الحالة هي في الأصل مقرونة ومرتبطة باحترام المقتضيات القانونية الواردة في مضمون نصالمادة 526 من مدونة الشغل، التي جاءت لتؤكد وتثبت الفصل الثاني من قانون 7.80،من جهة، ومن جهة أخرى،  من أجل الرفع لكل إبهام وإزالة كل لبس حول الأجراء الذين قد لا يتوفرون على 3240 يوما من التأمين ويحالون على التقاعد ويحرمون من معاش التقاعد، خاصة أمام لجوء أرباب عمل المقاولات إلى التأخير في التصريح، والضحية دائما هو الأجير كحلقة ضعيفة داخل المقاولة الانتاجية.

وإذا كان  المشرع قد ألزم المشغل على إحالة الأجراء على التقاعد كلما بلغ السن القانوني للتقاعد في خمسة وخمسين سنة أو ستين سنة، لكنه في نفس الوقت سمح للأجير بالاستمرار في الشغل بعد تجاوز سن التقاعد، حيث تؤخر الاحالة إلى التقاعد حتى تاريخ إكتمال 3240يوما على الأقل من التأمين، أي أن المشرع ربط الاحالة إلى التقاعد بمدة التأمين، حتى يستفيد المتقاعد من معاش التقاعد، وهو نفس ماذهب إليه قانون 17.02 بتاريخ 4 نوفمبر 2004، والذي صادر مباشرة بعد مدونة الشغل، بتاريخ 4 نوفمبر 2004، في فصله 53 مكرر، الذي جاء بمستجد وتأكيد على أن إمكانية إحالة الأجير على التقاعد يسري تطبيقه ابتداء من سن الخمسة والخمسين سنة ومافوق كتقاعد مبكر، لكن شريطة أن يثبت المؤمن له توفره على 3240 يوما على الأقل من التأمين، أي أن حتى التقاعد المبكر مرتبط بمدة التأمين.

فضلا عن أن إمكانية تأخير الاحالة على التقاعد حتى توفير على 3240 يوما على الأقل من التأمين،  تركها مشرع المدونة من خلال المادة 526، في يد المشغل أي بطلب من هذا الأخير وبموافقة الأجير، حتى يتسنى للسلطة الحكومية المكلفة بالشغل من اتخاذ قرار تأخير الإحالة، حيث نصت المادة 526 على أنه  ((...يمكن الاستمرار في الشغل، بعد تجاوز هذه السن، بناء على قرار تتخذه السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، بطلب من المشغل وبموافقة الأجير... تؤخر الإحالة إلى التقاعد، إلى تاريخ اكتمال مدة التأمين، بالنسبة إلى الأجراء الذين لم يكونوا عند بلوغهم سن الستين أو الخمس والخمسين قد قضوا فترة التأمين المحددة بموجب الفصل 53 من الظهير الشريف 1.72.184 الصادرفي 15 جمادى الثانية 1392 (27 يوليوز 1972) المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي)).

ونفس ما ذهب إليه المشرع من خلال الفصل 53 مكرر المعدل بموجب قانون 17.02 بتاريخ 4 نوفمبر 2004، حيث أعطى صلاحية تأخير الاحالة على التقاعد بداية بطلب من الأجير وبترخيص من مشغله، و نص هذا الفصل على أنه ((...يمكن إحالة المؤمن له، الذي يثبت توفره على ثلاثة ألاف ومائتين وأربعين يوما على الأقل من التأمين، على التقاعد ابتداء من سن الخمسة والخمسين سنة وما فوق، بطلب منه وبترخيص من مشغله الذي يجب عليه أن يؤدي منحة، لهذا الغرض ودفعة واحدة، إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي....)).

لكننا في هذه الحالة نتساءل، ماذا لو لم يرخص ويوافق المشغل على طلب تأخير إحالة الأجير على التقاعد الذي لم يستوفي بعد مدة التأمين المحددة في 3240 يوما ؟

هذا ما رأيناه من خلال العدد الهائل من الأجراء الذين حرمو من معاش التقاعد، والذي وقف عليهم المجلس الأعلى للحسابات في تقريره، حيث نعتبر أن حرمان الاجير الذي ساهم طيلة مدة عمله في التأمين وفي الأخير يحال بدون معاش التقاعد، هو إقصاء من طرف المشغل في حق هذه الفئة الضعيفة.

وفي اعتقادنا أن المشرع ساهم في ترجيح كافة المشغل على كافة الأجير، بالرغم من اعتبار هذا الأخير هو الحلقة الضعيفة داخل المقاولة الانتاجية، بعد أن جعل السلطة التقديرية -ويمكن القول أنها مطلقة- في يد المشغل الذي غالبا مايرجح كافة على أخرى، في الوقت الذي كان على المشرع أن يلزم المشغل باحالة الأجراء على التقاعد بعد اكتمال مدة التأمين أي 3240 يوما على الأقل، مع الرفع من العقوبات الجنائية وتطبيقها في حالة المخالفة.

لكن، على ما يبدوا أن تطبيق حرفية نص المادة 526 من المدونة والفصل 53مكرر، ليس في صالح المشغل الذي يتهرب من المصاريف الاجتماعية الاضافية، بعد أن تبين للمشغل فجوة قانونية للتهرب من التصريح، والتي مهد لها المشرع، وذلك بعد أن سمح هذا الأخير للأجير غير المسجل، بطلب تسجيله مباشرة (فصل15 ظهير 1972)، عوض أن يلزم المشرع المشغل بالتصريح وتحت عقوبة جنائية عند الامتناع.

وهذه الفجوة القانونية ما دفع المشغل بالتمسك بالقاعدة القانونية المستقر عليها منذ القدم والقائلة "لايعذر أحد بجهله للقانون"، وفي نفس الوقت الصندوق يغض الطرف نتيجة ضعف العقوبات التي تراجع فيها التشريع لبلتنظيمي، أو نتيجة قلة الموارد البشرية داخل جهاز المراقبة، مما أدى في أخر المطاف إلى عديد من الأجراء، المنتهكين لحقوقهم بعد إحالتهم على التقاعد، وحصولهم على معاشات هزيلة قد لا تغطي حتى مصاريفهم اليومية، باللجوء إلى العدالة لمقاضاة مقاولتهم ومؤسستهم وقد يدفع بهم الأمر إلى مقاضاة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

الحالة الثالثة: ضعف في تعويضات الأجراء المقصيين من معاش التقاعد 

 تتعلق هذه الحالة بالأجراء الذين انخرطوا في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وأحيلو على التقاعد دون أن يستفيدوا من معاش التقاعد، وإن صح التعبير بدون تعويضات الشيخوخة.

أمام الحيف الذي لحق بعدد كبير من مؤمني الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والذين أحيلوا على التقاعد دون الاستفادة من تعويض، تحت ذريعة عدم توفرهم على 3240 يوما على الأقل من التأمين، وبقدر ما أن الإحالة على التقاعد ساهمت في تفقيرهم، فقد سمح مؤخرا لهذه الفئة المحرومة من معاش التقاعد، بالاستفادة من حصتهم بعد تحيينها، حيث صدر ظهير شريف رقم 1.14.115 بتاريخ 30 يونيو 2014 بتنفيذ قانون 117.12([11]) القاضي بتتميم الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.72.184 بتاريخ 27 يوليوز 1972 المتعلق بالضمان الاجتماعي، الذي ينص في الفقرة الثانية من الفصل 53 المعدل، على أنه ((...بالنسبة للمؤمن له الذي لا يتوفرون على 3240 يوما من الاشتراك رغم بلوغه السن المذكورة في الفقرة الأولى أعلاه، ولا يزاول أي نشاط يؤدى عنه أجر تطبيقا لأحكام الفقرة الثالثة من المادة 526 من قانون 65.99 المتلق بمدونة الشغل، فله الحق في تعويض يساوي مجموع الاشتراكات المستحقة والمتعلقة بحصة الأجير بعد تحيينها حسب معدل نسبة الفوائد الصافية لرصيد التأمين المتعلق بالتعويضات الطويلة الأمد. ... لا يخول الحق في استرداد مجموع الاشتراكات للمؤمن له الذي يستفيد من راتب الشيخوخة في إطار التنسيق بين أنظمة الاحتياط الاجتماعي)).

والاستفادة من هذا التعويض يسري بأثر رجعي، حيث يشمل كل منخرطي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذين أحيلوا على التقاعد ابتداء من فاتح يناير 2000 إلى تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ، ولم يتوفروا على 3240 يوما من التأمين، حيث نصت المادة الثانية من هذا القانون، على أنه ((يمكن للمؤمن له، الذي أحيل إلى التقاعد خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2000 إلى تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ ولم يتوفر على 3240 يوما من الاشتراك ولذوي حقوقه في حالة وفاته، الاستفادة من التعويض المنصوص عليه في الفقرة الثانية من الفصل 53 من الظهير الشريف بمثابة قانون 1.72.184 السالف الذكر، شريطة تقديم طلب لهذا الغرض داخل أجل أقصاه سنتان، ما لم تحل دون ذلك قوة قاهرة، ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ)).

في اعتقادنا أن حل التعويضات نعتبرها من الحلول الترقيعية التي لجأت إليها الحكومة، للتستر على الضرر الذي لحق بهذه الشريحة المقصية والمحرومة من معاش التقاعد، في الوقت الذي كان على الحكومة أن تفرج على جميع الاشتراكات لصالح هذه الفئة المحرومة(أي نصيب المشغل ونصيب الأجير بعد تحيين نسبة الفوائد) ما دام أن الصندوق لا يعيش أي أزمة في احتياطاته المالية، عوض الاقتصار على نصيب الأجير المتجلي في الثلث، إذا أين نصيب الثلثين الذي ساهم به المشغل؟ وهل سيطالب المشغل بحقه في الثلثين مع تحيين نسبة الفوائد؟ ولماذا أقصييت الشريحة التي أحيلت على التقاعد قبل فاتح يناير 2000، التي بدون معاش؟

أمام هزالة التعويضات التي أتت بها الحكومة بعد أربعة عشر سنة من النسيان والتهميش والتفقير، واستمرار الفئة الأخرى في التفقير والنسيان، لأكثر من أربعة عشرة سنة، ما كان على المشرع المغربي أن يلزم المقاولات أو مؤسسات القطاع الخاص بالانخراط في نظام التقاعد الاساسي، الذي يعمد إلى إقصاء شريحة من أجراء القطاع الخاص ساهموا في هذا النظام للأكثر من عشر سنوات ولم يستجمعوا 3240 يوما من التأمين يوم إحالتهم على التقاعد.

لذا كيف يسمح لنظام التقاعد من قبول اشتراكات المنخرطين لأزيد من عشر سنوات من المساهمة، على أساس الاستفادة من معاش التقاعد، وفي الأخير يحرم المتقاعد من معاشه؟  وأي نظام هذا بدون معاش التقاعد.  

  الحالة الرابعة: تهرب المقاولات في القطاع الخاص من الالتزامات الاجتماعية.

تتعلق هذه الحالة بالقطاع المهيكل، حيث أن أرباب عمل المقاولات ومؤسسات القطاع الخاص يعمدون إلى الامتناع بالتصريح وتسجيل الأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، رغم الزامية التصريح طبقا لمقتضيات الفصل 15 من ظهير 1972، ويفضلون التضيق على الأجير الذي يجد صعوبة كبيرة في أن يطلب مباشرة تسجيله في الصندوق، حسب نفس الفصل كما رأيناه سابقا، أو تعلق الأمر بالحالة التي قد يلجأ فيها المشغل بالتصريح الجزئي أو عدم التصريح بكتلة الأجور الحقيقية وأيام العمل، أو تعلق الأمر كذلك في حالة تأخير المشغل في تسوية الانخراطات أي التسوية بصورة متقطعة وليس متصلة، مما تؤدي هذه الحالات في الأخير إما إلى حرمان أجراء القطاع الخاص أصلا من حقهم في معاش التقاعد والتعويضات العائلية كما رأينا في الحالات السابقة، أو قد يفضي الأمر إلى هزالة المعاش الذي يؤدي إلى تفقير هذه الشريحة الاجتماعية، كما ينعكس ذلك على حرمان نظام التقاعد من موارد لا يستهان بها التي تؤثر على الاحتياطات المالية.                                       

وفي كلتا الحالات لا يتأتى تطبيق المقتضيات القانونية أمام محدودية الحماية الاجتماعية، إلا بضرورة تعديل التشريع التنظيمي وتفعيل وتقوية آليات المراقبة، وكذا الرفع والتشديد في العقوبات الجنائية.

  1.   دور أجهزة المراقبة في حماية وتطبيق التشريع التنظيمي

إن إبراز دور أجهزة المراقبة في شأن نظام التقاعد الأساسي على القطاع الخاص، يتطلب منا الوقوف على المقتضيات الواردة في كل من ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.72.184 المؤرخ في 27 يوليوز 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي كما تم تعديله وتتميمه بمقتضى قانون 17.02، الصادر بتنفيذه ظهير شريف 1.04.127 بتاريخ 4 نوفمبر 2004، وكذلك الوقوف على الكتاب الخامس الذي خصصة مشرع مدونة الشغل (قانون 65.99) لأجهزة المراقبة، ويتجلى ذلك من خلال تبيان اختصاصات أجهزة المراقبة ومدى توسيعها من طرف المشرع(أ)، مع الوقوف على التوصيات التي أتى بها المجلس الأعلى للحسابات في هذا الشأن (ب).

  1.     إختصاصات أجهزة المراقبة ومدى توسيعها

وضع المشرع المغربي أجهزة خاصة للمراقبة، والتي تتكون من أعون مكلفين بتفتيش الشغل بوزارة التشغيل، وهيئة التفتيش والمراقبة التابعة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بعد أن عمل على تقنين وتوسيع إختصاصات هذه الأجهزة بصفة مدققة.

حيث نص الفصل 16 من قانون 1.72.184 الذي تم تعديله بمقتضى قانون 17.02، على أنه ((يقوم مندوبو ومفتشو ومراقبو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والأعوان المكلفون بنفتيش الشغل بمراقبة تطبيق مقتضيات ظهيرنا الشريف من لدن المشغلين.

ويلزم الأعوان المشار إليهم في الفقرة الأولى من هذا الفصل بكتمان السر المهني، ويخولون بعد أداء اليمين الحق على الخصوص في أن يدخلوا الأماكن المزاولة فيها المهن وأن يراقبوا مطابقة تصريحات الأجور المنجزة من طرف المشغل مع وعاء الاشتراك وأن يراقبوا عدد المستخدمين ويطلبوا الاطلاع على كل وثيقة منصوص عليها في تشريع الشغل وكفيلة بالمساعدة على التحقق من تصريحات المشغلين ولاسيما دفتر الأداء المقرر في التشريع المعمول به والسجلات المحاسبية المحددة طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل)).

وبرجوعنا إلى المقتضيات القانونية الواردة في مدونة الشغل، نرى أن مشرع المدونة خص ثلاثة أبواب من الكتاب الخامس، المتعلق بأجهزة المراقبة، من المواد  530 إلى  548.

إن مهمة تفتيش الشغل، وكلت لمفتشي ومراقبي الشغل والشؤون الاجتماعية، وإلى مفتشي ومراقبي القوانين الاجتماعية، لمراقبة تطبيق النصوص القانونية والتنظيمية المعمول بها في المقاولات والمؤسسات التابعة للدولة والجماعات المجلية، ما لم تسند هذه المهمة بنص خاص إلى أعوان آخرين، وفي هذا الصدد نصت المادة 530 من مدونة الشغل بوضوح على أنه ((يعهد بتفتيش الشغل، ضمن الشروط المحدد في هذا القانون، إلى مفتشي ومراقبي الشغل والشؤون الاجتماعية، وإلى مفتشي ومراقبي القوانين الاجتماعية في الفلاحة، وإلى أعوان التابعين للإدارة المكلفة بالمعادن فيما يتعلق بتفتيش الشغل بالمقاولات المنجمية، وإلى كل الأعوان الذين كلفتهم إدارات أخرى بهذه المهمة، وأسندت إليهم الصلاحيات التي تقتضيها مهامهم، وحسب الطريقة التي وزعت بها تلك الإدارات ا

الاختصاصات فيما بينهم، وتبعا لنوع المقاولات أو المؤسسات.

يضطلع مفتشو ومراقبو الشغل والشؤون الاجتماعية ومفتشو ومراقبو القوانين الاجتماعية في الفلاحة في نطاق مهامهم، بمراقبة تطبيق النصوص القانونية والتنظيمية المعمول بها في المقاولات والمؤسسات التابعة للدولة والجماعات المجلية، ما لم تسند هذه المهمة بنص خاص إلى أعوان آخرين)).  

كما أنيطت بالأعوان المكلفين بتفتيش االشغل، مهمة السهر على تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل، مع إخبار السلطة الحكومية المكلفة بالشغل بكل نقص أو تجاوز في المقتضيات التشريعة والتنظيمية المعمول بها، حسب المادة 532 من المدونة.

في الوقت الذي رخص المشرع الأعوان المكلفين بتفتيش الشغل، الموكول إليهم مهمة التفتيش، بالدخول بحرية، ودون سابق إعلام، كل مؤسسة تخضع لمراقبة مفتشية الشغل، ومع إجراء كل أنواع المراقبة، والبحث، والتحري، التي يرها الأعوان المكلفون بتفتيش الشغل ضرورية، وذلك من أجل التأكد من أن الأحكام القانونية والتنظيمة مطبقة فعلا، سواء تعلق الأمر باستفسار المشغل أو أجراء المؤسسة، حول جميع الشؤون المتعلقة بتطبيق الأحكام القانونية والتنظيمية ذات علاقة بالشغل، كما يحق لهم الاطلاع على جميع الدفاتر، والسجلات، والوثائق، التي أوجب تشريع الشغل مسكها، وذلك لتحقق من مدى صحة مطابقتها للأحكام القانونية، حسب المادة 533 من المدونة.  

فضلا عن ذلك، اعتبر المشرع كل من خالف المقتضيات القانونية الواردة في الباب الخامس من المدونة، مسؤولا جنائيا من خلال المادة 548 من الباب الرابع، المتعلقة بأحكام زجرية مختلفة، التي تنص على أنه (( يكون مسؤولا جنائيا عن الأفعال المخالفة لمقتضيات هذا القانون، والنصوص التنظيمية الصادرة تطبيقا له، كل مشغل، أو مدير أو رئيس طبقا للمادة السابعة أعلاه، يكون له داخل المؤسسة، وبتفويض من المشغل، الاختصاص والسلطة الكافية، لحمل الأجراء الموضوعين تحت إشرافه، على الطاعة الضرورية، التي يقتضيها احترام التعليمات القانونية التنظيمية.

يعتبر المشغل مسؤولا مدنيا عن الأحكام الصادرة على المديرين والمسيرين، والتابعين له أداء المصاريف، والتعويض عن الضرر)).

إلا أنه بالرغم من التقنين وتوسيع اختصاصات أجهزة المراقبة، فقد تصادفهم عراقل واكراهات تحول دون تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل على أحسن وجه، حيث أن مفتشي الشغل وكذا مراقبي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قد يتعرضون في بعض الأحيان للمنع من ولوج المقاولات من أجل قيام بمهامهم([12] من جهة، ومن جهة أخرى، أن جهاز المراقبة يعرف خصاصا كبيرا في موارده البشرية والمتجه نحو الانقراض، مما يستوجب من السلطات المختصة العمل على الرفع من عدد المفتشين والمراقبين كجهاز للمراقبة، حيث نصت الاتفاقية الدولية رقم 81 الخاصة بتفتيش الشغل والتي صادق عليها المغرب على أنه ((يكون عدد مفتشي العمل كافيا لضمان أداء الفعال لواجبات إدارة التفتيش...))، لكن مع تخويل هذا الجهاز دور الضبطية القضائية، وتمكينهم من وسائل فعالة لأداء مهامهم، وتوفير الحماية اللازمة لهذا الجهاز أثناء القيام بواجبهم، أمام الازدياد المتواصل في المقاولات والمؤسسات الكبرى بالمغرب([13]).

  1.     توصيات المجلس الأعلى للحسابات في شأن آليات المراقبة

لم يمر تقرير المجلس الاعلى للحسابات، دون أن يؤكد تركيزه على إلزامية دعم آليات المراقبة الحالية بإجراءات أخرى تضافر جهود مختلف الفرقاء المعنيين، وذلك:

ü  تقوية وتوسيع صلاحيات وسلطة أجهزة التفتيش والمراقبة التابعة للصندوق، من خلال تجريم الأعمال التي تعرقل أو تمنع المراقبين من القيام بمهامهم، وكذا توضيح القوة الالزامية لمحاضر مفتشي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؛

ü  تقوية الإطار القانوني المتعلق بالتصريح بالمستخدمين عبر إجراءات ملائمة مثل إلغاء التقادم الرباعي لإقامة دعاوي استخلاص الديون وأداء المساهمات. والرفع من العقوبة الجنائية في حالة الحيازة غير القانونية لمساهمة الأجراء المقتطعة. والتأكد على حق الصندوق في التوصل بالمعلومات المتوفرة لدى الضرائب حول الأجهزة المكلفة بالتصريح.

ü  الحث على الانخراط في نظام التصريح والأداء الإلكتروني وجعل هذا الإنخراط إلزاميا بالنسبة للمقاولات ذات حجم معين كما هو الشأن في بلدان أخرى؛

ü  بذل المزيد من الجهود لجعل نتائج مهام التفتيش والمراقبة يستفيد منها بصفة مباشرة المؤمنون المعنيون.

  1.  جزاءات الاخلال بتطبيق الاحكام القانونية
  1.     في حالة تأخير المشغل عن التسوية: إنطلاقا من نص الفصل 26 من قانون 1.72.184، ينص على أنه في الحالة التي يتأخر فيها المشغل وما أكثرها من دفع واجبات الاشتراك في الاجل المحدد في النظام الداخلي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فإنه تفرض على هذه المبالغ غير المدفوعة زيادة 3 % عن كل شهر أو جزء من شهر من التأخير.

وتطبيق الغرامة عن كل شهر أو جزء من شهر من التأخير في حدود 3 %، تسري على الأجور المصرح بها من طرف المشغل والتي يعتمد عليها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عند تغريم المشغل، مع العلم كما رأينا والتي سبق أن تطرق إليها المجلس الأعلى للحسابات في تقريره، عن تلك المقاولات التي تلجأ إلى الغش في التصريحات المقدمة للصندوق، بحيث تعمل على التصريح الجزئي أو عدم التصريح بكتلة الأجور الحقيقية وأيام العمل.

في الوقت الذي نعتبر نص هذا الفصل قد تجاوز الأربعينات أي منذ سنة 1972، حيث أنه لا يساير التطور الكبير الذي عرفته وتعرفه المقاولات المغربية منذ حكومة التناوب إلى يومنا هذا، من حيث المردودية والحجم والأرباح، ومكانتها الدولية...الخ، لذا كان من الأجدر أن يربط المشرع هذه المخالفة برأسمال المقاولة وبأرباحها.

  1.     في حالة النقص في التصريح بالأجور أو إغفال: حسب الفصل 27 المعدل بموجب قانون 17.02، يتم تغريم المشغل ب 50 درهما على كل نقص في التصريح بالأجور أو على إغفال كل أجير أثناء التصريح، لكن في حدود 5.000درهم، ونفس التغريم المالي يفرض على المشغل في حالة عدم إدلائه في الآجال المقررة في النظام الداخلي، بوثيقة التصريح بأجور الأجراء العاملين بالمؤسسة.

حيث نص الفصل 27 المعدل، على أنه ((يجب أن يوجه المشغل إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي طيق للشروط والآجال المحددة في النظام الداخلي تصريحا بأجور كل مأجور من المأجورين العاملين بالمؤسسة.

وتفرض في حدود 5.000 درهم غرامة قدرها 50 درهما على كل نقص في التصريج بألجور أو على إغفال كل مأجور.

ويترتب عن عدم الإدلاء في الآجال المقررة بالوثيقة المنصوص عليها في المقطع الأول فرض غرامة قدرها 50 درهما عن كل مأجور مدرج في آخر تصريح قدمه المشغل من غير أن يتجاوز مجموع الغرامات 5.000 درهم وإذا تجاوزت مدة التأخير شهرا واحدا طبقت الغرامة حتما عن كل شهر أو جزء شهر من التأخير الإضافي.

وإذا لم يسبق للمشغل أن قدم تصريحا ببعض أو بمجموع مستخدميه وجب تطبيق الغرامة عن كل مأجور أظهرت المراقبة أنه يعمل بالمؤسسسة من غير أن يتجاوز مجموع الغرامات 5.000 درهم عن كل أجل من الآجال المذكورة)).

وهذه الغرامات السالفة الذكر، يتعين أداؤها خلال خمسة عشر يوما الموالية لتبليغها من طرف المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في رسالة مضمونة.

تبقى هذه الغرامات التي حتى وإن تم تعديلها بمقتضى قانون 17.02 بتاريخ 4 نوفمبر 2004، وذلك بعد رفع السقف منها من 500 درهم إلى 5.000 درهم كحد أقصى، ضعيفة جدا، مقارنة مع حجم الأرباح التي تحقققها المقاولات الكبرى بسبب أجرائها المساهمين في تنميتها، حيث لا يعقل أن يتم تطبيق نفس الغرامة على جميع المقاولات، سواء كانت مقاولات صغرى أو متوسطة أو كبرى.

وعليه، نعتقد أمام ضعف هذه الغرامات، أن تعديلا يفرض نفسه بالحاح، وفي مثل هذه الحالات يجب على المشرع أن يلزم المشغل على تأدية واجبات إنخراط الأجير ابتداء من تاريخ تشغيل الأجير الغير المصرح به أو في حالة تأخير في الأداء أو النقص في التصريح بالأجور، وذلك بأن يتحمل المشغل نصيب الأجير ونصيبه حتى تاريخ يوم التسوية، حتى لا تهضم حقوق الأجراء، وتصبح عبرة لكل مخالف للقانون.

  1.     في حالة تأخير واجبات الإشتراك: بمقتضى الفصل 28 المعدل بموجب قانون 17.02، أنه في حالة تأخير أداء واجبات الإشتراك، المشار إليها سابقا في الفصل 27، فإن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يضع قائمة المداخيل القابلة للتنفيذ إلى الملزم بالأداء.

أما فيما يرجع إستخلاص الديون وصوائر المتابعة، يخول للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إمتيازا عاما يسري مفعوله على جميع المنقولات والأمتعة التي يملكها المدينون له أينما كانت. ويترتب الامتياز العام المخول للصندوق مباشرة بعد الامتياز العام المخول للخزينة.

  1.     في حالة احتفاظ المشغل لديه بالمبلغ المقتطع بصفة غير قانونية: بمقتضى الفقرة الثانية من الفصل 75 المعدل بموجب قانون17.02، أنه في حالة احتفاظ المشغل لديه باقتطاعات الاجير بصفة غير قانونية، ولم يعمل على تأديتها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فإنه يعاقب بالسجن تتراوح مدته بين ستة أشهر وثلاث سنوات، ولغرامة تتراوح قدرها بين 5.000رهم و10.000درهم، بالاضافة إلى أن المشغل يتعين عليه أن يؤدي إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ضعف واجبات الاشتراك المستحقة مضاف إليه الغرامات والعقوبات المقررة في هذا القانون.

يبدوا أن هذا النص يحافظ على حقوق المالية للصندوق، أكثر من المحافظة على حقوق الأجراء الذين يتم إقصائهم ومنعهم من الانخراط؟ أي قد يحالون على التقاعد بدون معاش التقاعد وينضافون إلى الشريحة المقصية التي لم تتوفر على 3240 يوما من التأمين.!!!!!!

وعليه، لقد ذهب البعص([14]) إلى اعتبار العقوبات المنصوصة عليها في القانون غير كافية لإرغام المشغلين على إحترام التزاماتهم الاجتماعية تجاه أجرئهم، وما يتطلب ذلك من مراجعة الاطار التشريعي والتنظيمي بشكل يساعد على محاربة الغش والتهرب الاجتماعي، عن طريق تجريم هذه المقاولات كما هو حال بالنسبة لعديد من الدول التي تعني أهمية كبيرة للحماية الاجتماعية، إذاً، لماذا لجأت مدونة الشغل عند إصدارها إلى التراجع والتخفيف في شأن العقوبات الجنائية التي كانت تفرض على المشغل لمخالفته لأحكام القانون؟

  1.       مدونة الشغل أمام التراجع والتخفيف في عقوبات المشغل

سبق للمشرع المغربي أن عمل على إصدار عقوبات زجرية جنائية في حق كل مخالفي لأحكام القانون، من خلال مقتضيات الفصل السادس من الظهير الشريف رقم 1.81.314 بتاريخ 6 ماي 1982 القاضي بتنفيذ القانون 80-7، الذي ينص على أنه (( يعاقب المؤاجر بالحبس من شهرين إلى سنتين وبغرامة من 120 درهما إلى 12.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط على المخالفات لأحكام هذا القانون. ويتعرض كذلك لهذه العقوبات كل مؤاجر استخدم أجيراً بلغ سن التقاعد)).

لكن، مع صدور مدونة الشغل عمل المشرع  على إلغاء قانون 80-7 طبقا لمقتضيات المادة 586.

وبقراءتنا لمواد المدونة الباب الثامن من الكتاب الرابع الخاص بسن التقاعد، نلاحظ أنه تم تعويض الفصل السادس بالمادة 529 التي نصت على أنه ((يعاقب بغرامة من 2.000 إلى 5.000 درهم كل من خالف أحكام الباب)).

وبوقوفنا على نص الفصل السادس الملغى والمقتضيات القانونية الجديدة المادة 529، نرى أن المشرع، من جهة، لم يفرق بين المقاولات الصغرى والمقاولات الكبرى التي يفوق رأسمالها وأرباحها الملايير من الدرهم، ومن جهة أخرى، التراجع الحاصل في تطبيق العقوبات الجنائية في حق أرباب عمل المقاولات والمؤسسات أثناء مخالفتهم للتشريع التنظيمي، بعد أن عمل مشرع المدونة على حذف عقوبة السجن وتخفيض من سقف الغرامة المالية من 12.000 درهم إلى 5.000 درهم.

وعليه، ونحن أمام هذا التراجع التشريعي، نقف على دور السلطة التشريعية التي كثيرا ما يتم توظيفها واستخدامها من طرف لوبيات الضغط الاقتصادي، المتمثلة في أرباب عمل المقاولات والمؤسسات المتواجدين داخل الغرف النيابية، لخدمة مصالحهم الاقتصادية عبر آليات الترسانة التشريعية، وهذا ماجعل مشرع المدونة في صياغة النصوص، يتراجع ويخفف من العقوبات الجنائية التي كانت تطبق على هذه المقاولات والمؤسسات لمخالفتها  للأحكام التشريعية.

وفي الوقت الذي سكتت فيه المركزيات النقابية عن هذا التراجع التشريعي الذي هو لصالح أرباب العمل أكثر ما هو لصالح الأجراء كطبقة ضعيفة داخل المقاولات الانتاجية، ارتفعت أصوات جديدة تنادي بالرفع من العقوبات الجنائية، كما جاء في تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وكما جاء على لسان المسؤول المباشر على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.