عبد الحق الحاج خليفة

إن المتأمل في واقع المتعلمين المعنيين بالاختبارات الإشهادية للسنة الختامية من التعليم الثانوي التأهيلي، وما يعانيه هؤلاء جراء منظومة التقويم التي تعتمد بخصوص مكونات احتساب معدل النجاح على نقط المراقبة المستمرة والامتحان الجهوي بما يمثل نسبة خمسين في المئة، والاقتصار على الامتحان الوطني الموحد بنسبة خمسين في المئة كذلك، وكذا دخول المدرسة الخصوصية على الخط كمقاولة تربوية تعمل على إعداد المتعلمين للحصول على شهادة الباكالوريا، وأخذا بعين الاعتبار الشروط التي تتم ضمنها هذه المراقبة المستمرة ضمن المدرستين العمومية والخصوصية، وبالنظر لواقع المقررات الدراسية التي يجتاز من خلالها المترشحون الامتحانات الجهوية، وطبيعة المقررات المفروضة على مستوى اللغة الأجنبية الأولى التي يصل معاملها إلى ضعف معامل اللغة الأم، وأخذا بعين الاعتبار طبيعة المقررات "ثلاث روايات من الأدب الفرنسي" وطبيعة سلم التنقيط المجحف في هذه المادة حيث تمثل الكتابة الإنشائية خمسون في المئة من مجموع النقط الممنوحة في هذه المادة التي لايستطيع متعلمو الأقسام الثانوية التأهيلية تركيب جملة مفيدة واحدة باللغة الفرنسية دون أخطاء، والتي تحدد مصيرهم بخصوص شهادة الباكالوريا، وبالنظر لما يعانيه هؤلاء مع مادة التربية الإسلامية التي تشتعل نار الأسعار في الساعات الخاصة فيها بالدعم أو ما يسمى ب"السوايع" مع اقتراب مواعد الامتحانات الجهوية، و التي يضطر المتعلمون لتحملها نظرا لما يطلب منهم من إحاطة شمولية بمنظومة الإرث في الإسلام كأحد الدروس المقررة في هذه المادة وكأن هاجس المشرع التربوي هو الحرص على قدرة متعلمي السنة الأولى باكالوريا على حل جميع المعضلات التي تنشأ بين الورثة وأن يمتلك هؤلاء الكفاءة العالية في اقتسام المتروك بالقسطاس دونما حاجة للرجوع إلى أي عدل أوفقيه، أكثر من الحرص على ضبط واستيعاب المفاهيم والمعادلات الفيزيائية والرياضية التي تقتضيها التخصصات العلمية، وبالنظر لتأثير كل ذلك على المتعلمين الذين يتم تنقيلهم بنقط متدنية في هذه الامتحانات الجهوية حيث ما يقارب ثلاثة أرباع مترشحي الباكالوريا غير حاصلين على المعدل في الجهوي مما يشكل عطبا كبيرا على مستوى التفاعل مع المقررات الدراسية بالسنة الختامية التي تصبح بمتابة مباراة على المترشح أن يبحث عن كل الوسائل التي تمكنه من ردم الخصاص في الجهوي وذلك اعتمادا على المراقبة المستمرة الشيء الذي يعطي عمليا نوعين من الحاصلين على الباكالوريا ، أقلية حاصلة عليها بمعدل عشرة فما فوق في الامتحان الوطني وأغلبية حاصلة عليها بمادون عشرة و بمعدلات متدنية في الوطني،حققت النجاح بفضل نقط المراقبة المستمرة وهو ما اتضح من خلال مقاومة المتعلمين في الوهلة الأولى من هذه السنة لبرنامج "مسار" قبل أن يطمئنوا من حيث قدرة المدرسين على الحفاظ للمتعلمين على هذا الريع الذي ارتقى إلى مستوى الحق. وما يترتب على ذلك من حصولهم على ميزات لا تعكس المستوى الحقيقي في المواد المؤهلة طالما أن هذه الميزات تمنح بناء على المعدل العام الذي تتحكم فيه نقط المراقبة المستمرة والجهوي الأمر الذي يعني عمليا حصول الغير حاصلين على المعدل في هذه المواد المؤهلة على ميزة حسن بالنظر لرصيدهم في المراقبة المستمرة وعكس ذلك يمكن أن يحرم الحاصلون على المعدل في المواد المؤهلة من الميزة بسبب عدم حصولهم على نقط مميزة في المراقبة المستمرة، الشيء الذي ينعكس سلبيا على مستوى تكافؤ الفرص أمام الحاصلين على الباكالوريا أثناء ترتيبهم الاستحقاقي بناء على معيار المعدل العام، حيث يحرم بناء على هذا المعيار كم هائل من ذوي الاستحقاق الفعلي ويقبل من هم دون ذلك في لوائح القبول بالمدارس العليا. 

إن المتأمل في كل ذلك وغيره كثير ، سيقف بالملموس على حقيقة ساطعة مفادها أن امتحانات الباكالوريا أصبحت نتيجة بروز مجموعة من المتغيرات التي عرفها الحقل التعليمي التربوي، مثالا صارخا للمساواة الجائرة والتي أضرت كثيرا بصدقية هذه الشهادة وبمصالح الفئات الواسعة من المغاربة الغير قادرين على تسجيل أبنائهم بالمؤسسات الخصوصية الثانوية، هذه المؤسسات التي أصبحت تحظى بنصيب الأسد من نسبة المقبولين بالمدارس والمعاهد العليا بعد الحصول على الباكالوريا، لماذا؟ أولا: لأن مكونات نظام إمتحانات الباكالوريا ليست وطنية بكاملها كما كان معمولا به سابقا ، بل أصبحت نسبة خمسين في المئة مخصصة للمراقبة المستمرة والامتحان الجهوي ، وما ترتب على ذلك من ضرب لمبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين المنتمين لنوعين من المدارس . إذ في الوقت الذي يجبر فيه متعلمو المدرسة العمومية على حضور كل المواد التعليمية دون أي تمييز ، ويسجل عليهم كل تغيب في المواد التي يدرسونها ، نجد في مقابل ذلك تسهيلات كبيرة بالنسبة لمتعلمي المدرسة الخصوصية ، حيث يتم إعفاؤهم وفي وقت مبكر من السنة الدراسية من حضور حصص المواد التي لا يمتحنون فيها وطنيا أو جهويا وتعوض هذه الحصص بالنسبة للسنتين الأولى والثانية باكالوريا ، بالمواد الجهوية والوطنية . الشيء الذي يعني عمليا استفادة متعلمي المدرسة الخصوصية من ضعف الحصص المقررة قانونيا في الاختبارات الجهوية والوطنية ، أي أن فرص الإعداد والتأهيل للاختبارات الجهوية والوطنية غير متكافئة ليس فقط على مستوى عدم التكافؤ من حيث البنيات والتجهيزات وإنما أضيف إلى كل ذلك هوة أخرى على مستوى عدد الحصص المخصصة للمواد الدراسية مع ضمان نقط مرتفعة في المراقبة المستمرة بخصوص المواد التي يتم إعفاؤهم منها ، يضاف إلى هذا المستجدات التي ظهرت مع برنامج مسار إذ تجد اللجان المكلفة بتتبع التطبيق الحرفي لهذا البرنامج كل شيء على ما يرام بخصوص الفروض المقرر إنجازها بالنسبة لكل مادة أثناء زياراتهم المفاجئة للمؤسسات التربوية ، إذ ليس لهذه اللجن أي وسيلة لتمييز الفروض المنجزة داخل الفصل بالنسبة للمدرسة العمومية والتي تنجز كفروض منزلية بالمدارس الخصوصية وتقدم باعتبارها فروض تتوفر فيها الصدق ولصلاحية وتكافؤ الفرص الشيء الذي يعني عدم تكافؤ مزدوج من حيث النقط الممنوحة بسخاء في المراقبة المستمرة ، ومن حيث الاستفادة من حصص مريحة لإتمام المقررات الدراسية التي لن يستطيع أي مدرس بالمدرسة العمومية إتمامها بالنظر لتقليص الحصص المستمر والخصاص في الأطر وتغيبات المدرسين . كل ذلك يقود إلى التأكيد على ضرورة التدخل الاستعجالي الذي لا يتطلب أية إمكانات مادية أو موارد بشرية وهي مراجعة نظام التقويم بالشكل الذي يعيد الاعتبار لشهادة الباكالوريا التي كانت تؤهل حاملها لولوج كل الجامعات في العالم ، لكن قبل أن تخترق قيم السوق والربح المادي الحقل التعليمي التربوي .ذلك أن قرار اعتماد نقط المراقبة المستمرة الممنوحة من قبل المدرسين، ونقطة الجهوي الممنوحة من قبل الأكاديميات قرار اتخذ في ظروف لم تكن فيها المدرسة الخصوصية فاعلا حاضرا بقوة في منح هذه الشهادة، أما اليوم فقد آن الأوان وبكل استعجال لمراجعة نظام التقويم في الباكالوريا وصيانته وتحصينه من كل الاختراقات، بما يعيد له مصداقيته وصلاحيته في قياس الفروق بين المتعلمين ضمن ظروف يطبعها الإنصاف وتكافؤ الفرص بين الجميع. .