أثار مشهد تمزيق جواز السفر المغربي للبطل العالمي السابق في رياضة "اللايت كونطاكت" زكرياء المومني الذي يحمل الجنسية الفرنسية في برنامج تلفزيوني بث على الهواء مباشرة في أحد القنوات الفرنسية الأكثر مشاهدة، جدلا واسعا في الصحافة الوطنية والأجنبية وفي مواقع التواصل الاجتماعي التي انتشر فيها الفيديو الذي يوثق لسلوك المومني الانفعالي كما تنتشر النار في الهشيم.

وقد توزع هذا الجدل على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي التي باتت تشكل ترمومتر حقيقي لقياس درجة تفاعل الرأي العام الوطني مع القضايا التي تستأثر باهتمامه أو تشد انتباهه إليها، بين رافض لهذا السلوك الغاضب، وبين ممتعض منه، وبين متفهم لدوافعه التي ترتبط بمشكلته مع الدولة وأجهزتها الأمنية التي يتهمها بتعذيبه وحرمانه من حق قانوني منح لغيره.
جزء كبير ممن لاموا زكرياء المومني على فعل تمزيق جواز سفره المغربي لم يضعوا من وجهة النظر الحقوقية انفعاله الخاطئ في سياق قضيته التي كبرت ككرة ثلج بسبب أخطاء ارتكبت في تدبير مشكل بسيط ما كان له أن يصل إلى ما وصل إليه من تداعيات لو توفر الحد الأدنى من الحكمة في التعامل مع مطلب عادي جدا.

إلى كل هؤلاء أقول: من صنع المومني؟ من جعل منه مناضلا حقوقيا ضد التعذيب في المغرب؟ هل كان هذا الرياضي الشاب سيفكر يوما في رفع دعوى قضائية أمام المحاكم الفرنسية ضد شخصيات سامية في المغرب لو تم التواصل معه بقليل من الحكمة؟ هل كان سيؤلف كتابا يعرف بمشكلته أو قضيته لدى جزء كبير من الرأي العام الأوروبي الذي لازالت علاقته بالكتاب علاقة حميمية؟ لماذا فشلت الآلة الدبلوماسية في احتواء المشكلة قبل أن تتضخم؟

شخصيا، امتعضت من تصرف زكرياء المومني، وفور مشاهدتي لمشهد تمزيقه لجواز سفره المغربي، استحضرت معركة الأمعاء الفارغة التي خاضها الصحفي علي المرابط أمام مقر مجلس حقوق الإنسان الدولي بجنيف من أجل الحصول على شهادة للسكنى اعتبرها المرابط حقا من حقوق مواطنته، رغم أن المرابط بدوره يكتسب جنسية دولة أجنبية لم تغريه بتمزيق جواز سفره.

علي المرابط دخل في إضراب عن الطعام لمدة طويلة كانت محفوفة بخطر الموت من أجل الحصول على وثيقة إدارية اعتبرها من صميم مواطنته وجنسيته التي ترتبط برابطتي الدم والإقليم، في حين أن زكريا المومني مزق جواز سفره بكل ما يحمله هذا الجواز من رمزية سيادية، وكأن مواطنته تختزل في ذلك الجواز.

من خلال مقارنة السلوك الاحتجاجي للمرابط بسلوك زكرياء المومني، يتضح مستوى الفرق في النضج النضالي والحقوقي بين الرجلين. المعارك الحقوقية ينبغي خوضها بذكاء وصبر وإيمان وعزيمة قوية.

للأسف الشديد، تصرف زكرياء المومني، كان انفعاليا ولم يميز فيه بين انتمائه للوطن الذي يبقى فوق الجميع وأكبر من الجميع، وبين نضاله الحقوقي ضد الظلم. الانتماء للوطن شيء، والنضال الحقوقي ضد الفساد والاستبداد والظلم والمهانة شيء آخر.

لو كان تمزيق جوازات السفر وبطاقات التعريف هو الحل الأنسب لمشاكل الناس لمزقها آلاف المغاربة ممن يعيشون مرارة الفقر والجور والبؤس بسبب الفساد والاستبداد، ولمزقها أيضا الآلاف ممن عاشوا جحيم السجون وذاقوا كل صنوف القهر والتعذيب في تازمامارت وقلعة مكونة ودرب مولاي الشريف وغيرها من السجون التي كان ينفي النظام وجود البعض منها للصحافة الدولية.

على زكرياء المومني أن يقرأ تاريخ المغرب وتاريخ معاناة المغاربة في السجون خلال المرحلة الأوفقيرية والدليمية والبصروية لكي يفهم أن ما تعرض له من ظلم دفعه إلى تمزيق جواز سفره لا يساوي حتى النزر القليل من الجحيم الذي عاشه المغاربة خلال ما يعرف بسنوات الجمر والرصاص التي قام النظام بتبييضها من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة، رغم أنني كحقوقي أرفض كل الممارسات المنتهكة لحقوق الإنسان والمهينة لكرامته الإنسانية من الصفع والركل والسبق والقذف في الشارع العام إلى التعذيب في أقبية السجون ومخافر الشرطة.

على زكرياء المومني أن يقرأ كتاب الزنزانة 10 للمعتقل أحمد المرزوقي الذي أبكى المغاربة مرات عدة وهو يحكي لصحفي الجزيرة أحمد منصور عن معاناته ورفاقه العسكريين في معتقل تازمامارت اللعين. عليه أن يقرأ مذكرات محمد الرايس رحمه الله التي عنونها بــ " من الصخيرات إلى تازمامارت" وكتاب العميل السابق لجهاز الكاب 1 أحمد البخاري المعنون بــ" الأجهزة السرية في المغرب الاختطافات والإغتيالات"، وعليه أن يشاهد أيضا حوارا لشقيق الشهيد عمر بن جلون سي احمد بنجلون رحمه الله تحدث فيه لأحد المواقع الإلكترونية المغربية عن بشاعة ما تعرض له من تعذيب رهيب في السجن.

لا أقول هذا الكلام لكي أبرر الظلم الذي تحدث عنه المومني في حواراته الصحفية والتلفزيونية وألف فيه كتابا، بل أقوله لأن السلوك الذي أقدم عليه المومني على الهواء مباشرة، سلوك انفعالي يسيء لقضيته ويهين مواطنته التي لا يمكن اختزالها على الإطلاق في جواز السفر كما فكر هو بشكل خاطئ.

عندما عممت السفارة المغربية في باريس بلاغا يمس بمواطنة المومني كتبت مقالا اعتبرت فيه أن وصف مواطن مغربي بالمدعو كما لو أنه نكرة من قبل سفارة بلده في فرنسا سلوك مرفوض لأنه يسيء للملكة أكثر مما يسيء لزكرياء المومني الذي يظل مواطنا مغربيا يحمل الجنسية المغربية التي يستمد منها كل حقوقه الوطنية المشروعة، والتي لا يحق لأي جهة كانت، انتزاعها منه خارج إطار القانون..

لهذا فما جعلني ممتعضا بالأمس من بلاغ السفارة المغربية التي تمثل الدولة بكل مقوماتها السوسيولوجية هو الذي يجعلني ممتعضا اليوم من تصرف المومني الانفعالي. إنه العبث في تدبير سوء الفهم في علاقة الدولة بمواطن وفي علاقة الموطن بدولته.

الأخطاء في تدبير مطلب بسيط له أساسه القانوني وفيه عطف ملكي استنادا لما قاله المومني في أكثر من مناسبة، هي التي جعلت هذا الأخير يتحول إلى مناضل حقوقي، هي التي جعلت مطالبه كرياضي تنتقل من المطالبة بمنصب مستشار تقني في وزارة الشبيبة والرياضة إلى المطالبة بمحاكمة رموز نافذة في البلاد بتهمة تعذيبه، وهي التي دفعته إلى تأليف كتابه، وهي التي دفعته إلى التهور والانفعال عندما أقدم على حرق جواز سفره المغربي بشكل مهين على الهواء مباشرة، ولست أدري إلى أي مدى ستصل الأمور؟