قال الأمين العام لحزب "التقدم والإشتراكية" محمد نبيل بنبعد الله، وهو يتحدث عن قادة حزب "الأصالة والمعاصرة": " هاذ الناس غير موجودين بشكل رسمي لا داخل حكومة ولا داخل أي جهاز قرار رسمي ومع ذلك يقومون بأشياء تتجاوز كل الحدود لدرجة نتساءل معها إلى أي حد يمكن ان تصل هذه اليد الطويلة التي يتمتعون بها".

ينُص الفصل الثاني والأربعين من الدستور المغربي على أن : الملك هو رئيس الدولة..، وممثلها الأسمى..، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات..

وحين يقول بنعبد الله إن قادة "البام" يقومون بأشياء تتجاوز كل الحدود" وهم خارج أجهزة الدولة الرسمية، فماذا يعني هذا القول؟ يعني أن قادة "البام" يخرقون القانون ولا تقوى الحكومة، التي بين أعضائها بنعبد الله، على ردعهم! كما في هذا القول "حشيان الهضرة" للملك إما بإيحاء أن هؤلاء القادة محميون من طرف الملك، وإما انهم أقوى من الملك! وفي كلا الحالتين، الملك في وضع لا يليق بما يضمنه له الفصل السادس والأربعين، الذي ينص على أن : " شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام".

السؤال المحير: هل يعي بنعبد الله أبعاد كلامه؟ وهل يسعى فعلا "لحشيان الهضرة للملك"؟ ثم لماذا لم يقدم بنعبد الله نموذجا واحدا من مظاهر "التحكم" التي يتحدث عنها؟ ولا قدم مثالا واحدا عن الأشياء التي قام بها قادة "البام" والتي بحسبه "تتجاوز كل الحدود"؟

في قصيدته الشعبية الجميلة والخالدة "بلادي وحبيبتي" التي كان قد كتبها بسجن القنطار في مصر سنة 1971، يقول الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم في إحدى مقاطعها الرائعة وهو يسخر من نفاق أحد الزعماء السياسيين المصريين، الذي كان معروفا بتذبذب مواقفه السياسية وتقلبها حسب مصالحه الحزبية، في كل مرحلة من مراحل الصراع السياسي الدائر في مصر:

حَلاَ وِيلْلاَ يا حَلاَ وِيلْلاَّ

يا خْسارة ياحول اللا

الثورى النَّوْرى الكَلَمَنْجى

هَلاَّب الدِّين الشفطنجى

قاعد فى الصف اللأكلنجى

شكالاطه وكراميلا

يتْمركس بعض الأيام

يْتمسلم بعض الأيام

ويْصاحب كُل الحكام

وبِسْتَاشَرْ مِلة

حَلاَ وِيلْلاَ يا حَلاَ وِيلْلاَّ

يا خْسارة ياحول اللا

هكذا كتب فؤاد نجم عن الزعيم المصري المعني، حين كان يقود حزبا ذو طبيعة إجتماعية برجوازية صغيرة، والذي كان إذا ظهر له أن المستقبل للإسلاميين صار في صفهم، حاملا السبحة بين يديه متزاحما مع المصلين في الصفوف الأمامية يوم صلاة الجمعة، وإذا ظهر له ان المستقبل لليساريين تخلى عن حمل السبحة وصار يردد مقولات ماركس ولينين في كل وقت وحين.

وحين يتأمل القارئ هذه الأبيات الشعرية، ويستحضر التاريخ السياسي الإنتهازي لبنعبدالله، من شيوعي إلى رئيس لوفد مغربي بالحج، وهو بجلباب أبيض، يلف بعناية فائقة سبحة مزركشة على يده اليسرى، يجدها تنطبق على شخصية بنعبد الله، كما تجعله هذه الأبيات يفهم سر هجوم بنعبد الله في هذا الوقت بالذات على "قادة البام".

هل سمعتم يوما بمبادرة في مجال السكنى طرحها بنعبد الله وهو يقود أهم قطاع حكومي في البلد؟ هل طالعتم يوما مبادرة سياسية لبنعبد الله في اتجاه تجميع قوى اليسار الحداثي الديمقراطي أو أي مبادرة يمكن أن تخلخل الوضع السياسي الآسن؟

بنعبد الله نموذج السياسي العاجز والمفلس والإنتهازي والطفيلي، الذي لا يتغذى إلا بالتصريحات لوسائل الإعلام، و"تخراج العينين"، دون أن يقوى يوما على طرح مبادرة تستحق الإنتباه إليه وتفيد الوطن.

بنعبد الله اقتنع كما جميع السياسيين المغاربة أن حزب "الأصالة والمعاصرة" قادم لا محالة، لهذا يحاول الشيوعي السابق، الذي يستحيل أن يعيش خارج الحكومة،  أن يبتز قادة "البام"، للإتصال به وطمأنته على مستقبله السياسي داخل الحكومة المقبلة، لا أقل ولا اكثر، إذ لو كان همه المشروع الحداثي الديمقراطي، كما يزعم بلا حياء ولا خجل، لسُمع له أثر عند إعدام قضاة الرأي وعند المصادقة على قانون تشغيل القاصرات وعند المصادقة على قانون التقاعد أو عند المصادقة على قانون حصانة العسكريين، أو عند إثارة فضيحة وثائق باناما أو خلال محاكمة الصحافيين، أو تبرئة الفراع أو إحراق مي فتيحة لجسمها أو عند كسر العصي فوق جماجم الأساتذة المتدربين من طرف القوات العمومية المغربية...