أورد القاضي المعزول محمد نجيب البقاش معطيات خطيرة وصادمة حول الحكم الصادر ابتدائيا ضده والقاضي بإدنته بسنتين سجنا موقوفة التنفيذ.

وقال البقاش في تدوينة على صفحته الإجتماعية، صاغها على خلفية المقال الأخير للمحامي الحبيب حاجي، المتحور حول المادة 97 من المشروع التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة، (قال) بأن تصريحات "المشتكي" ضده  وعددها خمسة، جاءت كلها متناقضة طيلة مدة عرض القضية امام القضاء، موضحا أن محكمة النقض وهي أعلى هيئة قضائية في المغرب، تعتبر كل شهادة لشاهد أو المشتكي به جاءت متناقضة فهي لاغية ولا ياخذ بها.

أكثر من هذا، ذكر البقاش أن هيئة الحكم رفضت الأخذ بوثيقة حاسمة في ملفه وهي محضر المواجهة بينه وبين "المشتكي" والذي صرح فيه الأخير بأنه لم يتقدم ضده بأي شكاية، خاصة وأن هذه المواجهة  "كانت واقعة حاسمة و محورية في الملف بل إن هذه المواجهة جاءت كتتويج للأدلة السابقة التي كانت لصالحي، مثل إنكاري في جميع المراحل و كذلك المكالمات الصوتية المسجلة كانت كلها لفائدتي" يضيف البقاش.

والخطير، يضيف البقاش أن المحكمة استندت في إدانته على مكالمات هاتفية دون أن تستمع إليها، علما أن هذه المكالمات اعتبرها البقاش عادية بين صديق وصديق لم  تتجاوز مدة كل واحدة منها 40 ثانية، وليس فيها أي إشارة لأي رشوة أو ابتزاز أو تبادل مال.

البقاش عرج على نقطة أخرى مثيرة، وهي أنه حين أفرغ المشتكي من شهادته أمام المحكمة، وتقدم دفاع البقاش لمواجهته ببعض الأسئلة، أعلن القاضي على نهاية الجلسة، وهي آخر جلسة يحضر إليها المشتكي.

ويبقى السؤال المحير والمثير في هذه القضية هو لماذا لم تنتظر الشرطة إلى حدود أن يحمل البقاش المال بين يديه وتعتقله وهي التي رصدته لمدة 15 يوما، حيث تفيد تفاصيل القضية أن الشرطة باغثته وهو جالس في سيارة "المشتكي" فيما ظرف المال موجود تحت الكرسي، والمثير أن المشتكي أمام قاضي التحقيق نفى ان يكون البقاش على علم بوجود ظرف تحت الكرسي الذي يجلس عليه.

وزاد البقاش :"المحكمة كذلك لم تجب عن احتجاج الدفاع بكون المفهوم القانوني و المنطقي لحالة التلبس لا يمكن عقلا ان ينطبق على هذه القضية" مضيفا بأن "لمحكمة لم تستجب لطلب الدفاع المتكرر باستدعاء الشهود الذين صبت تصريحاتهم جميعا لفائدتي بل اكتفت بالاستماع الى المشتكي و عندما جاء دور الدفاع لطرح الأسئلة عليه قامت تلقائيا بتأخير القضية الى جلسة اخرى لم يحضرها المشتكي فاعتبرت حينها القضية جاهزة رغم احتجاج الدفاع بضرورة اعادة استدعائه لأن لهم مجموعة من الأسئلة كانوا يودون طرحها عليه حتى نرفع الغموض الذي يكتنف هذه القضية".

وأضاف البقاش بأن "احتجاجات و دفوعات عديدة لم تجب عنها المحكمة و نقط غامضة أخرى كثيرة ظلت عالقة ، غير ان المحكمة اكتفت بعد كل ما ذكرناه بالقول انها اقتنعت بالإدانة دون ان تكلف نفسها إقناعنا و لا إقناع أي قارئ محتمل للحكم الذي اصدرته".

وأوضح البقاش ان المحكمة لم تبرر قرارها بالإدانة بحيثيات مقبولة عقلا و منطقا بل اكتفت هكذا بالقول: انها اقتنعت بثبوت الأفعال المتابع بها دون أن تفصل و توضح ذلك بطريقة مقبولة و لا لائقة . فمثلا لا تتعرض المحكمة إطلاقا لمحضر المواجهة الذي جرى بيني و بين المشتكي.

وأوضح البقاش أن اشكالية القناعة القضائية في القضايا الجنائية تُشكل في الواقع مسألة في غاية الخطورة لتعلق هذا النوع من القضايا بحرية الانسان و سمعته و شرفه و هي أغلى ما يملك، على اعتبار أن ترك الحرية المطلقة للقاضي في هذا الشأن قد تؤدي أحيانا إلى إخراجها عن الهدف الذي وضعت لأجله و تصبح بالتالي مضمارا للتطبيق السيئ للقانون و مجالا للانحراف المقصود عن المنطق السليم.

ثم زاد كاتبا: أما النتيجة فتكون عبارة عن أحكام منحازة و غير منصفة و لا محققة للعدالة و فوق كل هذا غير مقنعة لمن سيقرأ حيثياتها، لا يستسيغها حتى المواطن العادي فبالاحرى رجل قانون" مستحضرا البقاش  ما سبق أن عبر عنه احد القضاة الأمريكيين ( بايرون وايت ) و هو يدافع عن نظام المحلفين الذي يعمل به النظام القضائي الامريكي في المادة الجنائية بدل قاضي منفرد أو مجموعة قضاة و هو النظام الذي يشارك فيه القاضي اثناء نظره في القضايا الجنائية، مواطنون عاديون من الجمهور بهدف مشاركته قناعته الوجدانية ليصدر الحكم في النهاية بناء على صوت الأغلبية منهم ، يقول القاضي بايرون وايت : " لكن إذا عهد إلى قاضي منفرد أمر الفصل في مسألة واقع ، يصبح هناك مجال واسع للانحياز و الظلم، إما عن طريق الادعاء بأن الحجج المؤيدة ( أو النافية ) للإثبات غير مقبولة، أو عن طريق كتم بعض الظروف بطريقة بارعة، أو بتوسيع و تغيير ظروف أخرى ...." ، إن نظام هيئة المحلفين في الولايات المتحدة الامريكية وُضع لقطع الطريق عن أي محاولة تطبيق أو تفسير مستبد للقانون من جانب جهاز القضاء، سواء كان فردا أو هيئة، فالقناعة الوجدانية التي تُبنى عليها الأحكام الجنائية هنا تكون أمرا مشتَرَكا بين الجمهور و القاضي" .

و عليه، يضيف البقاش، "وتطبيقا لما أورده القاضي الأمريكي بايرون وايت على قضيتي، تكون المحكمة قد " كتمت بعض الظروف بطريقة بارعة " عندما لم تتعرض إطلاقا لمحضر المواجهة الحاسم الذي برأني من التهم الموجهة إلي، يعد كتمانا بطريقة بارعة كذلك عدم الاستجابة لطلبنا باستدعاء الشهود حتى يظهروا لنا الحقيقة كاملة، يعد "تغييرا " للظروف عندما عللت المحكمة قرارها بالمكالمات الهاتفية دون ان تنصت اليها و تطلع على مضمونها ... و اللائحة لا زالت طويلة".

وخلص البقاش إلى القول "الواقع أنه بين موقفي ذ الهيني و ذ حاجي من المادة 97 ، سيظل المواطن حائرا أيهما سيختار و إلى جانب من سيصطف، إنها مادة تخشى كل من السلطة التنفيذية و القضائية على نفسهما منها، و كل بطريقتها الخاصة، لكن ما هو متيَقّٓنٌ منه هو أنه ليس كل من يجلس فوق المنصة يتوفر فيه دائما ذلك الضمير الذي ينتج تلك القناعة التي تنبعث منها الأحكام الجريئة و الشجاعة و المنصفة ... إن القاعدة هنا في غاية البساطة " إذا حضر الضمير متعمِّماً بالجرأة ، بطلت المادة 97 من قانون السلطة القضائية و استُغنِيَ عن المجادلة حولها ". قبل أن يختم البقاش تدوينته بتساؤل مثير حين كتب : لكن بالله عليكم ، ماذا تتوقعون من قضية حكمها بنكيران في البرلمان ؟ وهو يقصد التصريح الشهير لرئيس الحكومة والذي حرض فيه القضاء عليه رغم أنه يرأس جهازا تنفيذيا! في سابقة لم تحدث حتى في زمن الرصاص ولحظة الإسثتناء في المغرب!

يشار إلى أن مصطفى الرميد هو من أشرف على عملية اعتقال القاضي البقاش من اولها إلى آخرها، وتروج أخبار أن القضية بات عنده تشكل "معركة وجود" وقد يكون هذا سبب تدخل بنكيران في القضاء لفائدة زميله الرميد، الذي من صلاحياته تنقيل القضاة وتأديبهم وترقيتهم، سواء قضاة النيابة العامة أو قضاة الرآسة أو الحكم.