اسماعيل العماري

بعد أن قسم الفساد ظهورنا و أخد من الحديث وقتا طويلا ، فهو الذي أخرج كل الجماهير إلى الشوارع هاتفة و صادحة بمحاربته ولا عودة إلا بتلقي ضمانات لاجثاثه، لأنه أضحى كابوسًا يقض مضجعهم،لعل الربيع العربي الذي انطلقت أولى شراراته لم يكن ترفًا أو نزوة عابرة،إنما جاء بعدَ تعاقب السنوات و انصرام أفق التغيير رغمَ كل الضمانات،اختلفت نسبة تعاطي السلطة مع مطالب الغاضبين ـ إذا صح القول الفئات المتعطشة للحرية و المختنقة ـ فتغيرت الأنظمة و إن اختلفت الطريقة و الأجواء التي مرَّ فيها التغيير .
فالمغرب و نظرًا لخصوصيته فقد عرف ثورة يمكن وصفها بالهادئة و السليمة ،ومن تجليات التغيير، هو إعلان تعديل دستوري بأمر من ملك البلاد تحت إشراف لجنة" المنوني"، ثم عرض للتصويت بأغلبية المغاربة ،فأعلنت انتخابات تشريعية أتت بحزب ذي مرجعية إسلامية في تشابه لما أزكته صناديق الإقتراع في كل من تونس مع حزب النهضة و الإخوان المسلمين بمصر،صعود الأحزاب ذات توجه إسلامي سمحت له بتشكيل الحكومة، يمكن إرجاعه لسبب رئيسي هو أن جميع الأحزاب ذات توجه مختلف تعاقبت على تسيير شؤون البلاد ،ولكنها لم تعط أكلها الأمر الذي أفقد الأمال لمجموعة من الفئات و الدليل على ذلك نسب التصويت الضئيلة التي تسجل و التي تعبر عن السخط العارم تجاه السياسات العمومية و البرامج الحزبية ،ما يزكي هذا الطرح أن أي تجربة حزبية جديدة سرعان ما تلقى إقبالاً من طرف المنتخبين مثل "الأصالة و المعاصرة" و الذي خاض غمار الانتخابات الجماعية و حصل على مرتبة متقدمة في نسب التصويت و هو ما يترجم التهافت نحو تجارب ووجوه جديدة ربما قد تكون الأفضل من سابقتها،إضافة إلى أن بعض الأحزاب التي كانت طيلة عمرها السياسي في صفوف المعارضة مثل "حزب العدالة و التنمية" و الذي مورست عليه مختلف المضايقات مما أكسبه تعاطفا شعبيا،لذا كان الأمل الوحيد و المتبقى لإصلاح ما يمكن إصلاحهُ و رتقِ كل الانكسارات و الخيبات التي احدثتها السنوات السابقة.
الحزب الذي كان ضمن شعاراته محاربة الفساد، فهو مطلبٌ يعتبر مربط الفرس بالنسبة لكل فئات المجتمع المغربي التي تريد القطع مع كل التجاوزات التي حصلت في كل القطاعات كالتعليم و الصحة ...فكل الامال كانت معلقة على حزب "اللامبا" و الذي يقود تجربة حكومة مابعد الربيع العربي ، ومع تولي السنوات بدأ المغاربة يستشعرون نفس الأخطاء المرتكبة من قبلُ و قد نعتبرها أكبر من سابقتها مع تجارب حزبية اخرى، فالحزب لم يستطع القطع مع الفساد والعكس هو الملاحظ، و ما قاله بنكيران في عديد المناسبات " عفا الله عمّا سلف" فهذا يترجم إما أن مسألة محاربة الفساد تبدو أكثر من بنكيران أو أن الحزب حاول التطبيع معه،صحيح أن الحزب نشر لوائح المستفدين من رخص النقل العمومي " كريما" و هذه الخطوة يمكن التصفيق لها لو اكتملت معالمها بالقطع النهائي مع اقتصاد الريع بسحب الرخص لمن لا يستحقها ، و لكن السؤال المطروح هو لماذا لم يتم الإعلان عن مستغلي مقالع الرمال و الصيد في أعالي؟ و نحن على علم أن أصحابها "مالين الشكارة" ، وهو ما يعني أن حزب بنكيران قام بالتطبيع مع الفساد بطريقة اخرى،وهو مبرر واضح في فشل الحزب في تحقيق أماني طبقة عريضة من المجتمع المغربي.
إصلاح صندوق المقاصة كان ضمن أولويات الحزب و التي أعلنها بنكيران جهارا أن الدعم الذي تقدمه الدولة للصندوق بغاية دعم أسعار المواد الأولية،تستفيد منه الطبقات الغنية و الثرية،و من الحلول المقدمة لتفادي استفادة هذه الفئة ، رفع الدعم عن المواد الأولية و تقديمه مباشرة للفئات الضعيفة ، و إن كانت مسألة مستبعدة التحقيق نظرًا لصعوبة حصر الفئة المستهدفة بالدعم،لكن بنكيران ساري في منطقه برفعه لكن دون إجراء مصاحب و هو ما يعني أن سوق الأسعار ستعرف التهابا لا يمكن تحمله وهو ما يعرض فئات عديدة للدغات الأسعار،ومما يؤشر أن الدفاع عن الفئات المستضعفة كان شعارًا انتخابيا تم تجاوزه وبالتالي سيفقد كما من المناصرين،فالمغاربة إن لم أقل جلهم لا يعنيهم و لايهمهم الصراع السياسي القائم وبل التعديلات التي تقي المغربي شر الغلاء المجحف للأسعار و إلا ماجدوى التغيير إذا لم تكن معالمه على نمط العيش ، مما يؤكد ان الحزب لم تعط إصلاحاته ثمارها على المعيش اليومي .
فالحزب إبان اصطفافه في صف المعارضة لم يتوان في الدفاع عن الحرية و الحق ،و أكثر من ذلك كان يتزعم كل المسيرات الاحتجاجية الداعية إلى الافراج عن المعتقلين السياسيين ،مما أعطى انطباعًا أن الحزب حين قيادة الحكومة و خاصة في ظل صلاحيات الكبيرة التي منحها الدستور الجديد لرئيس الحكومة و للمعارضة كذلك سيعرف مناخ الحرية انفراجًا،لكن مؤشرات الحرية تراجعت حسب التقارير الدولية ،من خلال التضييق على حرية الصحافة و بل سعى إلى إخراس كلّ الأصوات المعارضة له بقراراته بالتضييق على الحريات النقابية من خلال الاقتطاع من أجور المضربين رغم ما ينص عليه الفصل 19 من الدستور بشرعيته،وهو ما يثبت خيبة الأمال المعلقة عليه للزيادة من جرعة الحرية،و به فالحزب لا يقدم كل الضمانات المطمئنة للعودة ثانية للقيادة الحكومية.
من بين الاصلاحات التي باشرتها الحكومة التي تهم المجال الإعلامي و التي خطت أولى الخطوات بإعداد دفتر التحملات هذا الأخير نال نصيبًا وفيرًا من الانتقادات سواءٌ من الأحزاب المعارضة و الأغلبية كذلك و من المشتغلين في حقل الإعلامي، فالجميع متفق على أن كل القوانين و البنود التي يحملها هذا المشروع لا يرقى إلى تحرير الإعلام بشكل نهائي من الرقابة ، ليتم سحب دفتر التحملات و عرضه للتعديل و المراجعة مرة اخرى ،بالتالي فإصلاح الإعلام يبقى نقاشا مؤجلاً لم يتم الحسم فيه.
لا يسعني المقال لعرض كل إخفاقات الحزب في قيادة المرحلة الجديدة ـما بعد الربيع العربي ـ في جميع المجالات الحيوية الاقتصاد و الصحة و الإعلام و التعليم .فقيادات الحزب تروج لخطاب الطمأنة مفاده أن الحزب قد يفقدُ شعبيته بسبب هذه الإصلاحات التي لم تلبي انتظارات المغاربة و ما يشير ضمنيا أن الحزب إصلاحاته لم تحدث التغيير المنتظر و المأمول ،مما سيساهم في الإجهاز على شعبية الحزب إذا لم يتدارك أخطاؤه في القادم من السنوات المتبقية من ولايته،
و تلميع الصورة الباهتة و خصوصا بعد فشل في لم شمل الأغلبية في نسختها الأولى .
[email protected] الالكتروني :