ثمة حاجة ماسة إلى التوضيح العلمي –و البعيد عن السياسة بمفهومها السلبي- لعبارات أضحت موضوع متابعات تأديبية في غير محلها لمناضلين شرفاء يسعون إلى المساهمة ما أمكن بحكم مواقعهم في اثراء النقاش العمومي المفتوح و انخراطا في الموجة الحقوقية التي دشنت مع إصدار دستور 2011 و خاصة أن هذا الأخير يمكن اعتباره بالمقارنة مع الدساتير السابقة دستور الحقوق و الحريات بامتياز و ذلك لما أتاحه من مكانة متميزة لحقوق الإنسان و الحريات العامة كما هي متعارف عليها دوليا وما أقره من ضمانات قانونية و مؤسساتية لم تستثني أحد من المواطنين بل تم تخصيص بابا بأكملها لسرد مجموعة من الحقوق المدنية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و البيئية و التنموية و ارتقى بها إلى قواعد دستورية لا يمكن التراجع عنها .

و القضاة باعتبارهم أبناء هذا المجتمع فهم متساوون مع جميع المواطنين في هذه الحقوق و الحريات إلا ما تم استثناءه بصريح القانون و الذي قد يشكل مساسا باستقلاله.

وقد جاء في المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية المعتمد من طرف مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة و معاملة المجرمين المنعقد سنة 1985 وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أنه يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير و الاعتقاد و تكوين الجمعيات و التجمع ومع ذلك يشترط أن يسلك القضاة دائما لدى ممارسة حقوقهم مسلكا يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة و استقلال القضاة.

وتكون للقضاة الحرية في تكوين جمعيات للقضاة أو غيرها من المنظمات لتمثيل مصالحهم و النهوض بتدريبهم المهني و حماية استقلالهم القضائي وفي الانضمام إليها.

وهذا ما أكد عليه دستور 2011 و خاصة في الفصل 111 منه الذي جاء فيه (أن للقضاة الحق في حرية التعبير بما يتلائم مع واجب التحفظ و الأخلاقيات القضائية كما يمكن للقضاة الإنخراط في جمعيات مهنية مع احترام واجبات التجرد و استقلال القضاة، و طبقا للشروط المنصوص عليها في القانون ويمنع على القضاة الانخراط في الأحزاب السياسية و المنظمات النقابية)
يتضح جليا من خلال النصوص السابقة بما لا يدع مجالا للشك أو التأويل السلبي أن للقضاة حرية التعبير دون قيد أو شرط إلا بما يتعلق بواجب التحفظ و الأخلاقيات القضائية و التي لا يجب التوسع في إعطائها تأويلا غير ديمقراطي لأن ذلك يتنافى وجوهر وروح الدستور و الذي يتعين على كل عاقل التقيد التام بتأويل نصوص الدستور بما يتلاءم مع الجوهر الديمقراطي و الحقوقي له وليس العكس كما أكد على ذلك جلالة الملك في خطاب 30 يوليوز 2011 (أن أي ممارسة أو تأويل منافي لجوهره الديمقراطي يعد خرقا مرفوضا مخالفا لإرادتنا ملكا وشعبا ).

وعليه فإن أي متابعة تأديبية في حق القضاة على ما يصدر عنهم من أراء أو مواقف تجاه بعض مشاريع النصوص القانونية والتي تهم وضعيتهم وتمس استقلاليتهم وحتى معارضتها يمكن اعتباره من صميم واجباتهم لأن في دفاعهم عن استقلاليتهم دفاعا عن حقوق المواطن لأن باستقلال القضاء سنضمن احدى أهم دعائم دولة الحق و القانون .

كما أن تكييف بعض الآراء بكونها تكتسب صبغة سياسية فالأمر يتطلب التنقيب عن المقصود بالموقف السياسي في هذا الإطار ومعنى السياسة. فلغويا سياسة مشتقة من ساسة يسوس والسياسة بالمعنى اللغوي متداولة بحياتنا اليومية في جميع المجالات : المنزل-العمل-المدرسة –و المعاملة اليومية و علاقة الأفراد و المؤسسات و الدول الخ.

واصطلاحا تعني رعاية شؤون الدولة الداخلية و الخارجية وقد عرفها هارولد لازول بأنها دراسة السلطة التي تحدد من يحصل على ماذا متى وكيف، أي دراسة تقسيم الموارد في المجتمع عن طريق السلطة (ديفيد إيستون) وأيضا السياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه و بالتالي يصعب علميا اعتبار موقف أو رأي تجاه قانون معين موقفا سياسيا و بالأحرى متابعة صاحبه.

وعليه يمكن القول بأن حرية التعبير أمرا مقدسا بحكم الاتفاقيات الدولية وبحكم الدستور و الأعراف و بالتالي لا يمكن مصادرته تحت أي ذريعة كانت ومن يتجه خلاف ذلك فإنه يؤسس لمنطق الاستبداد و التراجع عن المكتسبات.

*مدير مجلة العلوم القانونية