تحولت الجلسة الشهرية للبرلمان، يوم الثلاثاء 28 أبريل، إلى ما يُشبه “حمام” أو سوق أسبوعي، بفعل الهرج والمرج الذي عم القاعة، مباشرة بعد أن وصف رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران بعضا من رموز ما يسمى بـ “معارضة صاحب الجلالة” بـ”السفهاء” قبل أن تثور ثائرة الكاتب الأول لحزب “الاتحاد الاشتراكي” ادريس لشكر، لدرجة ظل معها لدقائق يصف بنكيران بـ”السفيه”، وهو واقف يشير إليه بيده اليمنى.

يُعرف السفيه عند العرب بكونه الشخص المضطرب في سلوكه وعقله وآراءه وأخلاقه، إنه الشخص المدافع عن الفعل ونقيضه، والذي لا يُعير اعتبارا للسانه، لدرجة قد يهدي فيها دون أن يشعر؛ وفي السياسة هو شخص ليس له مبدأ ولا موقف ولا قناعة، هاجسه الوصول إلى السلطة، مهما كان الثمن، ولو على حساب كرامته وتاريخه ودينه وفكره ومقدسات أمته.

وحين يحمل حميد شباط، الأمين العام لحزب “الاستقلال”، عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة مسؤولية الفيضانات التي عرفتها دولة التشيك خلال السنة الماضية، ثم يتهمه بالعمالة للموساد وبالانتساب لتنظيمين إرهابيين كـ”النصرة” و “داعش”، فإن ذلك يعد سفاهة ما بعدها سفاهة.

وعندما يصف ادريس لشكر لسنوات طويلة حزبي “الحركة الشعبية” و ” التجمع الوطني للأحرار ” بالحزبين “الإداريين”، ويقبل في الأخير مشاركتهما تدبير الشأن العام خلال النسخة الثانية من حكومة عباس الفاسي، ثم يتهم حزب “البام”، يوم الأربعاء 24 شتنبر، من سنة 2008، خلال مشاركته في حلقة برنامج “مباشرة معكم” على القناة الثانية، بـ”استغلال النفوذ وإعادة إنتاج أساليب الماضي”، وفي الاخير يبلع لسانه بعد استوزاره، قبل أن ينسق اليوم مع هذا الحزب في المعارضة، فإن ذلك يعد سفاهة ما بعدها سفاهة.

وحين يُطالب بنكيران الملك سنة 2011، خلال مهرجان خطابي لحزبه، بإبعاد فؤاد عالي الهمة عن الحياة السياسية، بدعوى أنه “مفسد”، و”يشتم” المدير العام للأمن الوطني ورجالات الدولة، ثم يعود ويصفه بـ”الشخص اللطيف والمتفهم”، ويقول خلال حوار مطول أجرته معه جريدة “الشرق الأوسط” يوم الخميس 09 فبراير من سنة 2012، “أعتز أن يكون مخاطبي داخل القصر الملكي”، هو فؤاد علي الهمة، فإن ذلك يعد سفاهة ما بعدها سفاهة أيضا.
أيُّ سَفَهْ وسفاهَة في العالم وفي التاريخ البشري أكبر من أن يشارك بنكيران صلاح الدين مزوار، رئيس حزب “التجمع الوطني للأحرار” تدبير الشأن العام، وهو الذي قال فيه، خلال مهرجان خطابي أمام حشد كبير من أنصاره، عشية استحقاقات 25 نونبر. “واش الناس غادين ينساوا كيفاش وليتي أنت أمين عام لحزب الأحرار، الياس العماري حَيدْ ليكْ المنصوري باش تولي أنت رئيس الأحرار، لأن السي المنصوري رفض يسمع لإلياس العماري وفؤاد عالي الهمة أكثر من القياس، فمن أين ستأتي باستقلاليتك وبالقوة إذا صرت رئيسا للحكومة، كيف ستقف في وجه التعليمات التي ستأتي من الناس الذين يدعون القرب من المحيط الملكي ماعندكش هاذ القوة”، ثم يقول له يوم 22 نونبر 2011، أمام أنصاره بمكناس: هل تعلم بان سلفك السي المنصوري رفض أن يتجاوز الحدود في الخضوع لضغوط حزب الأصالة والمعاصرة الممثلة والمجسدة في المدعو والمُسمى الياس العماري ؟ وعندما رفض السي المنصوري أن يفك تحالفه مع السي جامع المعتصم بسلا حلفوا عليه بأنه لن يبقى رئيسا للحزب ولن يبقى رئيسا للبرلمان، وجابوك كاين شي حاجة أخرى السي مزوار ؟ “؛

نعم، أي سفْه وأي سفاهة في العالم والتاريخ البشري، بعد أن قبل بنكيران مشاركة مزوار في حكومته وهو الذي قال عنه بخصوص ملف “العلاوات التي كان يتبادلها مزوار مع الخازن العام للمملكة نور الدين بنسودة : “أنا الفلوس ما بقاوش فيا هاذوك لبريم في وزارة المالية كاينين، ولكن أنت وقعتي لموظف يأخذ 8 مليون أنا قابل، لكن أنت عطيتي لموظف يوقعلك علاش، ياك تدير حاجة قانونية وقع لراسك وديرها ديال الرجال وكون راجل”.

أي سَفُهٍ وأي سفاهةٍ في العالم والتاريخ البشري، يا آالله، بعد أن حمل مزوار حقيبة الخارجية في حكومة بنكيران، وهو الذي قال فيه أمام أنصاره شهر نونبر من سنة 2011: إذا فزت بالانتخابات هنيئا لك من الآن ولكن لا تعول علي بأن أكون معك في الحكومة، متصلاحش لي منرضاش، ماشي في المستوى”.

ولنا أن نتساءل: هل يستحق الشعب المغربي البطل، بتاريخه المجيد ضد المستعمر الفرنسي وغيره، أن يحكمه أمثال هؤلاء السفهاء؟ وهل هؤلاء السفهاء قدر المغاربة، أم أن هناك من يسهر على صناعتهم وإيصالهم إلى مواقع المسؤولية؟

بقراءة سريعة لصفحات التاريخ المغربي، سيجد القارئ أعلاما قل نظيرهم في التاريخ البشري  وبالتالي فالرحم المغربي ليس عاقرا، كما أن هؤلاء السفهاء ليسوا قدرا على المغاربة، بل هناك من يسهرون على صناعتهم وإيصالهم إلى مواقع المسؤولية، كي ينتعش مناخ السيبة، وينجو من المحاكمات مُفقري الشعب وناهبي ثرواته طيلة عقود من الزمن…