"النخبة المثقفة لا تصوت في الإنتخابات"

بيد الله:رئيس مجلس المستشارين، في أحد حواراته مع جريدة وطنية.

مع اقتراب كل محطة انتخابية بالمغرب تتناسل الأسئلة حول ماهية الكتلة الناخبة ، المصوتة في الإنتخابات بمختلف أنواعها التي تشكل وقود الأحزاب السياسية، و دعامتها الشعبية للوصول الى مواقع القرار وتدبير السياسات المحلية والجهوية والوطنية.
من يصوت؟ سؤال جوهري حارق يؤطر المرحلة. من هي هذه الفئة ؟ ما مواصفاتها،مستواها المعرفي، أهدافها وطموحاتها؟؟؟
ثمة مؤشرات جمة تبرز ماهية هذه الفئة المصوتة من خلال الحملات الاشعاعية التي تخوضها الأحزاب في المناطق والأحزمة المهمشة..
 الخطابات والشعارات المرفوعة التي تجعل في عمقها الطبقات الشعبية مصدرا للتغيير و الإصلاح.
 التضامن السياسوي والإنتخابوي الذي تعبر عنه الأحزاب مع هذه الفئة عبر أعلامها وأذرعها السياسية والجمعوية والنقابية.
يتم توظيف الطبقة الكادحة من طرف الاحزاب، إذ تعتبر محاضن للأمية والجهل،وهي التي تتسم في نظر هؤلاء السياسيين باعتباره مقابر للضحايا ، والضياع والتشرد، وأوكار للدعارة والاستغلال،فضلا عن ارتماء شبابها وشاباتها في أحبال الرذيلة والجريمة والإرهاب.

من يصوت في الإنتخابات المغربية؟ طبقة فقيرة ، تنتشر مثل الفطريات في محيط أحزمة الفقر والتهميش،تتكاثر بدون قيد او شرط، تتخذ من تحسين وضعيتها هدفا تتغيا الوصول اليه بغض النظر عن سبله وأساليبه.

هذه هي الطبقة التي تتجه يوم الامتحان،يوم الحسم،يوم التصويت إلى مكاتب التصويت، تبيت ليلا تحت رحمة الأحلام ، رافعة سؤال: لمن نصوت،وماذا سيقع بعد التصويت؟.

يتم إيهامها بإمكانية إنقاذها مما هي عليه عبر خطابات وردية زائفة،وشعارات وهمية حالمة.
ويتم تعبئتها وتبنيجها بحقن التغيير والأمل والإغتناء والإستجابة لمطالبها بدءا بالجماعة المحلية وانتهاء بالوزارة..
من يتوجه إلى صناديق الاقتراع ليست هي الطبقات الغنية التي ترى في السياسة لعبة الكبار. فهي بالنسبة لهذه الطبقة مصعد وسلم للترقي الإجتماعي ولاستثمار المالي وبناء الشركات وإعداد المقاولات وصناعة العلاقات.. وممارسة أشكال التربح الذي يقود مباشرة إلى امتلاك السلطة واعتلاء عرش القرار.
وليس هي الطبقات المتوسطة التي تم اختبارها عمدا من قبل الكبار لإعدامها اجتماعيا واقتصاديا خوفا من فرص تجاوزها وصناعة خريطة خاصة بها.

وفي مقابل هذه الطبقات المتوسطة التي استفادت من امتيازات وترقيات على مستوى السلم الإجتماعي في الحوارات الاجتماعية بعد الإضرابات والاحتجاجات على مستوى الأجور، وهي التي تصنع الرأي العام باعتبارها طبقة وسطى ، تضطلع إلى خلق التوازن الإجتماعي، وهي الواعية المتعلمة المفكرة، والمستقرة اجتماعيا وماديا على خلاف الفئات المهمشة ، يستطيع المتابع أن يصنع القرار عبر علاقاتها ونفوذها الواسع ،و تخلق الحدث.
فهي طبقة لا تصوت بل ترى الأمر مجرد تبادل للأدوار في مسرحية مسجلة سلفا يسير فصولها غول شرس يلتهم الجميع متى شاء وأنى شاء.
من يصوت اليوم، هي هذه الفئة المهمشة التي يتم العزف على أوتارها الرنانة لكسبها واستقطابها بالشعارات والوعود العسلية .
طبقة النساء، التي تدبر عن الصندوق صباحا وتقبل عليه مساء، وبشكل مفاجئ، دون أن يتم معرفة ماذا وقع وكيف وقع، وما سر هذا التحول؟
ولتعرف حكاية هذا التحول، لا يسعك إلا أن تسأل إحدى النسوة من اللواتي يقمن بمهمة الشحن والتعبئة، من خلال الإغراءات الماد ية من قبيل "القرفية والزرقلاف" التي توزع في الحمامات والأفرنة والصالونات والأسواق والساحات العمومية والأعراس والمآتم ،بل حتى المساجد لم تسلم من هذا الأمر.
فالنساء اللواتي تستسلمن أمام هذه الإغراءات السمينة بالنسبة لهن، على هزالتها، تشكلن معادلة حاسمة ومصيرية في ربح أو خسارة مدمني الإنتخابات ومهندسيها.
وإذا كانت هذه الطبقة تحتل المساحة الكبرى في عرض الإنتخابات المغربية، فثمة طبقات اجتماعية مهمشة أخرى تتقاسم مع النساء هذه المساحة الملغومة، وهي طبقة كبيرة من غير المتعلمين والمتمدرسين من مختلف الحرف والمهن البسيطة والمؤثرة؛ من فئة الإسكافي والجزار والحارس الليلي، وحراس المرآب، وحارس السيارات، وبعض الباعة المتجولين،وعمال الموقف، وخدام الحمامات ، والبستاني، وأصحاب سيارة الأجرة...
دون أن يعني هذا أن هذه الفئات أمية سياسيا ، بل تتاثر أكثر بالخطابات الإنتخابية ووعودها العسلية وشعاراتها الأفلاطونية.
حاصل القول، من يقول إن متخصصي الإنتخابات الجماعية المغربية من فئة الأعيان والدهماء التي لاتعرف شروط العمل الإنتخابي بمختلف معطياته وتلويناته من عوامل القوة والضعف داخل العملية الإنتخابية، وما تفرزه من ربح أو خسارة فهو واهم غير عارف بمكنونات اللعبة الإنتخابية وصفقاتها التي ترفع أسهمها طبقات مهمشة معرفيا وتعليميا وماديا.. تنشد مستقبلا أفضل.