من يتأمل فحوى الرواية المروج لها في عدد من المواقع الإلكترونية حول انتحال أفتاتي لصفة "مهندس رادار" قصد عبور نقاط المراقبة والتفتيش الأمني أو العسكري، أو ادعائه أنه في مهمة خاصة بتكليف من رئيس الحكومة، لا يمكنه إلا أن يشك في مدى صحة هذه الادعاءات للاعتبارات الستة التالية:

أولا، تفيد المعطيات أن أفتاتي توغل في المنطقة التي وصفت بالمحظورة لمسافة تزيد عن عشر كيلومترات، فلماذا لا توجد إشارات، تفيد بحظر التواجد في هذه المنطقة؟ هل كان بإمكان أفتاتي أن يغامر ويقوم بالتغول في منطقة محظورة لو كان الأمر كذلك؟

ثانيا، هل يوجد أي قانون أو قرار يمنع ممثلي الأمة من التحرك داخل بعض المناطق المغربية، ويحدد لهم الأماكن التي يجوز زيارتها، وتلك التي لا يجوز زيارتها؟

ثالثا، لماذا لا توجد أدلة بالصوت والصورة توثق لانتحال أفتاتي صفة "مهندس رادار"، درء لأي لبس، و حجة على البرلماني أمام أي كذب أو مزايدة منه؟ هل تفتقر عناصر الجيش والدرك والأجهزة وهي على منطقة حدودية لأدوات توثق بالصوت والصورة لما يجري هناك في الوقت الذي يشاهد فيه المغاربة بشكل يومي كيف تراقب تحركات المعطلين ووقفات الحقوقيين وتوثق في شارع محمد الخامس قبالة البرلمان؟

رابعا، كيف تخفى صورة أفتاتي على رجال الجيش والدرك والقوات المساعدة وكل الأجهزة الأخرى، التي مر بحواجزها، علما أن الرجل مر على برنامج "مباشرة معكم" في القناة الثانية، وصوره تغطي، يوميا تقريبا، طيلة الولاية الحكومية الحالية، معظم المواقع الإلكترونية والجرائد الوطنية...؟

ألا يضع هذا الأمر رجال الدرك والجيش والقوات المساعدة وباقي الأجهزة في وضع حرج، بإظهارهم كما لو أنهم خارج التغطية لا يتصفحون المواقع والجرائد الوطنية ولا يتابعون التلفزيون الذي يظهر عليه أفتاتي تارة في برنامج وتارة في كلمة داخل البرمان؟

خامسا، كيف يمكن لبرلماني معروف لدى العامة والخاصة أن ينتحل صفة "مهندس رادار" دون أن يضرب أي حساب لموقعه السياسي والبرلماني والحزبي؟ كيف يمكن لرجل راكم تجربة نيابية مهمة أن يكون جاهلا بأمور القانون وهو البرلماني الذي يمارس وظيفة التشريع؟ كيف يمكن لبرلماني يتمتع بحصانة أن يختبئ وراء صفة "مهندس رادار"؟

سادسا، إذا كانت المنطقة محظورة لماذا سُمح لبرلماني من "البام" بزيارتها، بحسب ما صرح به أفتاتي نفسه لموقع "بديل"، حين ذكر أن المنطقة آهلة بالسكان، بل يوجد مخطط تهيئة لها؟

المُثير أكثر في القضية، أنه رغم ارتباط الموضوع بحياة أربع مؤسسات حساسة، وهي المؤسسة الملكية، التي يروج أن البرلماني تطاول على مجال محفوظ لها، ومؤسسة الحكومة التي يقودها الحزب الذي ينتمي إليه البرلماني أفتاتي، ومؤسسة الجيش التي يروج أن البرلماني أراد "مراقبتها"، ومؤسسة البرلمان، التي ينتمي إليها أفتاتي، فإنه لحد الساعة لم يصدر عن الديوان الملكي أي بيان يوضح فيه للرأي العام حقيقة ما راج حول غضبة الملك على البرلماني أفتاتي؟ كيف يعقل أن يصدر حزب بيانا ويشير فيه الى حساسية ماقام به افتاتي اتجاه الدولة بينما لا الحكومة ولا القصر ولا الجيش ولا الدرك أصدروا بيانات في الموضوع، أم أن "العدالة والتنمية" أصبح ناطقا رسميا باسم كل هذه الجهات؟

كيف للديوان الملكي أن يصدر بيانا، حول تكلف الملك بمصاريف دفن فنانين ورياضيين وضحايا حوادث السير، ويصدر بيانا بخصوص منع القناة الثانية من بث صور شخصية للملك، ويصدر بيانا حول نفي الملك إجراء اتصال هاتفي مع الرئيس النيجيري السابق، ولا يصدر بيانا حول قضية أثارت انزعاج السياسيين والحقوقيين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، وترتبط بوظيفة تهم صلاحيات ممثل للشعب داخل مؤسسة البرلمان الدستورية، على الأقل لتبيان خطورة ما قام به البرلماني لباقي زملائه، إن كان فعلا قد اقترف جرما أو تجاوزات ضد مؤسسة ما.

في غياب بيان رسمي صادر عن الديوان الملكي، يمكن لأي متتبع أن يشك في كل ما يروج حول وجود غضبة ملكية غير مسبوقة، خاصة وأن أفتاتي معروف بمواقفه القوية التي لا تروق لرئيس الحكومة، بعد مطالبته للأخير بتوضيح موقفه من فضيحة المطبعة، كما هو مستهدف من طرف منظمي "موازين" بعد أن اعتبر المهرجان في تصريح صحافي بمثابة "الذراع الفني" لما وصفها بـ"الدولة العميقة"، بدليل أن أول من روج لرواية الزيارة وهو موقع مقرب من منظمي هذا المهرجان، كما أن أفتاتي مستهدف أيضا من طرف جهة سياسية، ظل يصفها بحزب "البؤس" وبأنها أداة "الدولة العميقة"، دون أن ننسى أن أفتاتي وصف المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة بالصدر الأعظم وبأن الياس العماري "منديله"، والخوف كل الخوف أن يكون بنكيران وتلك الجهات وظفوا اسم الملك ومؤسسة الجيش، زورا وكذبا، لـ"تصفية" أفتاتي سياسيا وحزبيا، بغاية صرف أنظار الشعب والطبقة السياسية عن تصاعد الاحتجاجات ضد منظمي مهرجان موازين، بعد تزياد انتقادات قيادات من الحزب القائد للحكومة لـ"رعاية" الملك للمهرجان.

فمن يدري إلى أين يمكن أن تصير الأمور مع تزايد الاحتقان ضد المهرجان وسط الطبقة السياسية والشعب، إذا لم يجر وقف كل هذا بإلهاء الناس بقضية جديدة على الأقل لمحاصرة "نيران الانتقادات" للمهرجان وسط قادة الحزب قبل أن تنتقل لقادة معظم الأحزاب، وهو ما قد يعصف بكل شيء، لا قدر الله.