في هذا المقال المثير، يتحدث الكاتب والمحلل السياسي خالد أوباعمر، عن ما أسماه "تبخر" ملايين الدراهم من المال العام مع نهاية كل سنة.

ويتساءل أوباعمر، باستغراب، عن أسباب استمرار تبديد المال العام، في ظل حكومة بنكيران التي رفعت منذ اعتلائها، شعار محاربة الفساد، كما يكشف الكاتب، عن القطاعات التي تعرف نسبا مهمة من تبديد المال العام، والطرف التي يلجأ إليها المسؤولون لهذا الغرض.

وهذا نص المقال كاملا:

في شهر دجنبر من كل سنة تتبخر ملايين الدراهم من المال العام بعدة قطاعات حكومية في رمشة عين وكأن هذه البلاد خالية من وجود آليات مراقبة صرف هذا المال، سواء تعلق الأمر بالآليات الرسمية للدولة، أو بالآليات المدنية والشعبية، وهذا ما يدفعني شخصيا إلى التساؤل: عن دور كل هذه الآليات في وقف نزيف تبديد المال العام من قبل الآمرين بالصرف الذين أصبحوا على مستوى عدد من القطاعات يتصرفون في المال العام كما لو أنه مال سائب لا يخضع لرقابة أي جهاز؟.

أين هو السيد المسكاوي رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام في المغرب؟ أين هو الأستاذ طارق السباعي رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام؟ أين هي رقابة المفتشية العامة لوزارة المالية التي تتمتع بصلاحيات واسعة في مجال مراقبة تدبير المالية العمومية؟ أين نحن من رقابة المجلس الأعلى للحسابات كمؤسسة دستورية بوأها دستور فاتح يوليوز 2011 مكانة مهمة جدا بحكم الأدوار التي يمكن لهذا المجلس أن يقوم بها في مجال حماية المال العام؟ أين هي رقابة البرلمان بغرفتيه؟ لماذا تحولت النقابات إلى حليف استراتيجي يشرعن عبث الآمرين بالصرف بالمال العام؟ أين هي المفتشيات العامة للوزارات التي تحولت إلى جزء من المشكلة بدل أن تكون جزءا من الحل بسبب جشع مسؤوليها وتبعيتها للوزراء الذين يفوضون صفة الآمرين بالصرف للمدراء المركزين؟

استمرار مظاهر تبديد المال العام في ظل حكومة يقودها حزب سياسي يرفع شعار "محاربة الفساد والاستبداد"، أمر مؤلم جدا، لا سيما، وأن هذه الحكومة بقيادة هذا الحزب اتخذت قرارات مؤلمة ولا زالت تفكر في اتخاذ قرارات أخرى أكثر إيلاما تحت مبرر أن المصلحة العليا للوطن تقتضي ذلك !!!

ما الذي يعنيه استمرار أسلوب "وزيعة" ما يتبقى من ميزانية التسيير في عدد من القطاعات الحكومية عند متم كل سنة مالية؟ ولماذا تتكرر هذه الجريمة سنويا وبعبث أكبر في ظل لا مبالاة الآليات الرقابية المعنية بحماية المال العام؟ أين هي الرقابة البعدية لصرف الأموال العمومية؟

الخطير في الأمر، أن عدد من القطاعات التي يتم فيها تبديد المال العام بطرق احتيالية، استفادت في القانون المالي لسنة 2016 من اعتمادات مالية إضافية في الميزانية المخصصة للأعوان والموظفين وكذا في الميزانية المخصصة للمعدات والنفقات المختلفة بملايين الدراهم، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن هذه الحكومة، تقول للآمرين بالصرف في تلك القطاعات هنيئا لكم بتبديدكم للمال العام الذي كان يتوجب عليهم لزاما إعادته إلى الخزينة العامة للملكة !!!!

الحكومة بهذه الزيادة في الاعتمادات المالية المخصصة لهم بموجب قانون المالية تقول لهم إذا افترستم هذه السنة 300 مليون سنتيم أو 400 مليون سنتيم، فيمكن لكم في السنة المقبلة، افتراس 500 مليون أو 600 مليون، وهنا يحق لنا أن نتساءل: أي مصلحة للدولة بمفهومها العميق وللحكومة التي تظل لها مسؤولية كبرى في حماية المال العام من الهذر في التغاضي على هذه الفضيحة التي تتكرر سنويا؟ لماذا لا يتم إجبار الآمرين بالصرف بإرجاع الأموال المتبقية من ميزانية التسيير التي يتم افتراسها بطرق تدليسية إلى الخزينة العامة للملكة مادام أنها أموال عامة؟ إلى متى سيستمر التطبيع مع هذه الجريمة؟
من المفارقات الغريبة على سبيل المثال لا الحصر، أنه في الوقت الذي ترغب فيه الحكومة في نزع نصف المنحة من الأساتذة المتدربين بعدد من مراكز التربية والتكوين وتقوم بتعنيفهم عندما يحتجون على مراسيمها، هاهي الحكومة تترك الفرصة للآمرين بالصرف في عدد من القطاعات الحكومية لكي يعبثوا في المال العام للشعب المغربي بعيدا عن أي مراقبة بعدية، كما لو أنه مال سائب؟

الطرق الاحتيالية التي يتم بواسطتها استنزاف الأموال المتبقية من ميزانية التسيير عند متم كل سنة مالية من طرف الآمرين بالصرف في عدد من القطاعات الحكومية يتم اللجوء إليها لتفادي خفض ميزانية هذه القطاعات في القوانين المالية المقبلة في حالة إرجاعهم لتلك الأموال إلى الخزينة العامة للملكة، وهذا مظهر من مظاهر العبث في تدبير المالية العمومية للدولة من قبل الآمرين بالصرف والموظفين الخاضعين لهم والذين يأتمرون بأوامرهم !!

المنطق يقتضي إعادة الأموال المتبقية من ميزانية التسيير إلى الخزينة العامة للملكة بدل تبديدها لأن ميزانية 300 مليون أو 400 مليون أو 500 مليون التي تتبقى من ميزانية التسيير في عدد من القطاعات يحتاج إليها ألاف التلاميذ لا يتوفرون على حجرات دراسية، وآلاف النساء لا يجدن سيارات إسعاف تنقلهن إلى المستشفيات للوضع في ظروف إنسانية، وآلاف الأطفال الذين يتسكعون في الشوارع ولا يجدون مآوي ودور يحتمون فيها من التشرد والاغتصاب، وآلاف العجزة الذين لا يجدون بنيات استقبال اجتماعية تحضنهم .

في المغرب هناك ما يكفي من مظاهر الفقر والهشاشة والبؤس الاجتماعي، والتي يمكن لملايين الدراهم من المال العام التي يتم توزيعها على عدد كبير من المسؤولين والموظفين الأعوان في عدد من القطاعات عند متم كل سنة مالية، الاستفادة منها في التقليص أو الحد من تلك المظاهر.

في الوقت الذي توزع فيه الأموال المتبقية من ميزانية التسسير في عدد من القطاعات الحكومية على المنعم عليهم من المسؤولين والموظفين بطرق غير مسؤولة، هناك مواطنون ينتمون إلى المغرب العميق من جغرافية هذا الوطن يموتون بالجوع ولا يجدون ما يأكلونه، ومنهم من يموت من شدة البرد في الأطلسين الكبير والمتوسط بسبب عدم توفرهم على الحد الأدنى من ضرورات العيش الكريم، وهناك من لم يجد حتى حداء يضعه في رجله !!!

ما يقع في عدد من الوزارات من هدر وتبديد للمال العام بطرق مشوهة يطرح إشكالية الحكامة في تدبير المالية العمومية للدولة. كما يطرح السؤال عن مدى نجاعة آليات مراقبة المال العام في المغرب، سواء تعلق الأمر بالمفتشية العامة لوزارة المالية أو المجلس الأعلى للحسابات أو البرلمان؟

أما المفتشيات العامة في عدد من القطاعات الوزارية فرغم أن مرسوم 2011 عزز أدوارها، فإن الواقع يثبت أنها جزء من الأزمة وهو ما يستدعي ضرورة فصلها عن سلطة الوزراء ما دام أنها تشتغل تحت إمرتهم وإشرافهم، لأن الرهان على هذه المفتشيات في مراقبة تدبير المالية العمومية رهان في غير محله، لاسيما، وأن الوقائع المادية الملموسة تثبت أن مناعتها هشة في مقاومة الإغراء !!!