لم تُخيّب الحكومة توقعات الفاعلين الديمقراطيين في بلادنا، فقد فاجأت الحقوقيين بمسودة مشروع قانون جنائي يرسخ السلطوية والتحكم ويمهد لمحاكم التفتيش، ووضعت مشروعا لقانون هيئة المناصفة جاء خاليا من الصلاحيات التي تمكن من المحاربة الفعلية للتمييز ضدّ النساء، كما وضعت مشروع قانون خاص بالعنف ضد النساء يتحذلق في العبارات لتجنب تجريم هذا الفعل الشنيع والمعاقبة عليه، مما لن يكون له أي تأثير يذكر على هذه الظاهرة الخطيرة. وتقدمت الحكومة كذلك بمشروع القانون المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة والذي تمت المصادقة عليه من طرف المجلس الحكومي يوم الخميس 18/02/2016 ، والذي تجاهل بوضوح الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، مقررا في شأنها ما كان ينبغي إقراره منذ سنة 1965. ثم جاء الدور على الصحفيين والإعلاميين لتبشرهم الحكومة بمشروع قانون الصحافة والنشر الذي يعرضهم للسجن بطرق تحيلهم على القانون الجنائي بشكل صريح.

كما أصدرت الحكومة قوانين ومراسيم وأعدّت مشاريع أخرى تجهض الحقوق المكتسبة لفئات واسعة من الشعب المغربي، ومنهم العمال والأطباء والقضاة والأساتذة المتدربون وكثيرون غيرهم، مما خلق توترات كبيرة في الشارع المغربي طوال الشهور المنصرمة.

بناء على هذه المعطيات، يصعب كثيرا أن ينتظر الفاعلون الأمازيغيون خيرا من الحكومة فيما يخص القانون التنظيمي الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، خاصة بعد المؤشرات الأخيرة السلبية التي تدلّ بشكل قاطع على ارتباك سياسة الدولة وعدم وضوحها فيما يخص تدبير التعددية اللغوية والثقافية، رغم الشعارات المرفوعة، ومن هذه المؤشرات:

ـ تأخير إصدار القانون المذكور إلى الدقيقة 90 من ولاية الحكومة، ووضع جميع القوانين قبل ذلك بشكل أصبح يطرح سؤالا جوهريا حول جدوى إصداره بعد وضع ترسانة قانونية بكاملها لا تعترف باللغة الأمازيغية الرسمية .

ـ قيام وزير التربية الوطنية بوضع برنامج يمتدّ إلى حدود سنة 2030 ينصّ على إتقان اللغة العربية والانفتاح على اللغات الأجنبية الفرنسية والانجليزية ، مع السكوت التام عن اللغة الأمازيغية، بينما هي لغة تمّ إدراجها في التعليم منذ 2003، كما صارت لغة رسمية للدولة منذ 2011.

وبجانب ذلك سجلنا قيام الوزير بقرارات انفرادية فيما يخص لغة تدريس العلوم التي أصبحت هي الفرنسية، وكذا تدريس اللغة الإنجليزية منذ الابتدائي.

ـ من هذه المؤشرات كذلك قيام المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (الذي لا يضمّ أي ممثل عن المجتمع المدني الأمازيغي، بينما يضم العشرات من أعضاء جمعيات التيارين الإسلامي والقومي العربي) قيامه بوضع رؤية استراتيجية تقرر في وضعية اللغات في التعليم في غياب المجلس الوطني للغات والقانون التنظيمي للغة الأمازيغية، هذا الأخير الذي يقول عنه الدستور إنه هو الذي سيحدّد كيفية إدراج اللغة الأمازيغية الرسمية في مجال التعليم.

ـ بعد هذا جاء إعلان رئيس الحكومة عن تخصيص بريد إلكتروني لاستقبال مقترحات الأطراف المختلفة فيما يخصّ القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، وتم هذا بدون الإعلان عن تشكيل لجنة وطنية ذات مصداقية ومكونة من جميع الأطراف لصياغة مشروع القانون المذكور الذي ليس قانونا عاديا ، وهي المنهجية التي اتبعت في وضع القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات، ما يعني أن رئيس الحكومة قد عهد بذلك لبعض مستشاريه والمقربين إليه في الكواليس، وهكذا قد نجد أنفسنا أمام مفارقة عجيبة مفادها أن الذين اعترضوا على ترسيم اللغة الأمازيغية هم الذين أسندت إليهم مهمة تفعيل طابعها الرسمي، وسيكون ذلك بلا شك من مهازل الحكومة الحالية التي ستختم بها ولايتها.

وفيما يخصّ هذه النقطة الأخيرة بالذات، فسوف لن يجد القارئ صعوبة في إدراك التحول الحاصل في سلوك الدولة والمسؤولين بهذا الصدد، حيث بعد أن سمعنا رئيس الحكومة يعلن لأكثر من مرة بأن موضوع القانون التنظيمي للأمازيغية "أكبر منه" وأنه "بين يدي صاحب الجلالة"، أصبح بين عشية وضحاها يتصرف فيه على انفراد، بدون مقاربة تشاركية، وببريد إلكتروني، وكأنه قانون أقل من عادي.

ـ خلال هذه الفترة كلها عملت وزارة التربية الوطنية على إعداد دراسة تقييمية حول تدريس اللغة الأمازيغية تتضمّن توصيات أقل ما يقال عنها أنها في غاية الغرابة، ومنها ضرورة تقليص عدد ساعات تدريس اللغة الأمازيغية من ثلاث ساعات إلى ساعتين فقط (كذا !) والذي سيكون خرقا سافرا للمعايير الدولية لتدريس اللغات الرسمية.

ـ وقد رافق هذه المغرّبات كلها غموض في المواقف والآراء الحزبية، وخاصة منها الأحزاب الحليفة تاريخيا للحركة الأمازيغية، والمشاركة في الحكومة، والتي لم تبذل جهودا تذكر لجعل الحكومة تحترم التزاماتها التي جعلت من القانون التنظيمي للأمازيغية إحدى أولوياتها في البرنامج التشريعي. وقد فهم الكثيرون هذا السكوت عن الموضوع ـ أو التهرب منه ـ بأنه "ملف سيادي" يتولاه الفاعل الملكي، أي أنّ له فيه دور الحفاظ على توازنات تقي من الفتنة والنزاع، بسبب تخلف التيارات المحافظة والقومية عن اللحاق بركب الدمقرطة الثقافية واللغوية، تماما كما يحدث في ملف المرأة المغربية، غير أن ما أعدّه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والذي ليس تابعا للحكومة، يشير بوضوح إلى أن التيارين المذكورين المتخلفين عن الركب، هما اللذان توليا تحت إمرة السيد عزيمان تحديد مكانة الأمازيغية في التعليم، في غياب الطرف المدني الأمازيغي الذي ليس ممثلا في المجلس المذكور، تماما كما حدث في وضع الميثاق الوطني للتربية والتكوين، حيث ساهم فيه اليسار واليمين والنقابات والإسلاميون في غياب ممثلين عن الجمعيات الأمازيغية، والنتيجة هي المهزلة التي يعرفها الجميع والتي تداركها الملك محمد السادس سنة 2001 ، لكن دون إدخال أي تعديل على نص الميثاق، مما جعل الأمازيغية تتوزع بين مرجعيتين على مدى 12 سنة، مرجعية الميثاق التي تقول بـ"الاستئناس باللهجات الأمازيغية في بعض المناطق من أجل تسهيل تعلم اللغة العربية"، ومرجعية الخطب والقرارات الملكية التي تقول إن "الأمازيغية مسؤولية وطنية لجميع المغاربة" يتعين "النهوض بها" في كل المجالات.

ماذا يعني تدخل أكثر من طرف في السياسة اللغوية بقرارات متناقضة ؟ هل تستخف الدولة بمطالب المجتمع ؟ وهل تعتبر أن العبث في أمور تقتضي الوضوح والحزم وتفعيل الدستور هو من الحكمة في الوضع الراهن ؟

إن الغريب وغير المفهوم في سلوك الدولة هو ما يلي: أنها انتقلت بالأمازيغية من لغة شفوية مهمشة وغير معتبرة رسميا إلى عمق النظام التربوي بوصفها لغة إلزامية تدرس كغيرها من اللغات، ووُضع لها منهاجٌ ينصّ على ضرورة تعميميها أفقيا على كل التراب الوطني وعموديا على كل أسلاك التعليم، وبعد أن حققت تراكمات هامة في مسلسل المأسسة ووصلت إلى قمة الاعتراف القانوني الذي هو الترسيم في الدستور، تتم اليوم محاولة العودة بها إلى وضعيتها السابقة، وهو ما يشير إلى غاية الارتباك والتردّد والغموض في سلوك الدولة وأسلوب تدبيرها لموضوع التنوع اللغوي والثقافي، بعد أن كدنا نصبح نموذجا يُقتدى في المنطقة، وهذا سيعرقل بالتأكيد دور الأمازيغية في التنمية وإنجاح الانتقال السلمي نحو الديمقراطية، كما من شأنه أن يثير الكثير من الصراعات في المجتمع، ويرجعنا إلى مرحلة النزاع والتصادم الهوياتي التي عرفناها فيما قبل المصالحة الوطنية.