خالد أوباعمر ـ  في ظل الاتهامات التي وجهت لبرلمانيين جزائريين بالعمالة لصالح المخابرات المغربية، وعجلت بإجراء تحريات وأبحاث أمنية أفضت إلى وضع مجموعة من الأشخاص تحت الحراسة النظرية، كما نشرت ذلك بعض المواقع الإلكترونية المغربية نقلا عن جريدة المساء المغربية... لم يعد من خيار أمام جنرالات الجزائر إلا اقتحام البرلمان الجزائري بشكل علني للمناداة على أسماء الخونة والعملاء الذين يشتغلون لحساب أجهزة مخابراتنا المغربية، وإخراجهم واحدا تلوى الآخر من القاعة لتنفيذ عقوبة الإعدام في حقهم، على غرار ما قام به الرئيس العراقي، صدام احسين في وقت سابق.

إبان حكم صدام حسين في العراق، ترأس "أبوعدي" اجتماعا للّجنة المركزية لحزب البعث العراقي.. وفي خطوة أدهشت الجميع شرع صدام حسين في المناداة على مجموعة من الأعضاء في الحزب، كل واحد بإسمه، اتهمتهم أجهزة مخابراته بالعمالة لمصلحة النظام البعثي في سوريا بقيادة الرئيس، حافظ الأسد، طالبا منهم الخروج من القاعة على إيقاع أصوات تهتف باسم "أبوعدي" في جو كئيب خيم عليه الحزن والبكاء، لتنفيذ حكم الإعدام فيهم.

توجيه الاتهام للبرلمانيين الجزائريين بالتجسس لفائدة المغرب، يدفعني إلى الاعتقاد، بأن جنرالات النظام الشمولي في الجزائر، بدؤوا يخططون لإعدام الأصوات المعارضة لسياساتهم في العلاقة مع دول الجوار" المغرب، تونس، ليبيا" أو لإخراسها سياسيا، كحد أدنى، للتحكم في مؤسسات الدولة دون أي معارضة لحكمهم، الذي اغتصب السلطة وسرق ثورة المليون شهيد المجيدة.

ماذا يوجد في البرلمان الجزائري حتى تتجسس عليه أجهزة المخابرات المغربية؟ هل يصنع القرار السياسي في الجزائر داخل البرلمان؟ أم في دهاليز الثكنات العسكرية وغرف قصر المرادية المظلمة؟

توجيه الاتهام للبرلمانيين الجزائريين بالتجسس لفائدة المخابرات المغربية، حمق، يذكرنا بالجريمة النكراء التي ارتكبها الرئيس العراقي السابق، صدام احسين، في حق أعضاء اللجنة المركزية لحزب البعث، بعد اتهامهم بالعمالة لصالح المخابرات السورية بناء على تقارير مخابراته المخدومة لتصفية الوجوه البعثية البارزة التي كان يرى فيها صدام خطرا على نظام حكمه.

ما يجري اليوم في الجزائر من قمع للحريات في الداخل، ومن تسميم للعلاقات مع المغرب، ومن تدخل في الشؤون الداخلية لعدد من دول الجوار، كما هو الشأن في ليبيا التي تلعب فيها المخابرات الجزائرية "غربا وشرقا" بتنسيق مع مخابرات دول إقليمية أخرى لتقويض أسس المصالحة الوطنية وضرب الاستقرار فيها، أو في تونس، التي وجهت فيها للجزائر أصابع الاتهام بالضلوع في جريمة اغتيال المناضل اليساري التونسي "شكري بلعيد" من طرف عميد هيئة دفاعه الذي توفي في ظروف غامضة بعد هذا الاتهام بأشهر فقط.

هذه المعطيات تفيد أن جنرالات الجزائر يلعبون على كل الحبال لإحكام قبضتهم على البلاد وتسييد حكمهم الاستبدادي في ظل وضع صحي متدهور للرئيس بوتفليقة الذي يوجد فوق كرسي متحرك بين الحياة والموت..

تحرش جنرالات الجزائر بدول الجوار أصبح خيارا استراتيجيا بالنسبة إليهم لإحكام قبضتهم الحديدية على الداخل الجزائري. هذه التحرشات لن تنطلي على العقلاء الجزائريين الذين يدركون ألاعيب ومخططات الجيش الذي يفتعل الأزمات ويفتح الجبهات الخارجية للالتفاف على مطالب الشعب الجزائري في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

طيلة أسابيع والإعلام الجزائري يتحرش بالمغرب، وقد وصل هذا التحرش أوجه قبل يومين فقط بعد أن تعمدت وسائل إعلام جزائرية، ولاسيما، قناة النهار التي تقف ورائها أجهزة المخابرات الجزائرية، الإساءة إلى علاقات الجوار المغربي بشكل مفضوح عندما استغلت مناسبة زفاف شقيق الملك لنفث سمومها ضد المغرب ومؤسساته، بخطاب إعلامي تحريضي، وكأن الشعب المغربي شعب جبان ولا يفهم في خلفيات هذا التظليل.

الحقوقيون والسياسيون في المغرب يستوعبون جيدا وضع البلاد الحقوقي والسياسي، ويفهمون أكثر من جنرالات العسكر، طبيعة نظامهم السياسي، وطبيعة أعطابه الحقوقية والاقتصادية والأمنية والسياسية والدستورية ...

عندما خرج آلاف المغاربة سنة 2011 في مسيرات احتجاجية جابت شوارع أكثر من 52 عمالة وإقليم رافعين شعار مركزي يقول " الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد" كانوا مدركين لحمولة هذا الشعار، ولم ينتظروا إبانها، من جنرالات الجزائر، ولا من إعلامهم البئيس، أن يحددوا لهم سقف مطالبهم العادلة والمشروعة، التي رفعوها بصوت عال لا يمكن للأسف الشديد رفعه في الجزائر ضد نظام أصبحت رائحة فساده تزكم الأنوف.

من باب المقارنة الموضوعية، الفساد السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني والمخابراتي الذي ينخر الدولة الجزائرية، أكثر بكثير من الفساد الذي ينخر المغرب، لأن ثروات الجزائر ومقدراتها من النفط والغاز، لا يمكن مقارنتها على الإطلاق، بمقدرات المغرب وعائداته من الفوسفاط أو تجارة المخدرات حسب زعم الجزائريين..

الإعلام في الجزائر والمغرب يلعب دورا كبيرا في تأجيج وتسميم العلاقة الأخوية بين الشعبين المغربي والجزائري...حيث أنه في الوقت الذي ينبغي فيه على وسائل الإعلام أن تعلب دورا ايجابيا في تلطيف الأجواء السياسية والدبلوماسية، تتحول إلى وسيلة لتأجيج العداء والفتنة بين شعبين شقيقين، دون مراعاة، المشترك الجغرافي والتاريخي والحضاري والإنساني والقيمي الذي يربط بين المغرب والجزائر .

عندما يتحدث الإعلام الجزائري عن محنة حقوق الإنسان في المغرب، وعن عائدات تجارة المخدرات، وعن احتكار السلطة والثروة في المغرب....
هل يستطيع هذا الإعلام أن يتساءل عن الأوضاع في الجزائر؟ من يحتكر السلطة فيها؟ أين تذهب عائدات النفط والغاز؟ من يستفيد منها؟ هل يتم استثمارها في الاقتصاد الوطني؟

كم هي ميزانية التسلح؟ كم هي ثروة جنرالات الجزائر الأحياء منهم والأموات في الداخل والخارج؟ كم يمتلك الرئيس عبد العزيز؟ أي نفوذ لمحيطه العائلي والسياسي؟ كيف هي وضعية حقوق الإنسان في الجزائر؟ كيف يتم التعامل مع العنف الذي يتفجر في القبائل الأمازيغية؟ من يؤججه ولماذا؟ كم تنفق الجزائر عن جبهة البوليساريو ولماذا؟ لماذا أجهضت الانتخابات في الجزائر في سنة 1990؟ وماهي حصيلة العنف الذي نتج عن هذه العملية؟

هناك أعطاب كثيرة في المغرب، لا ينكر وجودها حتى الملك بنفسه، تشمل الحقوقي والسياسي والأمني والاقتصادي والصحفي ... لكن في مقابل ذلك هناك هامش للاحتجاج يسمح بفضح كل هذه الأعطاب، وهناك إمكانية لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان من طرف منظمات حقوقية دولية مختصة، بخلاف الوضع في الجزائر، التي لا تتوفر على جمعيات حقوقية من طينة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ولا تسمح للمنظمات الدولية كــــ"هيومن رايتس ووتش وأمنيستي" بالدخول إلى أراضيها لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان، حتى لا يتم فضح انتهاكاتها لحقوق الإنسان الجزائري، التي ترتكبها بعيدا عن أعين الرقيب.

لست ممن يصبون الزيت على نار العلاقات المغربية الجزائرية غير أنه عندما استحضر مناوشات وتحرشات الجزائر بالمغرب وعندما ألمس تحريضا قويا على الشعب المغربي في قنوات جزائرية يتم تحريكها من وراء الستار، في الوقت الذي يناشد فيه الكتاب والمثقفين المغاربة، زملائهم الجزائريين، من أجل التحرك لوقف النزيف ولتجنيب الشعبين المغربي والجزائري نار الفتنة..يصبح لدي ما يشبه اليقين بأن جنرالات الجزائر اتخذوا قرارهم بقطع شعرة معاوية مع المغرب والمستقبل لوحده هو الكفيل بكشف من هي الجهة التي توعز لجنرالات الجزائر بالتمادي في الإساءة للمشترك المغربي الجزائري.