أحمد بوعشرين الأنصاري

كثيرا ما يتم النظر إلى الموازنات بين المصالح بعضها البعض أو المفاسد بعضها البعض أو المصالح والمفاسد على أساس واقع الحال دون النظر إلى مآلات هذه الموازنات مستقبلا، مناسبة هذا الكلام هو ما تفضي إليه "اجتهادات" بعض الإسلاميين في مجال السياسة الشرعية وتدبير الشأن العام حيث يظل الوضع العام في غالب الأحيان مستقرا في بنيته على ما كان عليه دون إحداث تحول نوعي فيها بالرغم من اعتمال هذه البنية تغيرات فرعية لا تمس أساساتها.

إن الصورة هي كمثل ذلك الماء الراكد الذي تعتمل داخله حركات دائبة لكائناته الحية لكن يظل راكدا في مجمله بحسب النظر الخارجي له،
بينما يعلمنا فقيهنا الشاطبي رحمه الله إلى أن عنصرا اعتبار الحال كما اعتبار المآل أساسان لموازانات راشدة في تقويم شر المفاسد وأعظم المصالح،
ذلك أن النظر إلى الحال دون المآل يؤدي بالنتيجة إلى استدعاء مفهوم معين للاضطرار وللضرورة يؤدي إلى تأبيد البقاء على واقع الحال دون إحداث تغييرات نوعية في بنيته نحو المنشود رجحانا لمصالح أعظم على مفاسد عظيمة،
إن النظر إلى المآل باستحضار واقع الحال يفضي بالتبع إلى الالتزام بتوجيهين ضامنين لموازنات راشدة:
وأما الأول فهو الحرص على دفع ما تبقى من مفاسد الحال،
وأما التوجيه الثاني فهو العمل على استكمال ما تبقى من تثبيت مصالح شرعية معتبرة غائبة للإنسان وللمجتمع وللهوية وللتاريخ وللكرامة وللحرية وللتعاقد وللنهضة وللتنمية ولتبوئ البلد مكانة معتبرة في ساحة التقرير عالميا...
كتب أحد الأصدقاء وهو يمارس تمرينا فقهيا في إعمال الموازنات على واقع الحال ما يلي: "تمثيل رئيس الحكومة للملك في شرم الشيخ هل له من مسوغ مقاصدي ؟ الظاهر يقتضي قطع العلاقة مع السيسي ومقاطعة كل ما يقوم به من أعمال وما يدعو له من مؤتمرات؛ لانقلابه العسكري على الشرعية واقترفه ما يشيب له الولدان من جرائم وانتهاكات جسيمة في حق الشعب المصري والأمة. فهذا هو الأصل الذي ينبغي أن يلتزم به كل حر أبي في تعامله مع أنظمة الفساد والاستبداد، لكن منطق الموازنة والترجيح بين المصالح والمفاسد، وإعمال قاعدة النظر إلى المآلات مع انعدام شرط التمكن وقلة المناصر وتكالب الخصوم في الداخل والخارج يقتضى التعامل في مثل هذه النازلة بقاعدة تقديم حفظ ما تيسر إنجازه من المصالح ودرء ما أمكن من مفاسد قطع الطريق على المصلحين وإقصائهم من مواقع تدبير الشأن العام بالمرة والاجهاز عليهم وعلى كل ما راكموه من مكتسبات إصلاحية. وهذا موطن قد ضلت فيه أفهام وزلت فيه أقدام وهو من أدق أبواب فقه السياسة الشرعية لمن تأمله."
إن هذا القول بناء على ما قدمنا به هذا المقال يعتبر ذرائعية وليست موازنات لأنها تستدعي الموازنات بمنطق ليس في الإمكان أفضل مما هو كائن وليس بمنطق التجاوز،
إن الإكراه الذي هو موجب للاضطرار هو الذي حين تنسد في حالته كل الآفاق ولا يجد المرء أي اختيار حر يحفظ الضرورات الشرعية المعتبرة أما وان المرء اختار الضيق وسار في دربه ضيقا بعد ضيق وفي كل ضيق يوازن من أجل ضيق أضيق منه فهنا تصبح الموازنات التي يقوم بها ذرائعية تبرر له ضيق خياراته...
إن اجتهاد الوسع يحرر، أما اجتهاد الضيق يستعبد ويأسر صاحبه في ضيق الخيارات...