يوسف الإدريسي

لم يجد عامل إقليم اليوسفية سوى عبرات ساخنة أذرفتها عيناه أمام من استُدعوا لحضور حفل تنصيب باشا المدينة والكاتب العام للعمالة، في لحظة وصفها ب "ساعة فقدان العشير" ، مؤكدا على طفو جانب إنسانيته على صرامة يقتضيها ثقل المسؤولية.

وهنا أقف على مسافة واحدة ممّن اعتبر هذه الدموع اعترافا بجميل الراحليْن في اضطلاعهما بدور مميّز في المراقبة والحفاظ على منسوب مياه حركتي المد والجزر التي شهدتها المدينة...ومن اعتبرها حالة شعورية في لحظة حرجة تنم عن عجز وفشل في مواجهة التحديات التنموية التي حالت دون الاستجابة لتطلعات وانتظارات اليوسفيين...لأخلص إلى أن بكاء المسؤولين في عمقه التدبيري هو ظاهرة صحية إذا ما أردفها فعل وإجراء بحجم وحرارة الدموع، ليكون للبكاء معنى وللإصلاح مبنى، حتى يتسنى لنا النأي عن بكاء الضعف والوصول إلى نشوة الفرح.

لقد بكيت سيدي العامل في وقت لم تجف فيه دموعنا، لا نريد أن تتحول مدينتنا إلى بحر من الدموع حتى لا نغرق جميعا في مياه مالحة تسلب ريق من يردها بشراهة، لا نريد لحاضر مدينة لم تبرح مكانها وتنتظر الفرج الذي قد يطول، أن تجرفه سيول دموع أعيننا، لا نريد لمستقبلنا أن تحرقه عبراتنا الساخنة مانعة إياه من المضي قدما نحو خريطة مدن المغرب النافع.

من حقك سيدي أن تبكي، ومن حقنا أيضا أن نتباكى، على الأقل كي لا تُشمّع أعيننا ولا تُحجّر قلوبنا مع توالي السنوات وطول ترقباتنا لما سيؤول إليه الوضع العام المحلي، وبعد إحداث عمالة بالمدينة وبعد تحالف تاريخي لأربعة أحزاب شكلت الأغلبية لتسيير الشأن المحلي عبر مؤسسة المجلس الحضري. من حقنا أن تكون لنا بارقة أمل ولمحة تهفو نحو المستقبل...من حقنا أن نعمّم التفاؤل في أن يسترجع المواطن اليوسفي كرامته التي افتقدها نتيجة استهتار مقيت تجدّد بتوالي الولايات الانتخابية... من حقنا الحلم واستشراف مستقبل تتحول فيه المدينة إلى ورشة عمل في البناء الاقتصادي والاجتماعي والبنيوي باعتبار مكانتها الإنتاجية، وأن تسابق حركة الزمن في تحقيق النماء والرّقي.

غير أننا لا نريدها دموعا حارقة تخنق أنفاسا طواقة إلى الحياة، لا نريدها تمويها لتمديد صمتنا الرهيب الذي يجسد نوعا نادرا من التأقلم والرزوح تحت وطأة التهميش والإذلال، في ظل ما تم الترويج له على قدم وساق من أن المدينة ستعرف طفرة تنموية بمجرّد هذا التحول الطارئ. لا نريد أن يُفهم من قوتنا الاقتراحية التمرّد والتحدي. بل نبتغي من ذلك إنتاج أفكار تقييمية تساهم بأسلوب نقدي بنّاء في إرجاع قطار التنمية إلى طريقه الصحيح. فحينما تتوفر الإرادة المجتمعية بترابط الأجزاء وتنجمع القوة التغييرية بتوحد الفضلاء وتتم الصياغة بشكل مشترك، وقتئذ نكون كمن يصنع غزلا لينسج منه ثوبا على المقاس الاجتماعي والاقتصادي للمدينة، ويدفع عنه حرّ التهميش وبرد الاستهتار...أو كمن يصنع عقدا بديعا بشكل جميل يثير انتظار المنتظرين.