حميد المهدوي

 تخيلوا أيها المغاربة، في العاصمة الإقتصادية للبلد، على بعد كيلومترات قليلة من العاصمة الرباط، مواطنة بقيت تحت الأنقاض ثلاثة أيام، تتوسل وتستغيث قطرة ماء ولا مجيب، ثم تساءلوا: كيف سيكون حال مواطنين ألمت بهم، لا قدر الله، فاجعة مماثلة، في إحدى قرى المغرب العميق؟

نعم، تخيلوا من فضلكم، الكلاب التي استعِين بها للكشف عن جثث الضحايا في الفاجعة، تركت هدفها وتوجهت لثلاجة تبحث عما تأكله، بالنظر للجوع الذي يقطع احشائها، بحسب ما ذكره لموقع "بديل" شهود عيان.

تعمقوا في الصورة أكثر أيها المغاربة، الممثلة امال معروف تحت الأنقاض تتواصل ثلاثة أيام عبر هاتفها مع العالم الخارجي، ولا تجد من ينقدها،  لكن حينما سُرق هاتف قاضي "الإرهاب" عبد القادر الشنتوف بفاس، أحضر الحائز على الهاتف بعد ساعات قليلة، مستغلة الشرطة  تقنية "الجيبيس"، وتأملوا في الفاجعة أكثر، رجاء، لتستنتجوا: 24 شهيدا وعشرات الجرحى، ولم تعلن الدولة لحد الساعة حدادا!

من المسؤول عن هذه الفاجعة؟

جهة تحمل المسؤولية للمواطن الذي يقدم الرشوة، وجهة سياسية تريد أن تحصر النقاش عند قيادية حزب "الاستقلال" ياسمينة بادو باعتبارها رئيسة مقاطعة أنفا، التي تقع تحت نفودها العمارات المنهارة، وجهة أخرى تكتفي برأس صاحب الشقة الذي أدخل اصلاحات بدون ترخيص، بينما جهة أخرى تسعى لتحميل المسؤولية للمقدم، وجهة تحمل المسؤولية لعامل البناء الذي قام بالإصلاحات، ثم جهة تريد رأس عامل العمالة، فيما جهة حملت المسؤولية للحكومة مطالبة بإسقاطها.

بادو مسؤولة، لأنها الجهة التي تقدم تراخيص البناء وإدخال الإصلاحات، عامل البناء مسؤول؛ لأنه ادرك الخطورة وباشر الإصلاحات، عامل العمالة مسؤول، انطلاقا من المقدم، بمقتضيات الميثاق الجماعي التي تجعل منه سلطة وصاية على عمل المنتخبين، المواطن مسؤول لأنه إما يقدم رشوة للمقدم لقتل نفسه، أو يسمع بهذا ولا يشعر السلطات، والحكومة لها مسؤولية قانونية أكبر من السابقين، لأنها الجهاز التنفيذي الذي انتخبه المواطنون لحراسة امنهم وسلامتهم.

يبقى السؤال عن حدود مسؤولية رئيس الدولة الملك محمد السادس، في ما جرى، فرغم كل ما قام به تجاه الضحايا وعائلاتهم، من مبادرات تستحق التنويه والإشادة بها، إلا أن ذلك لا يمنع من التساؤل عن طبيعة مسؤوليته في الحادث، خاصة وأن البعض يراها مسؤولية سياسية معنوية.

فبمقتضى الفصل 42 من الدستور الملك يسهر على حسن سير المؤسسات، وحيث أن 6 مواطنين قتلوا في انهيار منزل سنة 2012، بالمدينة القديمة بالدار البيضاء وتكررت الفاجعة يوم الجمعة الماضي في نفس المدينة بحي "بروكون" فهذا يعني أن مؤسسة الحكومة لا تسير بشكل حسن وتقصر في مهامها، مما يجعل أمر إقالتها من طرف الملك قرارا ملزما قبل أن تسقط بنايات جديدة.

كما ان الملك يترأس المجلس الوزاري ويشرف على الأوراش الكبرى، وبالتالي علاقته بالحكومة ثابتة، وأي خطوة منها تمسه بشكل أو بآخر، خاصة امام خطبه التي يؤكد فيها أن الحكومة مجرد منفذة  لتعليماته وبرامجه، مع التذكير بالعبارة الشهيرة أن الحكومة هي "حكومة صاحب الجلالة".

وحتى بمنطق التسلسل الإداري فالمقدم الذي أغمض عينيه على الخرق له رئيس هو القائد والأخير له رئيس هو الباشا وهذا له رئيس هو العامل، ولهذا الأخير رئيس هو الوالي، ورئيس الأخير هو وزير الداخلية، فيما رئيس الأخير هو رئيس الحكومة، ورئيس رئيس الحكومة هو الملك فقد قالها بنكيران صراحة "انا مجرد رئيس حكومة ورئيس الدولة هو رئيسي"، مع الإشارة إلى أن الملك تدخل لصالح عمال الحليب في مراكش وحل مشاكلهم وتدخل لصالح الجالية المغربية واجتمع دون رئيس الحكومة بوزير الداخلية وكبار مسؤولي الجمارك، دون إغفال نقطة مهمة أن سلطة الوصاية الممثلة في وزير الداخلية تبدو غير تابعة لرئيس الحكومة بدليل منعها لنشاط حزبي لـ"لبجيدي" سنة 2012 بطنجة، وتدخلها ضد المتظاهرين ضد العفو الملكي على البيدوفيل الإسباني دون علم رئيس الحكومة، بحسبه، وربما هذا ما يفسر موقف بنكيران من الفاجعة وسر عدم وقوفه بعين المكان حيث فضل ان يبقى بعيدا وكأنه بسلوكه ذلك يورط الداخلية ومن يقف ورائها.

قال عمر بن الخطاب: "لو عثرت دابة في العراق لسُؤِل عنها عمر".

إشارة لابد منها:

جميع السلط تنبثق من الملك وهو سلطة فوق السلط، فحتى إن أخل بمهامه،  ولم يسهر على حسن سير المؤسسات، كما يلزمه بذلك الفصل 42 من الدستور، فيصعب محاسبته؛ لأن جميع القضاة يقعون تحت إشرافه، باعتباره رئيس المجلس الأعلى للقضاء وأمير المؤمنين؛ حيث أن القضاء من وظائف الإمامة!