يحيى بن الوليد

قبل أربع سنوات كتبنا عن الشعبوية باعتبارها "ظاهرة" آخذة في الانتشار والاكتساح وباعتبارها "سرطانا" مصـرّاٌ على التهام البقية الباقية في "النسق السياسي" ببلادنا. ومن دون شك أننا كنَّـا نقصد إلى "الأحزاب" طالما أنها مجلى لـ"الضغط السياسي الكلاسيكي" (كما يفترض ذلك) وطالما أنها مناط "التمظهرات" السياسية وعلى مستوى الخطاب مثلما على مستوى السلوك. غير أن نيران الشعبوية لم تنحصر في "الآلة السياسية" فقط، وإنما امتدت إلى مجالات أخرى في مقدمّـها مجال المثقف الذي صار بدوره يعتقد في جدوى "علف الشعبوية" حتى يسوّق لخطابه أو ممنتوجه الثقافي. والأفظع من ذلك أن الشعبوية انغرست في "قلعة الأكاديميا" حيث صارت المفاهيم والمناهج... مجرد وقود أو عكازات في سياق التعاطي "المطبخي" لقضايا، ولقامات، المطلوب مقاربتها من "مسافة" وعلى "نار هادئة" كما يقال. وكان لـ"الأصوليات المتصادمة" و"الهويات القاتلة" أدوار على هذا المستوى. ومن ثم منشأ الخراب والعبث والاستهتار... وغير ذلك من "العيوب" التي هي عيوب "النسق" السياسي.

 

والغاية مما سبق، وفي الخندق السياسي، هي التأكيد على ما تجاوز الشعبوية نحو آفة أخرى لا تقل خطورة عنها أو بالأحرى تكملها وفي إطار من علاقة العلة بالمعلول التي يمكن تحريكها من الشمال أو اليمين. وهذه الآفة هي آفة "السبُـعية" تبعا للمفردة التي أخذناها من كتاب ــ الفأس أو من كتاب من الكتب التي "تثقِّف" بل و"تغيِّـر". والمقصود، هنا، كتاب الفيلسوف اليوناني الأعظم أرسطو "الأخلاق" الذي حققه وشرحه وقدّم له الفيلسوف العربي الراحل عبد الرحمن بدوي. وكان أرسطو، وكما أخذ عليه قد بالغ في تقدير السياسة ودورها. والمفردة، وبالنظر لخطورتها في الحياة العامة، احتفظ بها أرسطو على مستوى عنوان الفصل السابع من المقال الثامنة في الكتاب. وعنوان الفصل هو التالي: "اللاضبط في الغضب، واللاضبط في الشهوات: السّـبُـعية". وأهم ما استوقفي، في الفصل، العبارة الأخيرة التالية: "والإنسان الرديء خليق أن يفعل من الرداءة أكثر من السبع مرارا كثيرة" (ص250).

وهذا ما ينطبق على أغلب سياسيينا الأجلاء. فلا أحد منهم يتحرك وفي إطار من حجمة الحقيقي والطبيعي، ونحن طبعا لا نلح في أن ينزل هؤلاء عن حجمهم الطبيعي غير أنه في مقابل ذلك ذلك نلح بأن لا يفوق هؤلاء حجمهم الطبيعي. وفي ضوء انتفاء هذا الشرط، الأخلاقي، من المفهوم أن ينتفي شرط "الحوار" و"التشارك" و"التداول"... وشرط "العقل". وقبل ذلك ينتفي شرط "الإنصات" ذاته باعتباره المدخل الأساس للحوار وللاقتراح ولتوسيع دوائر النقاش العام. وأمر هؤلاء وكما يقول أرسطو نفسه "كالكلاب التي تنبح إذا سمعت طنينا قبل أن تفحص إن كان ذلك من صديق" (ص248). صار هؤلاء يشهرون "مسدساتهم البلاستيكة" و"سيوفهم الخشبية"... وكل ما هو متاح. إضافة إلى التوابل الحرّاقة لعبارات السب والقذف المرذولة وغير المسبوقة. فالسياسة صارت "حلبة" للاقتتال أو السبعية. وهذا ما لا يصدر إلا عن "بادي الوفاض وخالي الجراب". وكل ذلك من أجل التستّـر على "يبابهم السياسي" وعلى "ولادتهم السياسية الأنبوبية". وحتى نواصل الكلام بلغة التراث فهؤلاء يصدق عليهم قول المتنبي هذا:
"أيا أسدا في جسمه روح ضيغم/ وكم أسد أرواهحن كلاب".
وهذا مع أكثر من هامش لـ"الكلب" حتى نحرّره من "الذبح البلاغي" كما في هذه الحال.