وصف البطل مصطفى العمراني لمشهد غرق الأطفال الرياضيين في شاطئ واد الشراط من خلال التصريح المطول الذي أدلى به عبر أثير أحد الإذاعات الخاصة للصحفي المتميز أذيب السليكي، عقب مغادرته لأسوار السجن بناء على قرار المحكمة التي قضت بمتابعته في حالة سراح، وصف تقشعر له الأبدان ويترك المستمع يتخيل نفسه في الوضع الذي كان عليه العمراني وهو يواجه المصير المحتوم..

الرجل كان يتحرك وهو في حيرة من أمره يمنة ويسرة لتقديم الإسعافات الأولية لأطفال يواجهون الموت، ولانتشال جثت من أدركهم، ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه من وسط البحر، وكل ذلك وسط رعب نفسي رهيب وصل به إلى حد مخاطبة نفسه قائلا: اليوم يوم غرقك يا مصطفى..."

لكن الخطير فيما حكاه الرجل ببرنامج بصراحة الذي ينشطه الإعلامي أذيب اسليكي، هو تصريحه الذي يفيد بأنه كان يطلب المساعدة من أناس  كانوا متواجدين لحظتها في الشاطئ، رفضوا تقديمها وكأن حياة أولائك الأطفال لا تعني لهم شيئا !!!.

القانون يعاقب على فعل الإمتاع عن تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر والأشخاص الذين امتنعوا عن تقديم المساعدة لأطفال يواجهون الموت أناس غير مسؤولين ولا ضمير لهم، لأن الجواب الذي كانوا يردون بواسطته على نداء العمراني مصطفى في تلك اللحظة القاسية والمؤلمة ، جواب ينم عن جبنهم ولا إنسانيتهم.

أن ترى أطفال يغرقون وآخرون في وضعية حرجة يحتاجون لإسعافات أولية لتفادي الموت، ومع ذلك تمتنع عن تقديم المساعدة لهم في حدود الإمكانيات المتاحة، فو الله هذا قمة الإجرام، وقمة الجبن واللاإنسانية.

ماذا يقول القانون الجنائي المغربي عن من يمتنع عن تقديم المساعدة لشخص في خطر؟

ينص الفصل 431 من القانون الجنائي على أن "من أمسك عمدا عن تقديم مساعدة لشخص في خطر رغم انه كان يستطيع إن يقدم تلك المساعدة إما بتدخله الشخصي وإما بطلب الإغاثة دون تعريف نفسه أو غيره لأي خطر يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات و غرامة من 200 درهم إلى 1000درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط".

ما هي العناصر التكوينية لهذا الفعل المجرم قانونا؟

أولا: العنصر المادي:

يتمثل هذا العنصر في فعل الإمساك عن تقديم مساعدة لشخص في خطر لازال على قيد الحياة ، وهذا الخطر قد يكون فيضانا أو غرقا أو حريقا أو صعقا أو اختناقا أو إصابة أو مرضا مفاجئا أو محاولة قتل، وفي الحالة التي نحن بصدد معالجتها، هناك خطر الغرق الذي أودي بحياة عدد من الأطفال ، حيث أنه كان بمقدور تدخلات من طلب منهم العمراني  المساعدة نجدة الأطفال أو الحيلولة دون وقوع كل ذلك العدد من الضحايا..

وحتى إذا افترضنا أن من طلب منهم مصطفى العمراني المساعدة في نجدة الأطفال لا يجيدون السباحة ولا يمكن لهم تعريض أنفسهم للخطر فأضعف الإيمان تقديم المساعدة على تقديم الإسعافات الأولية لمن قام العمراني بإخراجهم حتى يتسنى لهذا الأخير إنقاد أطفال آخرين

ثانيا:العنصر المعنوي:

وهو توفر القصد الجنائي لدى الشخص الممتنع عن تقديم المساعدة.

وقد عاقب المشرع المغربي على من يمتنع عن تقديم المساعدة لشخص في خطر بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من 200 درهم إلى 1000درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط .

تصريحات المصطفى العمراني كشفت جانبا آخر أكثر إيلاما من الجانب المتعلق برفض نداء الاستغاثة الذي وجهه لبعض من عاينوا مشهد الغرق دون أن يقدموا المساعدة المطلوبة قانونا ويتعلق الأمر بتأخر فرق التدخل بـــ45 دقيقة مع العلم أن الشاطئ الذي وقعت فيه المأساة غير بعيد عن مراكز فرق التدخل السريع الذي يفترض أن تكون دائما في مستوى عال من الجهوزية، ولا سيما، في يومي السبت والأحد اللذان يعرفان نسبة ارتياد كبيرة على الشواطئ عندما يكون الطقس حارا.

تأخر فرق التدخل كل ذلك الوقت يطرح أكثر من علامة استفهام حول إجراءات السلامة التي تعتمدها الدولة في مواجهة مخاطر الشواطئ. ففي شاطئ مثل  وادي الشراط لا توجد فيه علامات المنع كما أقسم بذلك مصطفى العمراني، ومعروف أن المواطنين والمواطنات، يرتادونه للسباحة، من العيب ألا تكون هناك وحدة متنقلة للإسعاف من باب الوقاية خير من العلاج. ومن العيب ألا تكون هناك دوريات وعلامات تحذير لمنع المرتادين من ولوج الأماكن الخطرة.

هناك معطى آخر كشف عنه  مصطفى العمراني في تصريحه الصحفي، الذي حقق فيه الصحفي أذيب سليكي سبقا صحفيا، لا يقل أهمية في تحليل هذه الفاجعة عن باقي المعطيات السالفة الذكر. الأمر يتعلق برفض أكثر من جهة لطلب العمراني الخاص بتنظيم حفل تتويج لبطلاته. هل كان العمراني سيفكر في أخدهم إلى الشاطئ لو لم تغلق في وجهه كل الأبواب؟

العمراني، توجه للشاطئ بعد أن وفر من عائلات الأطفال، ما يمكنه من تأدية مقابل السائق، وغرضه كان هو إدخال البسمة لنفوس أطفال وطفلات فقراء لم يعرهم أي أحد الحنان والعطف الذي منحهما لهم مدربهم بإمكانياته البسيطة.

لقد كان من المفروض أن يتم الاعتذار لهذا البطل  عوض متابعته في حالة سراح للتستر عن مسؤوليات الآخرين التي لا غبار عليها، سواء أولائك الذين رفضوا تقديم المساعدة لأطفال يواجهون خطر الموت، أو أولائك الذين لم يصلوا في الموعد المناسب لنجدة الأطفال، أو أولائك اللامسؤولين الذين لم يتجاوبوا مع طلب بسيط للمدرب العمراني الذي حقق ناديه انجاز رياضي أراد الاحتفال به بمعية أطفاله.

هل كان الطلب سيرفض لو كانت جمعية العمراني من جمعيات الوديان والسهول؟ هل كان الأطفال الذين لقوا حتفهم سيحرمون من بسمة رياضية مشروعة لو كان لدى من طلب منهم المدرب العمراني مد يد المساعدة لتنظيم الحفل درة من الإنسانية؟

عزائي للمدرب العمراني، وعزائي لعائلات الضحايا، وعزائي الأكبر لهذا الوطن الذي يراد قتل التطوع فيه.