أحمد عصيد

ما حدث للصحفية خديجة الرحالي مع الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان، يستحق وقفة نقاش، بل يوجب علينا جميعا الوقوف على هذه الظاهرة التي لا ينبغي أن نستهين بها، أو نعتبرها واقعة فردية عابرة غير ذات أهمية. فالوزير يستوقف صحفية داخل البرلمان لينتهرها في غلظة بعد أن سألها عن لباسها، الذي استفز غرائزه هو بالذات دون غيره من البرلمانيين والموظفين والإعلاميين ورؤساء الفرق وزعماء الأحزاب السياسية، دون أن ننسى الموظفين والأمنيين العاملين عند مدخل البرلمان منذ سنوات أو عقود، والذين يعرفون ما يوجبه البرلمان وما لا يوجبه قانونيا.
فعل الوزير هذا الفعل المشين أمام الجميع، وبصوت عال، مما يدلّ على أنه فقد السيطرة على أعصابه، وأنه أصيب بنوبة غضب وهياج مبعثهما "الغيرة" على مؤسسة البرلمان، التي انتهكت حرمتها من طرف صحفية وجد الجميع لباسها عاديا جدا لا يثير أي انتباه.

ليست هذه هي المرة الأولى التي ينتفض فيها مواطن "مؤمن جدا" ضد لباس صحفية داخل البرلمان، فقد سبق لمجموعة من برلمانيي "البيجيدي" أن قاموا بـ"غزوة" ضدّ صحفية قبل سنوات، ولا شك أن المدة التي انصرمت كافية لكي تجعل أعصابهم تتوتر من جديد، خاصة وان الغزوة السابقة لم تؤت ثمارها، ولم تخضع الصحفيات لمعايير "البيجيديين" في اللباس، هذه المعايير التي لا يبدو أنها تلقى القبول عند باقي السياسيين والنواب والموظفين والصحفيين.

يعلم الجميع أن للمؤسسات قوانين مكتوبة، وأنه لا يحق لأحد أن يخترع من عنده قيما ومعايير يفرضها على الناس بدون موجب حق، ويعلم الجميع أن فكرة المتطرفين الدينيين من أتباع "الإخوان" المصريين عن اللباس وعن الإنسان والوجود والقيم والمرأة والطفل ... ليست مقتسمة مع باقي عباد الله، بل هي حكر عليهم، لا يحسدهم الناس عليها ولا ينازعونهم فيها عندما يعتمدونها أو يفرضونها داخل بيوتهم أو في حياتهم الخاصة، ولكنهم ليسوا ملزمين بالسعي إلى فرضها على الناس عبر خلق المواقف الهستيرية أو استغلال السلطة والنفوذ أو المنصب الرسمي، لأنّ هذا لن يزيد إلا تعريضا لهم لسخرية الناس وسخطهم. فالتطرف واحد سواء كان صادرا عن شخص بلحية طويلة وسلهام وعمامة، أو عن آخر مدجج بأنواع الأسلحة وهائم على وجهه في الأدغال والصحاري والمغاور، أو عن شخص بربطة عنق يعتقد أن "السياسة" تمنحه الحق في الوصاية على ضمائر الناس والعبث بمصائرهم.

ولأن ما صدر عن الوزير يدخل في باب الأزمات والانحرافات والاضطرابات التي تسم الشخصية العصابية غير السوية نفسيا، نرى ضرورة تخصيص مصحة نفسية للمتطرفين من الشخصيات العمومية، حتى نتمكن من استعادتهم بوصفهم طاقات يمكن أن تنفع البلاد، إن هي عولجت من تأثيرات المرض والاضطراب النفسي.

لا يستحق الوزير الدموع التي فاضت من عيني الصحفية أمام زملائها، ولا الألم الذي سبّبه سلوكه الأرعن، ولكن من شأن ما حدث أن يذكرنا بأن "الإخوان" المغاربة ليسوا منا رغم كل أشكال التقرب من الناس ومن النخب والطبقة السياسية، وأن لهم مخططهم الأجنبي الخاص الذي يتحينون الفرص لفرضه على الدولة، والذي تسبّب في خراب بلدان الجوار، ويتسبب لهم في الكثير من الأزمات النفسية بسبب اكتشافهم يوما عن يوم، أن التربة المغربية لا تلائم نبتتهم الغريبة.