محمد إنفي

هناك عاملان أساسيان دفعاني إلى التفكير في الحوار مع نفسي التي تلومني، أحيانا، عما تعتبره قسوة في حق البعض ومحاباة في حق البعض الآخر. كما تلومني، أحيانا أخرى، عن الخوض في المسائل الداخلية للاتحاد وتتهمني بالتقصير في مواجهة الهجمات الخارجية التي تستقصد الحزب وتاريخه ورموزه وقادته. كما تتهمني بنسيان "بنكيران" الذي تنكر لكل وعوده وانخرط في مسلسل من التراجعات عن المكتسبات التي حققها الشعب المغربي بفضل نضالاته المريرة ضد الاستبداد، والتي كان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في طليعتها. 
يتمثل العامل الأول في السؤال المؤرق والمحرق الذي أواجَه به كلما التقيت بأحد الأصدقاء (سواء من داخل الحزب أو من خارجه)، حيث يكون السؤال دائما، هو: "أش هاذ الشي لي واقع في الحزب؟ أو أش هاذ الشي لي واقع عندكم"؟. وهو سؤال، حسب السياق وحسب واضعه، إما يعني الاستغراب وإما الاستيضاح وإما الشماتة والتشفي... ومرجع كل هؤلاء هو ما تنشره الصحافة (الورقية والإليكترونية) حول ما تسميه "أزمة الاتحاد الاشتراكي"، والتي تعمل جاهدة على الدفع بها إلى نقطة اللاعودة.
ويتمثل العامل الثاني الذي دفعني إلى التفكير في الحوار مع نفسي (من أجل إقناعها بصواب اختياري)، بعد ما كنت أحاور الغير، هو ما يردده الاتحاديون المختلفون مع القيادة الحالية من كلام حول وضعية الحزب الذي، برأيهم، يعاني من التفكك بسبب هذه القيادة. ولنكتف، هنا، بما قاله "الأخ عبد الهادي خيرات" حول هذا الموضوع. لقد قال بالحرف، حسب ما أوردته جريدة "برلمان.كوم" الإليكترونية: "الاتحاد الاشتراكي لم يبقى له لا فريق موحد ولا نقابة قوية ولا شبيبة متماسكة والسبب مخطط إدريس لشكر".
لا شك أن الاتحاديين المتتبعين لما يعتمل داخل حزبهم من صراعات وما يتعرض له من هجمات، قد قرؤوا أو سمعوا كثيرا من مثل هذا الكلام. فالجرائد والمواقع الإليكترونية والاجتماعية تعج به، وإن بصيغ مختلفة. ولا أعتقد أن هناك اتحاديا يقرأ ذلك بحياد تام. فإما يصدق ما يقال وما يكتب، فينخرط، ولو بصمته، في حملة ضد مؤسسات حزبه؛ وإما يعي بواعث الحملة وخطورتها على الحزب (خصوصا حين يكون الفاعلون فيها هم من أهل الدار)، فينخرط في الدفاع عن مؤسساته وشرعيتها، إما بمخاطبة الضمير الاتحادي (كما فعلت "عائشة زكري" في مقال بعنوان "من أجل الوطن" أو "طالع سعود الأطلسي" في مقال عنوانه "يا مناضلي الاتحاد... اتحدوا") وإما بالتصدي للمشككين والمتحاملين الحاقدين على القيادة الشرعية للحزب. وهذا هو الاختيار الذي اقتنعت به وأريد لنفسي اللوامة أن تقتنع بصواب هذا القرار، فتنتقل إلى مرحلة الاطمئنان على أن الاتحاد أكبر من كل المؤامرات وأقدر على تجاوز كل الهزات ومؤهل لردع كل الأنانيات المقيتة التي تتنكر للمؤسسات وللتاريخ النضالي المشترك.
لقد تموقعت في صف المدافعين عن الشرعية وعن المؤسسات الحزبية، بغض النظر عن هذا الشخص أو ذاك. لذلك، لم أتردد ولن أتردد في التصدي لما أعتبره تحاملا على مؤسسة الكاتب الأول للحزب، لما تمثله هذه المؤسسة من شخصية اعتبارية ومن قيمة سياسية، بغض النظر عن شخص هذا الأخير وعن شخص المتحامل عليه، مهما يكن بيني وبينه من ارتباط شخصي أو تعاطف وجداني.
لقد كنت دائما أتساءل مع نفسي وأنا أقرأ بعض المقالات أو التعليقات التي تصور الوضعية داخل الاتحاد الاشتراكي بأنها كارثية بسبب القيادة الجديدة، وأساسا بسبب الأخ "إدريس لشكر": "هل يعرف هؤلاء كيف كان الحزب قبل هذه الفترة حتى ساروا يتحدثون عنه بهذا الشكل المخيف"؟ "فهل تسلمه "لشكر" سليما معافى ثم عاث فيه فسادا حتى أصبح على الصورة التي يتحدثون عنها"؟ ثم أناجي نفسي بالقول: إن الحزب الذي أعرفه والذي أنا جزء منه ليس بهذه الصورة التي يحلو للبعض أن يسوقها. فالاتحاد الاشتراكي الذي أعرفه قد بدأ يتعافى، مع القيادة الحالية؛ وقد خرج من وضعية الجمود التي كان عليها لأسباب تطرقنا لبعضها في مقال سابق. لذلك، كنت، أحيانا، أقول مع نفسي: ربما، يكون هؤلاء "الكتبة" من هواة السياسة أو من الذين يُؤكل بفمهم الثوم أو من الذين يصفون حسابات معينة، مع تاريخ نضالي يزعجهم ويقض مضاجعهم...
لكن الخروج الإعلامي الأخير لمدير الإعلام الحزبي وعضو الفريق البرلماني الاتحادي والقيادي المعروف، الأخ"عبد الهادي خيرات"، أعادني إلى سؤال البداية: "أش هاذ الشي لي واقع في الحزب؟"، الذي يطرحه المناضلون وغير المناضلين.
فكل شخص يقرأ كلام "خيرات"، المشار إليه أعلاه - إذا لم يكن على علم ببعض ما يجري في المطبخ الداخلي للحزب وإذا لم يكن متابعا للأحداث- سيظن أن كل شيء كان على أحسن ما يرام داخل الاتحاد الاشتراكي قبل وصول "إدريس لشكر" إلى الكتابة الأولى للحزب. ولما وصل هذا الأخير إلى قيادة الحزب، بعد أن فاز على منافسيه في المؤتمر الوطني التاسع، تدهور وضعه الداخلي وساءت أحواله التنظيمية، الخ. فمنطوق كلام "خيرات" يعني أن الفريق البرلماني كان موحدا وأن النقابة كانت قوية وأن الشبيبة كانت متماسكة. ولما جاء "إدريس لشكر"، اختلف الوضع وتدهورت الأحوال وأصبح كل شيء في الحضيض. والحال أن كل هذا غير صحيح ومخالف للواقع والحقيقة تماما، كما سنبين ذلك لاحقا. ويكفي، هنا، أن أشير إلى ما قاله الأخ "عبد الواحد الراضي"، الكاتب الأول السابق، في أحد المجالس الوطنية للحزب، قبل الشروع في تحضير المؤتمر الوطني التاسع، بأننا (بسبب الأنانيات المفرطة وبسبب التطاحنات بين الأشخاص والمجموعات وبسبب التسيب والفوضى التنظيمية) نسير نحو انتحار جماعي.
فأي مصداقية تبقى لما يقال وما يكتب، بعد هذا الحكم القاسي والموضوعي الذي أصدره الكاتب الأول السابق (والقيدوم الحزبي المعروف) على الأوضاع داخل الاتحاد؟ فكل حديث عن تدهور التنظيم في عهد "إدريس لشكر" يكذبه الواقع وتكذبه الأوضاع التنظيمية المزرية التي تحدث عنها الأخ "عبد الواحد الراضي". أفليس الأمر كله مزايدة وتحريف للحقيقة، إذن؟ لكن، ما الهدف من هذا التحريف وما خلفياته...؟ هل محاولة القيادة الجديدة أن تضع حدا للتسيب الذي استشرى في الحزب وعلى جميع المستويات (في التنظيم، في ممتلكات الحزب، في المهام... الخ) هي التي حركت الرواكد؟...
إنني أضع نفسي مكان المناضل الاتحادي (أو العاطف على الاتحاد) الذي يطلع على ما يُصرِّح به البعض وما يكتبه البعض الآخر، من خلال بعض المواقع الاجتماعية للتواصل وبعض الجرائد الورقية والإليكترونية، وبالأخص تلك التي تهوى النفخ في بعض الجزئيات لتُغَطِّي بذلك على ما هو أساسي... فأفهم وأتفهم قمة الحيرة التي أقرؤها في تساؤل بعض الأصدقاء عن وضعية الحزب، سواء في اللقاءات المباشرة أو عبر الهاتف أو "الفايسبوك"، خصوصا حين يصدر الاتهام عن قيادي من طينة "عبد الهادي خيرات"الذي لم يكن لا غائبا عن المؤتمر الأخير ولا مستقيلا من مهامه كمسؤول بالمكتب السياسي السابق: لقد لعب دورا مركزيا في المؤتمر لكونه كان من الأعضاء البارزين في رئاسته ومن الساهرين على التمرين الديمقراطي الذي بوأ الأخ "لشكر" قيادة الحزب.
لم يسبق لي أن قرأت لـ"خيرات" ما يفيد تخندقه في هذا الاتجاه أو ذاك. فحتى عندما احتدت أزمة الفريق البرلماني وأصبح الحديث عن لائحتين، ما سمعناه هو رفضه التوقيع عن هذه اللائحة أو تلك، بينما كان يعمل، حسب ما قيل، على تقريب وجهات النظر. لذلك، تبقى كل الأسئلة التي يثيرها موقفه الأخير مشروعة وقابلة لكل التأويلات.
يعبر الكثير من المناضلين عن قلقهم على مصير الحزب ويتخفون من حدوث انشقاق آخر في صفوفه. لكن ما العمل إذا لم تحضر الحكمة ولم تنجح الوساطات مع أناس قرروا عدم الالتزام بالشرعية وشرعوا في البحث عن بدائل، بدعوى انعدام إمكانية الاشتغال مع "لشكر"؟. فالأمر لا يخلوا من أمرين اثنين (قد يكون لا ثالث لهما): إما أنهم عاجزون عن الدفاع على فكرتهم وإقناع المؤسسات الحزبية بها؛ وإما أنهم يصرِّفون قرارات، اتخذت في دهاليز صنع الخرائط السياسية.
شخصيا، لست قلقا على مصير الحزب إلا بالقدر الذي يحز في نفسي أن يغادره بعض من أطره لأسباب نعلم منها القليل ونجهل منها الكثير. لكني، حين أستحضر مصير التنظيمات التي خرجت من رحم الاتحاد والتي منَّت النفس بأن تكون البديل عن الحزب الأم، فلم يحصد أصحابها إلا الخيبة والضمور السياسي، أكاد أجزم بأن مصير من يغادر سفينة الاتحاد لن يكون أبدا أفضل من سابقيه. لكن، بالمقابل، سيؤدون خدمة (بالمجان؟) كما أداها الذين من قبلهم لفائدة خصوم حزبهم ولأعدائه...
إنني متفائل بمستقبل الاتحاد؛ وهذا التفاؤل لا ينطلق من فراغ. فالحزب بدأ يسترد عافيته التنظيمية وحضوره السياسي مع القيادة الجديدة. ويعكس ذلك عدد المؤتمرات الإقليمية والحضور المكثف للمواطنين في جلساتها الافتتاحية (حوالي 30 مؤتمرا إقليميا) والقطاعية (الموازية منها والمهنية) التي عُقِدت وعدد الندوات الفكرية والسياسية والأنشطة الإشعاعية التي نُّظِّمت...(وربما هذا ما حرك البعض للعمل على عرقلة الدينامية الجديدة في الحزب، إما للحفاظ على موقع مهزوز أو مقعد مهترئ أو لاستدامة التسيب التنظيمي لأغراض أخرى). ويكفي أن أشير إلى الجو الإيجابي جدا الذي يسود اجتماعات مؤسسة "كتاب الجهات والأقاليم" التي أصبحت اجتماعاتها دورية، بعد أن كانت في السابق موسمية؛ تلك المؤسسة التي يحضر دوراتها كتاب الأقاليم التي عقدت مؤتمراتها وكتاب الأقاليم التي هي في طور التحضير لهذه المؤتمرات؛ ومنها أقاليم لم تعرف تجديد هياكلها لسنوات. لكني لم ألاحظ، أبدا، عكس ما تروجه بعض الأبواق المأجورة، ما يوحي بوجود أزمة تنظيمية داخل الاتحاد الاشتراكي.
ولنعد إلى ما قاله "خيرات" عن الفريق البرلماني وعن النقابة وعن الشبيبة، لنرى كيف كان الوضع وكيف أصبح لنحكم على الأشياء بميزان الواقع المعاش وليس بميزان تضارب المصالح.
وقبل ذلك، أحيل القارئ على مقال في Halapress بعنوان "المسكوت عنه في صراع لشكر وخيرات"، عله يجد فيه الجواب على بعض تساؤلاته. وأحيله، أيضا، على مقال آخر في Telexpresse.com بعنوان "عبد الهادي خيرات يطلق الرصاص على إدريس لشكر والطلقة الأخيرة 'روليت' روسية"، ليكتشف هذا القارئ كيف أن "خيرات" أصيب بعدوى الذاتية المقيتة، فقدم لأعدائه وأعداء الحزب سلاحا، تم تسديده نحوه ونحو أسرته هو قبل أن يُسدَّد نحو غيره ("ولي كيحسب بوحديه كيشيط له").
يتحدث "عبد الهادي خيرات" عن الفريق البرلماني الذي لم يعد موحدا. وهذا صحيح؛ لكنه لم يقل لنا على ما ذا كان موحدا، قبل أن تؤول رئاسته لـ"إدريس لشكر" . لقد كان موحدا على شيء واحد فقط (إلا استثناءات قليلة): كان موحدا على عدم أداء مستحقات الحزب؛ ويأتي في المقدمة رئيس الفريق. أما ما عدا ذلك، فحدث ولا حرج. والأسباب معروفة، ليس المجال هنا للتفصيل فيها.
أما عن النقابة التي لم تعد قوية، فإن أصل المشكل، ودون الدخول في التفاصيل، يعود، كما يعرف "خيرات"، إلى سنة2011، حين تدخل المكتب السياسي لتعطيل الحسم الديمقراطي وتغليب منطق التوافق؛ مما أجَّل المشكل بدل حله. ومع ذلك، فإن الجبهة الاجتماعية ما كان لها أن تعرف الوهج الذي تعرفه حاليا والتنسيق الذي تم بين المركزيات الثلاث الأكثر تمثيلية، لولا الزيارة التاريخية التي قام بها "إدريس لشكر" لمقر الاتحاد المغربي للشغل والتي كسرت الحاجز النفسي الذي عمر حوالي أربعين سنة. فلولا تلك الزيارة التي نُظِر إليها بتوجس وتم انتقادها بعنف، ما كان للأموي أن يلج البناية التي غادرها منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي، ليتصالح مع القيادة الحالية للاتحاد المغربي للشغل. بالمقابل، ركب رأسه ورفض، حسب ما أُشيع، الاجتماع مع "لشكر". ولا غرابة؛ فهذا الأخير أتت به الصناديق إلى قيادة الاتحاد؛ وبالتالي، فهو يتمتع بالشرعية الديمقراطية الكاملة؛ بينما الأموي استولى على البديل النقابي (الذي نظرت له وهيأت له شروط التأسيس اللجنة العمالية للحزب بقيادة الشهيد "عمر بنجلون") وحوله إلى ملكية شخصية.
ويتحدث عضو المكتب السياسي السابق عن الشبيبة التي لم تعد متماسكة. ولا ندري عن أي تماسك يتحدث. فهل ما عاشه المكتب الوطني السابق من صراعات وما غرق (أو أُغرق) فيه من مشاكل أدت به إلى الشلل التام، يعتبره "خيرات" تماسكا؟ وهل من التماسك والانسجام في شيء أن ينبثق عن المؤتمر السابع (2007) للشبيبة الاتحادية مكتبان وطنيان يتنازعان الشرعية؟
أما المكتب الوطني الحالي، المنبثق عن المؤتمر الأخير (المؤتمر الوطني الثامن، الذي انعقد بعد حوالي 8 سنوات، عرفت خلالها الشبيبة الاتحادية تصدعا غير مسبوق)، فلن نحكم عليه وهو في بداية عمله ؛ لكنه يبدو على قدر كبير من الجدية ومن التماسك والانسجام بين أعضائه؛ مما يكذب كل ادعاءات "خيرات".
وحتى لا ينسى البعض (ممن تمردوا على حزبهم) نفسه ويتنكر لفضل حزب القوات الشعبية عليه فيما هو فيه من بحبوحة العيش ومن مركز اجتماعي مرموق، بعد أن كان في أسفل السلم الاجتماعي؛ وحتى لا يغتر البعض بوضعه الاعتباري الذي صنعه لنفسه بفضل الحزب، يجدر بهؤلاء كلهم أن يعرفوا بأنهم، مهما كانت أوضاعهم المادية والمعنوية الحالية، فهم لا يساوون شيئا خارج الحزب الذي صنعهم وجعل أسماءهم في سجل الذين كان يحسب لهم ألف حساب في المجالات التي عمل الحزب على إظهار مؤهلاتهم فيها، من قبيل الاشتغال في الواجهات: البرلمان، الحكومة، الجماعات، النقابة، الجمعيات...الخ.
بالمقابل، يسجل التاريخ بمداد الفخر والاعتزاز السلوك الحضاري لبعض أبناء الاتحاد الذين نأوا بأنفسهم عن الإساءة إلى حزبهم، رغم أنهم ظُلموا من طرف بعض إخوانهم (في القيادة وفي غيرها؛ ومن بينهم من هم الآن حاملون لمعول الهدم ضد الرصيد النضالي الجماعي والشخصي)، وتركوا الساحة لغيرهم، ليس ضعفا ولا هروبا، ولكن زهدا وتواضعا. فلهم كل التقدير والاحترام وكل العرفان والامتنان.