لم تعد الأمور، اليوم، تحتاج لجهد كبير لمعرفة إلى أين تسير البلاد، بعد كل ما تعرض له الأساتذة المتدربون ليلة أمس وقبل الأمس، وبعد كل ما تعرضت له السلطة القضائية يوم امس وقبل الأمس، في شخص احد أعضائها وهو محمد الهيني، وكذا بعد الطريقة التي مُرر بها ما سمي بــ"إصلاح انظمة التقاعد".

البلاد، بكلمة واضحة وصادقة، لا نفاق فيها ولا مواربة، "تسير إلى الهاوية" كما قال النقيب عبد السلام البقوي، في تصريح صحافي، غداة خروجه من وزارة العدل والحريات، بعد مشاركته في محاكمة القاضي محمد الهيني، وإلا كيف نفسر تمادي الحكومة في تفعيل مرسومين جائرين لا أساس قانوني لهما، ماداما لم يصدرا في الجريدة الرسمية، وإصرارها بشكل غير مفهوم في شخص وزيرها في العدل على ترأس محاكمة، دون انتظار جواب الملك، بعد ان وجهت له هيئة دفاع الهيني رسالة، تلتمس فيها تنحية الرميد، لعدم حياده، لوجود رابطة حزبية واضحة تجمعه بأحد أطراف القضية.

تمثل قضية الأساتذة المتدربين، وقضية الهيني، عنوانين لنزاع عنيف بين معسكرين يخترقان المجتمع، معسكر محافظ يميني مستبد متمدد في معظم الأحزاب، نموذجه الأبرز حزب "البام" وحزب العدالة والتنمية، بدليل موقفهما من قضية الأساتذة وقضية الهيني، وأطرافه أيضا بعض مكونات المجتمع المدني والنقابات وبعض وسائل الإعلام وداخل أجهزة الدولة نفسها، حيث يشن هذا المعسكر حربا ضروسا ضد أي رغبة في التغيير، لكونه مستفيدا من الوضع القائم، وبالتالي لا يريد التنازل عن ذرة من مصالحه الإقتصادية وسلطاته السياسية التي راكمها في ظروف تاريخية ملغومة، بناء على سياسة الريع ونهج أساليب التحكم والتسلط واحيانا التضليل فالإحتواء، ومن جهة اخرى معسكر حداثي، قاعدته الإجتماعية  في معظمها شبيبية بطبيعتها العمرية، تشكل غداة الثورة المعلوماتية التي تفجرت خاصة في العشرية الأخيرة، وهو معسكر يقاوم من أجل تعليم شعبي عمومي وسلطة قضائية مستقلة، في إطار دولة الحق والقانون والإحتكام إلى المؤسسات.

الطريقة التي أدارت ولازالت تدير بها الحكومة ملفي الأساتذة وقضية الهيني، وقبلهما ملف إصلاح أنظمة التقاعد، تشير إلى تعاون كبير بين أطراف ومكونات المعسكر الأول، وفي قضية الأساتذة يمكن تسجيل التناغم الواضح بين أعضاء الحكومة ورئاستها، عند التدخل العنيف يوم "الخميس الأسود"، وحتى إن بدا هناك تباين في التصريحات، فإنه لا يعدو سوى تباين من أجل التمويه والتضليل، مادام القانون لم يأخذ مجراه في حق الجناة في آخر المطاف.

كما أن التناغم الحاصل على مستوى الخروقات التي سجلتها هيئة دفاع القاضي الهيني في تقرير المقرر وكذا في تقرير المفتش العام في قضية الهيني، دون البث في هذه الخروقات رغم إشاعتها على نطاق واسع بين الرأي العام، تؤكد بشكل لا لبس فيه على أن القضية أكبر من وزير العدل وبأن مشكلة الهيني والرميد، كما سلفت الإشارة إلى ذلك، هي في العمق منازعة بين توجهين كبريين يخترقان المجتمع المغربي، يلعب فيها الرميد بصفته رئيسا سياسيا للسلطة القضائية دور الحفاظ على علاقة ثقة حميمية مع مؤسسة الدولة النافذة، كما يلعبها بنكيران في ملف الأستاذة المتدربين وملف إصلاح أنظمة التقاعد.

بنكيران والرميد يجران تاريخا مشبوها مع السلطة، والأخيرة تصر، وبذكاء بالغ، على إقناعهما بأنهما دوما مشبوه فيهما من الناحية الملكية والوطنية، وإن بالغا في بعث رسائل الطمأنة، لإجبارهما دوما على مزيد من التنازل لكسب ثقة المؤسسة النافذة، وأي معارضة من بنكيران على ما يجري ضد الأساتذة أو رفضه للوصفة المقدمة إليه لإصلاح أنظمة التقاعد، وأي رفض للرميد على مزيد من الإعتداء على حقوق القاضي الهيني، سيثير الشبهات مجددا حولهما وحول حزبهما، لهذا هما اليوم، مستعدان من أجل كسب هذه الثقة، ومن أجل درء تلك الشبهة، أن يلعبا أسخف الأدوار في المسرحية التي يشارك فيه الجميع، بل ومستعدان بأن يدوسا، وربما على "الحق في الحياة"، وليس فقط الحق في المحاكمة العادلة وضرب الأستاذة من اجل كسب هذه الثقة، خاصة وأن الانتخابات على الأبواب وهما يعلمان علم اليقين أن المؤسسة النافذة هي التي تُذِل من تشاء وترفع من تشاء في نتائج هذه الانتخابات.

فيا أساتذة الغد.. ويا قضاة الوطن الشرفاء.. ويا حقوقيي البلد النزهاء ويا صحافيي المغرب الأحرار اتحدوا على كلمة حق سواء، إن مصالحكم واحدة وإن مستقبلكم واحد، و"إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض... اللهم إنا قد بلغنا.. الله فاشهد".