في ظرف زمني وجيز جدا، ومع كامل الأسف والحسرة، دمرت الأمينة العامة للحزب الإشتراكي جزءًا مُهما من رأس المال الرمزي الكبير لحزبها، بعد أن "بناه" مناضلون شرفاء بكدهم ونضالهم المستميت.

فقبل أسابيع استُدعيت منيب للمشاركة في ندوة بالعرائش، فرفضت المشاركة بعلة أنها غير مستعدة لتبييض وجه "فاسد"، وتقصد وجه المصطفى المريزق، قيادي حزب "الأصالة والمعاصرة"، الذي كان مقررا أن يجلس إلى جانبها على منصة واحدة في الندوة، قبل أن تتهم المنظمين، بالمتاجرة بصورتها، بعد أن وضعوها على ملصق خاص بالإشهار عن الندوة، وحين أطلعها الموقع على كون المنظمين أعدوا لها هدية، قالت منيب: "غير يزيدوها فيهم"، مؤكدة على أنها لم توافق على المشاركة في الندوة وأن فرع حزبها هناك ليس ضمن لجنة المنظمين، بخلاف الأخيرين الذين أكدوا على أن فرع حزبها كان ضمن لجنة المنظمين، وبأنها فعلا وافقت على المشاركة، ما خلق أزمة كبيرة لبعض أعضاء فرع حزبها مع فرقاء آخرين كما خلق تصريحها أزمة داخل أوساط حقوقية في العرائش كان من تداعياتها حدوث تصدعات داخل بعض الهيئات الحقوقية وصلت حدود تقديم استقالة الحقوقي "محمد المتوكي" المعروف بـ"بيكاسو"، الأمر الذي دمر في الأخير جزء مهما من رأس المال الرمزي للحزب الإشتراكي الموحد، خاصة وسط العرائش.

وقبل أسبوع فقط نفت منيب عن الياس العماري أي قدرة على رئاسة الحكومة المغربية بحجة نقص شواهده المعرفية وأن مستواه هو "البروفي"، فوجد العماري في هذا التصريح فرصة لتأليب الرأي العام الوطني ضدها، عبر العزف على وتر حساس جدا، وهو الفقر، فبدا قريبا من البكاء وهو يتحدث في حوار مع "بديل" عن الظروف المادية التي حرمته من اتمام دراسته في مقابل الظروف المادية المساعدة على اتمام منيب لدراستها، دون أن ينسى تحميل الدولة مسؤوليتها في هذا المجال، ما أثار عاطفة العديد من الناس، الذين تضامنوا معه مقابل انزعاجهم من منيب، الأمر الذي دمر جزءًا مهما من رأس المال الرمزي للحزب، علما أن المتتبع للحوار سيخلص إلى أن أكبر مستفيد منه هو "الحزب الاشتراكي الموحد" نفسه.

وبدل أن تضمد منيب جراح الرأي العام، عمقت هذه الجراح بعد أن أهانت زوار موقع "بديل" بوصفهم " معندهم شغل أوْ لِّي مامشاوش للعطلة ولا مانعرف ليهم باش يْبْقاو يْجَرحوا في عباذ الله ويتكلموا بغير المفيد لأنهم، كيْخَافوا من نبيلة منيب، لأنها كتقول الكلام الواعرْ".

لم يمض على قولها هذا سوى يومين حتى وضع لسانها "الحزب الإشتراكي الموحد" من جديد فوق "عبوة" هي الأخطر من نوعها، حين اعتبرت في حوار مع موقع "الأول" حركة "أمل" مشروعا مخزنيا مواليا لحزب "البام"، علما أن حركة "أمل" هي حركة مدنية تشكلت مؤخرا من العديد من النشطاء بعضهم لا علاقة له باليسار وبعضهم يساريين إما ينحدرون من تجربة القاعديين أو لا علاقة لهم بهذه التجربة، مُتجاهلة تصريح لأحد قيادي الحركة، عبر فيه على دعم حركتهم في الانتخابات المقبلة للحزب الإشتراكي الموحد!

وطبعا لن تخف بقية القصة على من يعرف طبيعة القاعديين، الذين وقفوا في وجه الحسن الثاني في عز جبروته، فبالاحرى أن يقبلوا الركوع لإلياس أو حتى من هو فوق إلياس، في زمن توسع فيه قليلا هامش الديمقراطية، مقارنة مع فترة الحسن الثاني.

نبيلة منيب انسانة نظيفة وصادقة في نضالها وغيورة على حزبها ووطنها، هذه أمور ليس فيها شك، لكنها تعاني من خمسة نقائص على الأقل.

النقص الأول، أنها لا تقدر موقعها كأمينة عامة لحزب ورثته ناصعا يافعا، فتتصرف كأي مناضل داخل الحزب تحركه العواطف والانفعالات أكثر مما يحركه العقل والحسابات السياسية.

النقص الثاني، أنها لم تدرك بعد قيمة صورة الزعيم داخل المجتمع، وبالتالي فهي لا تعي أن المجتمع يتمثل "الحزب الإشتراكي الموحد" في شخصيتها، وبالنتيجة فأي خطأ صغير منها تكون تكلفته كبيرة على صورة ومصداقية الحزب. فحين يصف بنكيران العماري بـ"السلكوط" فهو لا يقول ذلك على سبيل العبث أو الترف، فهو يريد أن يقول للمغاربة إن حزب "البام" مجرد جماعة "ديال السلاكط" وتجربة "ديال السلاكط". كما أن ضعف حزب "الإستقلال" اليوم ليس مرده إلى ضعف برنامجه المجتمعي وفقط، بل مرده أيضا إلى ضعف قيادته الحالية وصورتها السلبية في مخيال الرأي العام، ونفس الشيء ينطبق على حزب "الإتحاد الإشتراكي" الذي دمرت صورة لشكر ما تبقى فيه من رصيد كما دمرت صورة بنعبد الله ما تبقى من رصيد أيضا في حزب "التقدم والإشتراكية"، لهذا كانت الخطة أن تعبد الطريق لمثل هؤلاء لقيادة أحزابهم حتى يظهر الفرق جليا بينهم وبين زعيم داهية يحول كل مركبات النقص في شخصيات خصومه إلى شهادات عليا لفائدته لا تضاهيها شهادة الدكتوراه في أي تخصص، عبر محاولة الظهور بمظهر الزعيم المتزن الهادئ الصبور الذي لا يرد على سباب خصومه ويختار مفرداته بعناية ويتحدث لغة شعبية بسيطة إلى الناس ولا تضايقه أصوله الفقيرة كابن فقيه ومربية للدجاج!

النقص الثالث أنها لم "تَتَربَّ" بما فيه الكفاية داخل تاريخ اليسار حتى تقدر مهمة التجميع المنوطة بها، وحتى تعرف طبيعة كل الفصائل اليسارية؛ فالذي يعرف القاعديين ويعرف حساسيتهم المفرطة تجاه شيء اسمه "المخزن"، يعرف أنه يستحيل أن يتواجدوا داخل حزب "البام" بعد أن شاع أنه حزب "المخزن"!

النقص الرابع أنها تعاني من غرور نضالي منقطع النظير، الأمر الذي يجعلها مستعدة لقول أي شيء ودون خوف من تبعات أي قول مادامت ترى نفسها قوية تخيف الناس وتقول " الكلام الواعر" حسب تعبيرها.

النقص الخامس، أنها لا تدير الحزب إلا بعقلية الاتهامات والصراع والخصومات التي لا تنتهي، وكل من اختلف معها أو انتقل للاشتغال داخل نقابة غير النقابة التي ترضى عنها فهو خائن ومتربص بالحزب وتابع لالياس العماري، وجب تجميد عضويته أو طرده كما حدث مع العديد من مناضليها، وربما لا تدرك أنها حين تفتح حروبا مجانية مع صحافيين بوصفهم بنعوث منحطة من قبيل "المدفوعي الأجر" من طرف جهات و"الدراري الصغار"، وتهين زوار موقع بوصفهم "بلاشغل ولا عطلة"، وعندما تتهكم على الوضعية المعرفية الناجمة عن وضعية اجتماعية لسياسي، وحين تُخِّون فاعلين مدنيين هم أكبر سند لحزبها، فإنها تصبح أكثر المتربصين بحزبها وأخطر من الياس العماري على مستقبل هذا الحزب.

السيدة منيب، بدل أن تخوضي حروبا دونكيشوطية لا طائل منها، أحرى بك أن تقولي للمغاربة لماذا أنتم مجتمعون في حزب؟ وكيف ستجيبون على أسئلة التشغيل والتعليم والسكن والصحة والحدود المغربية.. وحين تفعلين "والله وخا يجي الجن الزرق، ماشي غير الياس، ما يصور منكم شي حاجة"، وإذا لم تفعلي وواصلتِ حروبك المجانية، فنقول لك "عاش الحزب الإشتراكي الموحد..تسقط منيب"!