كثيرة تلك المشاعر، من الضيم والغبن، التي تغمر أفئدتنا، كمدافعين على حقوق الإنسان، ونستشعرها متغلغلة في قلوب الناس، ونحن نستمع لهمومهم ونتفحص تظلماتهم، إزاء حيثيات وخواتم التقاضي ببلادنا، حين ينقلب الحق باطلا، والباطل حقا، ويصير الظالم مظلوما، والمظلوم ظالما، فدفعتني تلك المشاعر، دفعا وقسرا، إلى استقراء هذا الواقع المرير، عبر تحليل الأحكام في أبعادها ومغازيها، عساني أستوعب لغة التقاضي، وأتلمس منعرجاتها وحفرها، الظاهر منها والباطن، في محاولة لوضع اليد على موطن الداء في منظومة العدالة ببلادنا، وعلى طبيعته ومسالكه.
لكن، تكاد تكون المهمة شبه مستحيلة، لما يشوبها من بواعث النقص، موضوعيا وذاتيا، تجعلني أدفع بالاعتراف بأن أي تظلم يلجأ به شخص إليك، لا يستقيم وصفه أو تصدق روايته، حين تتشابك في ذهنك خيوط قضيته، وأنت تطالع روايتها من زاوية الآخر، ويشتد التشابك تعقيدا حين تستقي تفاصيلها بين دفات صك الاتهام والحكم، من سرد للوقائع إلى تعليل إلى إصدار الحكم، إلا أنني، بعد الاستقراء والتفكير في إشكالية المتشابه في التقاضي ببلادنا، واختزالا، في المعنى والمغزى، لسيل ممن قدر لي أن يمر حالهم على مسمعي وبصري، ولامس حسي شيئا من أوجاعهم، دفعني الأمر إلى تبخيس هذه المخاوف، والحديث عن حجم الهموم التي باتت تلازمني، وأنا أتلقى سيلا جارفا من الشكاوى والهموم، ويزيد شعوري ألما، حين أجدني بلا حول ولا قوة، اللهم كتابا إلى هذا المسؤول أو ذاك، ثم ما ألبث أن أنسى القضية، لأن التي تأتي من بعدها، لا تترك لي فرصة الرجوع لما قبلها، إلا بعدما يذكرني المتظلم مرة أخرى، ثم أجد في نفسي حرجا، وأوكل أمري لخالق العدل ومحرم الظلم على نفسه، عسى يجد الفرج لتظلمه سبيلا، وبالمناسبة، أقدم كل التحية والاحترام والتقدير لكل مسؤول، في القضاء أو غيره من المؤسسات، رق فؤاده لتظلم المظلوم فاهتدى بتفاعله نحو العدل ختم القضية.
لا يختلف إتنان في كون القاضي، لا يحكم بما يعلم، بل بناء على ما لديه من وثائق ومستندات ودفوعات، وهذه قاعدة جوهرية في القوانين الوضعية لدى الدول، الديمقراطية منها على الأقل، وإن كان الأمر نسبيا وبصورة متفاوتة.
ثم لا يختلف إتنان في أن لطبيعة الدفاع، في أداءه، بين القوة والضعف، وفي وزنه ومكانته، من سعة خبرته ومعارفه، وفي مدى نزاهته ومصداقيته، الدور الحيوي في عملية التقاضي.
كما لا يختلف إتنان في أن من يملك الحجج الموثقة، يجر الحق لجهته، ويبقى العدل الحق معلقا بين السماء والأرض.
هذه العوامل يمكن اعتبارها عوامل موضوعية إلى حد ما، لكن تتمترس بظهرها، عوامل أخرى، لكنها من جنس الفساد، فحين يجبر قاض ما على الحكم بناء على تعليمات فوقية، نادرا ما يستعصم بالتقوى أو المبادئ، فيملك في مقابل خدماته تلك نفوذا وسطوة، ويبسط يده على حقوق البسطاء من الناس تسلطا وسحقا وسلبا.
كما أن صفقات الممنوعات بمنطوق القانون، وسقوط أبطالها بين يدي القضاء، يمنح أطراف منظومة العدالة صيدا ثمينا، يسيل لعاب من لا لعاب له، لأن ترهل البناء المؤسساتي، في ظل القوة الضاربة التي يتمتع بها، بفعل ضعف أو انعدام المراقبة والافتحاص الدوري للقضايا، يفتح المجال لكل الممارسات، التي تتراكم وتصبح بحد ذاتها سلوكا نمطيا، عصيا على التغيير، ثم لا يقتصر على القاضي بل يمتد ليشمل حتى المتقاضين، وفوق كل هذا، لا ينبغي أن ننسى بأن مجتمعنا أضحى يعيش على التهافت والسباق المحموم من أجل الإثراء السريع، وبشكل يكاد يكون هستيريا، كما أن حدة الإدمان التي أصابت بشرية القرن الواحد والعشرين، جعلت الإنسان يلهث وراء الاستمتاع بنعم الآخر والاستحواذ على موارد الآخرين، كل قدر ما تمتد إليه يداه.
وفي قراءة لتجليات هذه الآفة، أستعرض بعض الظواهر كما يلي :
قد يعلم القاضي علم اليقين بأن صاحب القوة الحجية ورقيا، ظالما أفاكا، صنع الوثيقة في جنح الظلام، بتواطؤ من ذوي السلطة والنفوذ، وفي غفلة من صاحب أو أصحاب الحق، لكنه، وحيث له في القضية مآرب ومنافع، يلتزم بما في الأوراق من حجية، ويحكم بعد تكييف التهمة وتحديد فصول القانون التي يتوجب الحكم بمقتضاها، ولنا في قضايا نهب عقارات وأملاك البسطاء أمثلة لا حصر لها، وقد اطلعت على حالات لعديد من أثرياء الفساد، وضعوا أيديهم على أراضي، ضمتها الدولة لخزائنها في عهد من العهود المظلمة السابقة، ويقطنها بسطاء، يكابدون قوت يومهم بشق الأنفس، ثم يستفيد هؤلاء المفسدون من تفويتها لفائدتهم بجرة قلم من قبل مسؤولين عديمي الضمير الإنساني والاجتماعي والوطني، وهؤلاء يقدمون على فعلتهم مادام القانون يسمح لهم بذلك، فيما وضع آخرون أيديهم على عقارات استحوذ عليها المعمرون في زمن الاستعمار، فيبحثون عن ذويهم بدولهم الأصلية، بفرنسا أو إسبانيا، وفي غلفة من قاطنيها، حتى يطالبوهم على حين غرة بضرورة الإفراغ من العقار، ثم يسلكون مسلك القضاء لانتزاع ما أضحى حقهم، وقد تطول مدة التقاضي، إلى حين استصدار أحكام، تصبح نافذة لا رجعة فيها،
وقد صادفت كتابتي لهذا المقال، قضية مشابهة لهذا الظلم المركب، والتشريد الممنهج، الذي يحصل ببلادنا بأوامر قضائية، ما جرى لعائلة يبدر، المشكلة من 13 فردا، بدوار لغلاليس، على الحدود بين المغرب والجزائر، حيث غادرت الأسرة برمتها أرض الوطن إلى التراب الجزائري، جراء الظلم الذي لحقها دون أن تجد إلى من توجه لهم الشكوى، وإن كان الاختيار غير سليم، لكن إذا ما بحث أي شخص منا، سيجد شبيه ما تعرضت له هذه الأسرة لدى آلاف الأسر وليس المئات فقط، عبر التراب الوطني، دون استثناء أو تجزيء، فلا مبالغة في هذا التقدير، ولا مجال للكذب أو إخفاء هذا الظلم، الذي حرمه الله على نفسه، وجعله بين الناس محرما.
ثم آتي إلى أمر آخر، حيث قد تدفع للمترافع، صاحب البذلة السوداء، مع كل الاحترام والتقدير لممتهني مهنة المحاماة النبيلة، حين تجد القدر قد ألقى قضيتك بين يدي محام عديم الضمير، نموذج من نماذج، يزكم فسادها وأفاعيلها الجهنمية واللاأخلاقية الأنوف، حيث تجده قد أهمل قضيتك، أو قد باعها في تواطؤ مشبوه، أو قد بالغ في ابتزازك، أو أجبرك على تقديم أتعاب إضافية لتقديمها لأطراف أخرى ضمن منظومة العدالة، لأن الغريب في هذه المهنة الحرة، حتى لو كان، على سبيل الاحتمال، لو تورط في دور الوسيط في رشوة ما، فإن كل ما يتسلمه يصنف أتعاب، التي لا حدود لها، لا قانونيا وعمليا، في ظل غياب مراقبة مؤسساتية صارمة، وتفشي الجهل بلغة القانون في المجتمع.
وذات النماذج "القليلة طبعا"، في مقابل ما تتسلمه من أموال (أتعاب)، لا تجد في نفسها حرجا، أن تدافع على سفاحين أو نصابين أو ناهبي للمال العام، وتسعى جاهدة، مجتهدة، إلى لي عنق العدالة والالتفاف على القوانين، لإخراج الظالم بريئا، أو للتخفيف من وطأة جرمه، وفي الكثير من الحالات، يمضي القاضي في تحديد بوصلة العدالة بما يخدم مصلحة هذه الأصناف من البشر.
أتذكر مواطنة أرملة، نهب أحد أقارب زوجها كل ما ترك زوجها من إرث لها ولأبنائها الخمسة، فلما طرقت الأبواب، وجدتها موصدة، موظفو العمالة متواطئون، موظفو البلدية متواطئون، مسؤولو مديرية الأملاك المخزنية كذلك، والقضاء غير قادر على فرز الخيط الأبيض من الأسود، وحتى حين قضى بحقها فيما ترك بعلها، ضاع الحق بين دهاليز مؤسسات عمومية، ليس فيها من يكترث للأحكام، لأن المسؤولية لن تكون شخصية، على الرغم من أن مقترفي جريمة نهب أراضيها أشخاص بعينهم، تعرفهم الأرملة فردا فردا، وقد رمى بها الظلم نحو براثن الفقر والفاقة، بسبب أنها امرأة مهيضة الجناح، وقد أصابها ما أصابها من أمراض نفسية وعضوية، لم تعد تقوى بسببها على الحركة، وباتت شكواها ودعواها للعلي القدير، أن يأخذ حقها وحق أبناءها.
ثمة إشكال آخر من إشكالات الفساد، فقد يختفي من ملفك مستندا أو حجة أو غيرها، مما يعزز حقك ومشروعيته، ولا تدري متى وكيف حصل ومن تورط في ذلك، إلا حين تجد نفسك وقد قضت المحكمة في القضية، وقضت على حلمك في استرجاع حقك المسلوب، بعدما أصبح مسلوبا رسميا وبقوة القانون.
وربما قد تكون كل الوقائع والمستندات لصالحك، فمطاطية القوانين ونسبية قراءتها وتأويلها، تدفع كثيرا من الناس، في ظل اللاثقة المتنامية في التقاضي ببلادنا، إلى أن يدفعوا لصون حقهم، القابل للنهب والهدر بجرة قلم، هنا بالضبط أستشعر هول الكارثة في منظومة العدالة، جريمة أكل أموال الناس بالباطل، لا غبار عليها.
وحيث أن منظومة التقاضي طويلة ولا تقتصر على دهاليز المحكمة، أتذكر مواطنا خبيرا بالدهاليز، أخبرني بأن ثمة شبكة تحوم بفضاء كل مؤسسة قضائية، ابتدائية كانت أو استئنافية، مهمتها الشهادة بالزور بمقابل مادي سخي، وشهاداتهم تجدها متكررة في أكثر من ملف، في يوم واحد أو على الأقل في أسبوع، ثم تساءلت معه بسذاجة، ألا يسترعي الأمر انتباه القائمين على الأحكام؟؟؟؟، ثم استطرد : بدلا أن تسألني عن ذلك، أو تطلب مني مثالا لمؤسسة قضائية، أتحداك أن تعطيني مؤسسة واحدة، لا يلتف حولها سماسرتها وشهود الزور المتخصصون، وأتحداك أن تخبرني بأنهم ليسوا على علم بذلك.
أتذكر مالك قيسارية، بمدينة المحمدية، نصب على ستة عشر رب أسرة، اقتنوا المحلات التجارية فور بنائها من قبله، بطريقة تدليسية جهنمية، من خلال الاستعانة بمكتب للمعاملات العقارية، حيث أضحوا مكترون، بعدما كانوا قد اقتنو محلاتهم على سبيل الشراء، فظل يقاضي واحدا تلو الآخر، والمحكمة تحكم لصالحه تارة وتحكم ضده تارة أخرى، لكنه يعاود الكرة حتى يستصدر الأحكام لفائدته، ويقحم أبناءه وبناته في المؤامرة، ونتيجة الأمر، أن أحد المستفيدين من المحلات التجارية توفي نتيجة مضاعفات الأزمة النفسية التي أمت به، وآخر أصيب بالجنون، لكن القضاء يتعاطى مع كل حالة على حدة، ولا يكترث للممارسات الجهنمية لهذا الشخص، الذي يتلاعب بحقوق الناس، عن طريق شراء الذمم، في منظومة، كان لزاما عليها أن تصون حقوق الناس، بدل هدرها بقوة القانون، لأن كل محاولات تنبيه القضاء بخطورة أفاعيل هذا الشخص، باتت كصيحة في واد، فالتقيد بمنطوق القانون يسمو على الحق مهما كان حقا، ويفقد للعدالة جوهرها.
ثم حين تطبخ المحاضر لدى يعض الوجوه "المقزدرة" ممن كتب لهم أن ينخرطوا في سلك الشرطة القضائية، ويقوموا بتحوير الوقائع تحويرا يروم جهة من يدفع أكثر، ذلك الطبخ الذي يصنع المآسي لدى الأسر، حين تتوازى التهم بين معتدي ومعتدى عليه، و حين تلفق ببساطة، تهم باطلة لأناس أبرياء، فيضيع مستقبلهم هباء، في جريمة تزوير أو ادعاء أو تلفيق، والمصيبة أن المتورطين في هكذا ممارسات، أضحت لديهم مناعة نفسية وعاطفية، إزاء ما يقترفونه من جرائم، فلا يكترثون لجرائمهم، لأنهم أضحوا ينسون ضحاياهم عبر تناول النبيذ صباح مساء، فلا يهتز لهم جفن مما تصنع أيديهم.
أستحضر هنا قضية تزوير في شهادة ثلاثة شهود خلال الأيام القليلة الماضية، ضمن محضر صنع متهمين ومجرمين من لاشيء، بمدينة سيدي يحيى الغرب، حيث قدم أحد ضباط الدائرة الأمنية بالمدينة محضرا للنيابة العامة بابتدائية سيدي سليمان، يتضمن أقوالا لا علاقة لها بالواقع في قضية أسرة، ذاقت درعا من فساد وسمعة إحدى بناتها، المستقرة بمدينة طنجة، مما دفع الإبن المهاجر بالديار الاسبانية إلى مطالبة والديه بالرحيل من الحي واكتراء منزل آخر، ومنع شقيقته من الوصول إليه، لكن صاحبنا، المتمتع بالصفة الضبطية، والذي يرتبط بتلك الفتاة كما يروج أهل الأسرة وبعض المواطنين، أبى إلا أن يجعل رحيل الأسرة من المنزل السابق جريمة سرقة لأثاث الفتاة، مما جعل وكيل الملك يأمر باعتقال الشقيق وابن عمه، ليشفي غليل الخليلة، التي أضحت تتبجح برمي شقيقها وابن عمها في السجن، وقد سلم الشهود إشهادات مصادق عليها على المركز المغربي لحقوق الإنسان، ينكرون ما تضمنته المحاضر من أقوال منسوبة إليهم.
وأعود لأذكر بما أضحى من أبرز مظاهر الفساد المستشري في منظومة العدالة، ما أصبحنا نعاينه من وجود وتنامي خطيرين لممتهني النصب والاحتيال، يلعبون دور السمسرة والوساطة الفاسدة بين المتقاضين وبين ذوي النفوذ في منظومة العدالة، يتسلمون أموالا طائلة، تذهب إلى جيوبهم وجيوب المتنفذين.
كما لا أخفي سرا، تساؤلي في الكثير من الأحيان، حول المبررات النفسية لهذا الواقع الفاسد الأليم، حين أستشعر نفسية قاض ما، يملك ناصية الأمر بين متقاضيين، يتقاضى أجرا محددا في الشهر، حين يرى نفسه كيف أن طرفا آخر، في منظومة العدالة، لمجرد الترافع، يتسلم أمولا غير محصورة، باعتبارها مهنة حرة، فتدفع القاضي إلى الشعور بالغبن إزاء هذه المنظومة غير الموضوعية، مما يدفعه نفسيا وسلوكيا إلى الانخراط في معمعة الفساد، فيؤدي العدل ثمن هذا الفساد المسترسل، ويؤدي أصحاب الحقوق ثمنا له كذلك، فلأن الجميع بات مقتنعا بأن المال يصنع الحق حتميا، لكن العدل لوحده لن يأتيك بالحق تلقائيا.
لذلك، أكاد أجزم، بأن ما باتت تعيشه منظومة العدالة ببلادنا من تفشي لمظاهر النصب وتزوير الوقائع وقلب الحقائق رأسا على عقب، جعل المفسدين والنصابين يقبلون على جرائمهم بنهم، ولم تعد القوانين رادعة لهم، وأضحى فاضحو الفساد، تحت رحمة مفسدين أو زملاء لهم، في إطار التضامن المهني، وباتوا ضحية مؤامرات، تجرهم نحو الانتقام بمتابعات قضائية.
أستحضر هنا قضية قاض انتحر منذ أقل من سنة، بعدما ثم ضبطه متلبسا بتسلم رشوة، حيث أن صاحب الدعوى، الذي تعرض لابتزاز القاضي الراحل، كان محط استهداف ممنهج من قبل زملاء القاضي، والمصيبة أنه ثمت متابعته في قضية من أغرب القضايا، حيث اتهم بتقديم وثيقة مزورة في مقال، مع العلم أن الوثيقة مجرد نسخة شمسية، لشهادة رسمية غير مكتملة (وليست مزورة)، معنونة ب : حق التصرف في أرض زراعية، موقعة من كل من نواب أراضي الجموع ومن المقدم، إلا أن قائد المنطقة، امتنع عن توقيع الوثيقة، لأنه لم ولن يحاسب على حرمان مواطن من حقه القانوني، حيث كانت النسخة مدرجة ضمن ملف في قضية، لم يكن إسمه مدرجا فيها على الإطلاق، لتتم متابعته والحكم عليه، ابتدائيا واستئنافيا بخمسة أشهر حبسا نافذا.
مختصر القول فيما سلف، أن القضاء في المغرب، يتوخى تطبيق القانون، وهذه الجملة، المشكلة من ثلاث كلمات، فيها من الحمولة الشيء الكثير، فالإنصاف والعدل نتيجة لهذا التوخي، تتحقق بمقاربة نسبية لا منطق يحكمها، فبين تطبيق القانون وإحقاق الحق مشوار طويل، ذو مسالك، مليئة بالمنعرجات والحفر، تجعلها محفوفة بالمخاطر من كل حدب وصوب.
فالقانون بحد ذاته مطاطي، وتفصيله للجريمة وللعقاب يحتمل هامشا واسعا وموسعا من التأويل والقراءة والاستقراء.
والسلطة المخولة للنيابة العامة، سمحت لبعض الأشخاص، أن يمارسوا سادية من نوع بشع، تخرج في أفواه البعض منهم كلمات ساقطة تحقيرية في حق المواطنين البسطاء، ويعطوا أوامر بالاعتقال بسبب تهم ملفقة أو مفبركة، رغم المناشدة المتكررة بضرورة ترشيد الاعتقال الاحتياطي وتقليل المتابعات في حالة اعتقال.
والسلطة التقديرية، المخولة لقضاة الحكم، وفرت فرصا لبعض الأشخاص، من عديمي الضمير الإنساني والوطني، الدوس على كرامة الناس، والإصرار على إصدار أحكام، مليئة بالنزعة الانتقامية والتحريضية، وهذا ما يدفع الكثير من الناس إلى أن يأخذوا ثأرهم بأيديهم، حين يجدوا أنفسهم وقد انتزعت منهم حقوقهم أو سلبت حرياتهم بأحكام جائرة، إزاء جرائم لم يقترفوها، أو إزاء تهم لفقت لهم ظلما وعدوانا، او إزاء ردود أفعال قاموا بها، جراء تعرض حقوقهم للنهب او للاعتداء، ويؤجج ذلك جهل الناس بمفهوم دولة القانون.
إنه واقع مرير، يجعلنا نعترف بأن التقاضي ببلادنا بحاجة إلى إعادة النظر في الرؤية وفي بنية التقاضي، قبل الدخول إلى دهاليز العدالة، وقبل الحديث عن إعادة النظر في الترسانة القانونية.
وقد استرعى انتباهي كثير من القضايا، المعروضة على القضاء، يتم اختلاقها، بسبب الفساد المستشري في الكثير من المؤسسات، حيث هناك من يستشعر قدرته على اكتساب الحكم لصالحه، بعد فبركة الوثائق التي تفيد بأحقيته فيما يسعى للاستحواذ عليه.
وهناك قضايا بالآلاف، كان من الضروري إحالتها على مسطرة الوساطة والتحكيم، بدل إحالتها مباشرة على القضاء التقليدي، وقد قمت شخصيا بإجراء بحث في نماذج التقاضي في الدول المتقدمة، تبين لي كيف أن السر في قلة القضايا المعروضة على القضاء، يكمن أولا في السلوك المواطناتي بين المواطنين في الدول الديمقراطية، وقناعة الجميع بأن يد القانون تقطع تلك التي تمتد لحق الغير. وثانيا، في سلك الأطراف المتنازعة مسطرة الوساطة والتحكيم الخاص، اللذان باتا يلعبان دورا حيويا في تخفيف العبء على القضاء التقليدي، خاصة إذا ما علمنا بأن فض النزاعات بالوسائل البديلة، عبر الوساطة والتحكيم، يتوخى العدالة أكثر من توخي تطبيق القانون، وهنا تكمن سلاسة فض الخلافات لدى الدول الديمقراطية، وغياب الضغط الهائل على القضاء لديها، مقارنة مع ما يعانيه القضاء المغربي، مع كم القضايا المعروضة عليه، تجعل الكثير من الأحكام، ضحية نسخ ولصق " copier-coller "، فتجد الوقائع في واد والتعليل في واد، والحكم في واد آخر، حيث أن حقوق المتقاضين تصبح مجرد أرقام.
لقد بات لزاما على وزارة العدل والحريات، والدولة برمتها، سن تشريع، يجبر المتقاضين، ضمن مستوى معين من الخلاف، وبمعايير محددة قانونيا ومؤسساتيا، اللجوء إلى مؤسسات الوساطة والتحكيم، ذات المصداقية والاعتماد القانوني، بغية العمل على فض النزاعات بالوسائل البديلة، وألا يتم اللجوء إلى القضاء التقليدي إلا بعد استنفاذ السبل السالفة الذكر، حتى إذا ما تسلم القضاء التقليدي النزاع ليبث فيه، يسترشد بما يقدمه تقرير الوسيط أو المحكم، من معطيات حول بواطن القضية، يستطيع على ضوئها، فرز الظالم من المظلوم.
عبد الإله الخضري
رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان