لازالت تداعيات الرسالة التي وجهها مصطفى الخلفي وزير الإتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، (لازالت) تُرخي بظلالها على الوضع الحقوقي بالمغرب، وتُثير ردود فعل في أوساط عدد من التنظيمات الحقوقية التي انتقدت بشدة ما ورد في الرسالة التي اتهم فيها المغرب المنظمة الدولية بإنجاز تقارير معادية له ولمؤسساته في مجال حقوق الإنسان.

وفي هذا الصدد قال محمد السكتاوي، المدير العام لفرع منظمة العفو الدولية "أمنستي" بالمغرب:"إنه من المعلوم أن علاقة الحكومة المغربية بالمنظمات الحقوقية الدولية غير مبنية على تقدير الجهود المبذولة في سبيل النهوض باوضاع حقوق الإنسان بالمغرب، فمثلا التقرير الذي تقدمت به "أمنيستي" مؤخرا حول ظاهرة التعذيب للحكومة المغربية اعتبرته هذه الأخيرة تبخيسا لمجهودات الدولة، متهمة المنظمة بعدم تقصي الحقائق وخروج تقراريها عن جادة الصواب باعتمادها على وقائع ومعطيات غير سليمة".

وأضاف السكتاوي خلال حديثه لـ"بديل":"إننا دأبنا كباقي المنظمات الدولية قبل إصدار تقارير حقوقية على عرضها على الحكومة المغربية، وإدراج تعليقاتها ضمن هذه التقارير، لكن للأسف عوض أن يكون التعامل موضوعيا عن طريف الرد بأسلوب هادئ وقائم على معطيات حاسمة وقاطعة، (عوض ذلك) تلجأ السلطات إلى الطريق السهل وهو الطعن في هذه المنظمات".

وأكد السكتاوي، "أن ما ينطبق على أمنيستي، ينطبق أيضا على كل المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية بما فيها هيومن رايتس ووتش التي لا أحد يشكك في مصداقيتها، بحكم السمعة التي تحظى بها في مجال إجراء الأبحاث والتقارير الحقوقية عبر العالم"، مؤكدا أن الخاسر الأكبر من هذا كله هو المغرب، رغم أنه قطع أشواطا في تحسين سجله الحقوقي".

وكَحَلٍّ لهذه القطيعة التي تلوح في الأفق بين المنظمات الحقوقية و السلطات المغربية، اقترح السكتاوي، على الدولة المغربية "التعاون والإنفتاح على المنظمات الدولية ومجادلتها من خلال المعطيات الدامغة، مشيرا إلى أن قطع العلاقات مع هذه الهيئات لن يفيد المغرب في شيء، لأنها (المنظمات) لن تموت وستستمر في الوجود على المستوى الدولي عن طريق إصدار تقاريرها".

وفي نفس السياق قال أحمد الهايج، رئيس "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان":"إن هذه الرسالة تدخل في إطار الحملة التي تقوم بها الدولة المغربية ضد كل الهيئات والمنظمات التي لا تشاطرها نفس التقييم في ما يخص وضعية حقوق الإنسان ببلادنا، وبالتالي فهي (الرسالة) لا تخرج عن ما تعرضت له ولازالت الجمعيات الحقوقية، والصحافة المستقلة".

وأضاف الهايج في تصريح لـ"بديل"، أن "الدولة المغربية وصلت إلى مستوى لم تعد فيه تطيق أن تُوَجَّه إليها انتقادات في ما يخص الاوضاع الحقوقية والغاية من مثل هذه الممارسات هي إسكات والضغط على هذه المنظمة حتى لا تستمر في تقديم تقييماتها المستقلة"، مستبعدا أن تكون لهذه الرسالة أية علاقة بالأزمة القائمة حاليا بين المغرب ودولة السويد رغم تزامنها معها.

وأردف الهايج "أنه بهذه الطريقة التي تتعامل بها الدولة المغربية مع المنظمات الحقوقية، لا أعتقد أن منظمة أو هيئة ستقبل الإشتغال بالمغرب مستقبلا"، مؤكدا أن المغرب بدوره هو "الخاسر الأكبر من التضييق على المنظمات الحقوقية، لأن عوض إصلاح الأوضاع فهو يزيد الطين بلة عن طريق ادعاء عدم شفافية المنظمات الحقوقية".

وأشار الهايج، إلى أن المكتب التنفيذي "للجمعية المغربية لحقوق الإنسان يتدارس في القريب العاجل صيغة للرد على رسالة الوزير الخلفي، كشكل تضامني مع منظمة "هيومن رايتس ووتش".

وفي ذات السياق قال عبد الإله الخضري، رئيس "المركز المغربي لحقوق الإنسان":"إن عزم الحكومة المغربية قطع علاقتها مع منظمة "هيومن رايتس ووتش" هو قرار مرفوض لا يخدم مسار تطوير حقوق الإنسان ببلادنا، حتى لو كانت تقارير المنظمة تتضمن إساءة لوحدتنا الترابية، لأن الأمر يحتاج لتعميق البحث حول كيفية اشتغال المنظمة وأدواتها وطبيعة مصاردها، حتى يتسنى لنا تقديم وجهات نظرنا كمجتمع مدني في مواجهة ادعاءات تقاريرها، لأن المنظمة حتى لو منعت من ممارسة أنشطتها داخل المغرب، فستستمر في الاشتغال على المغرب، لكن بطرق ملتوية شديدة العدائية".

وزاد الخضري، في اتصال مع "بديل":"نتمنى أن تتاح لنا فرصة التواصل مع المنظمة ومحاججتها ضد ما تدعيه تقاريها حول الأقاليم الصحراوية، كمجتمع مدني مستقل، لكن للأسف نحن نُحارب، ويتم اختراقنا وإضعافنا كمنظمات مستقلة، ويتم تشجيع أشخاص عديمي المبادئ والأخلاق وعديمي الموضوعية للسطو على المنظمات الحقوقية الجادة، وهذا السلوك لن ينفع المغرب في شيء".

وأوضح الناشط الحقوقي، أن "هناك احتمال وارد بأن يكون هناك تأثير لأشخاص مغاربة من داخل المنظمة الدولية، لهم مواقف سياسية عدائية مسبقة ضد المغرب، فرغم عدم وجود ما يؤكد ذلك، إلا أن هناك سبلا عديدة لكشف نوازعهم غير الديمقراطية وتعريتها أمام الرأي العام الدولي"، لكن بالمقابل، يقول الخضري:" علينا أن نمضي قدما في مسيرة احترام حقوق الإنسان، في كل ربوع الوطن، حتى لا نعطي لهؤلاء ولأمثالهم ذرائع وفرص الإساءة إلى المغرب، سواء من داخل منظمة هيومن رايتس ووتش أو من خارجها، ممن ينصبون العداء للمغرب".

وأكد ذات المتحدث أن نصب العداء للمنظمات الحقوقية الدولية "لن يزيد سمعة المغرب إلا سوء، خاصة وأن التحديات التي تواجهنا تحديات مشتركة، تُساءل إنجاح مشروع النهضة الديمقراطية ببلادنا، وبناء دولة المؤسسات، دولة قوية بشعبها، وفي نفس الوقت تدعم احترام الدول والشعوب الأخرى لنا نحن كمواطنين مغاربة وككيان ".