بديل ـ عن موقع "هنا صوتك"

علي أنوزلا ـ ما الفرق بين صور الملك محمد السادس التي التقطها في شوارع تونس مع مواطنين تونسيين بسطاء، أثناء زيارته الأخيرة لهذا البلد مطلع يونيو الماضي، وصوره التي نقلها التلفزيون الرسمي المغربي يوم الخميس 31 يوليو الماضي، بمناسبة ما يسمى في المغرب بـ"حفل الولاء"؟الصور الأولى تظهر شخصا عاديا يقف إلى جانب مواطنين تونسيين عاديين أيضا، في الشارع العام، بدون حراسة ظاهرة، أو أي مظهر من مظاهر البروتوكول المبالغ فيها، التي عادة ما ترافق تنقلات الملك داخل المغرب.

أما الصور الثانية فتظهر شخصا آخر، شخص يخرج من كتب التاريخ التي تعود إلى القرون الوسطى. شخص يقف فوق سيارته الليموزين المكشوفة، وأمامه تمتد صفوف طويلة من الأشخاص بلون أبيض موحد، وهم يركعون أمامه في حركات تدل على الخضوع والطاعة القريبين من طقوس العبودية.

الصور الأولى تم تسريبها للاستهلاك الخارجي، وحتى عندما أقدمت قناة تلفزيونية رسمية مغربية على بثها ضمن أحد برامجها الدعائية عن زيارة العاهل المغربي إلى تونس، تلقت توبيخا واضحا وعلنيا من القصر الملكي، واضطر مسؤولو القناة إلى تقديم اعتذار رسمي وعلني للقصر، مع تعهد واضح بعدم تكرار الخطأ! وهو أمر نادرا ما يصدر عن مسؤولي قناة باتت متخصصة في الدعاية الفجة للسلطة، وفي تنظيم حملات ممنهجة لتشويه سمعة المعارضين وتبخيس كل نشاط، كيفما كانت طبيعته، لا يروق لمزاج السلطة.

أما الصور الثانية فهي مٌعِدَّة وموجهة بالأساس للاستهلاك الداخلي، لذلك يتم نقلها مباشرة على شاشات القنوات والإذاعات الرسمية وعبر وكالة الأنباء الرسمية، وفرضها على المشاهدين والمستمعين في ساعة الذروة.

وما بين هذه الصور المتناقضة تكمن المفارقة: صور ملك عصري بالجينز ونظارات شمسية يتحرك بحرية في الشارع العام مثل أيها الناس. وصور ملك خارج من كتب تاريخ العصور الوسطى، بلباس تقليدي يحفه العبيد والخدم من كل حدب وصوب، ويركع أمامه منتخبو وأعيان الأمة. تلك هي إحدى مفارقة الملك الذي يريد أن يعيش داخل عصره في جلباب وبطقوس تعود إلى عصور غابرة.

إنها صورة التناقض الكبير الذي تجسده طبيعة النظام في المغرب، والتي تعكس نوعا من "الشيزوفرينيا" في سيكولوجية بنية هذا النظام. نظام يريد أن يقدم نفسه للخارج كنموذج حداثي عصري وديمقراطي، ويتمسك، في الوقت نفسه، بكل مظاهر النظم الثيوقراطية التقليدية أمام مواطنيه أو بالأحرى "رعاياه".

في الدستور الجديد، الذي تم اعتماده على خلفية الحراك الشعبي في المغرب، بتأثير من رياح "الربيع العربي"، تم حذف كلمة "مقدس" كإحدى الصفات التي كان يوصف بها شخص الملك، لكن ذلك التغيير الشكلي والطفيف طال فقط النص، فيما ظل الملك "مقدسا" على أرض الواقع. إنها الصورة الأخرى الصادمة، لتناقضات الإصلاحات المغربية التي كلما خطت خطوة واحدة إلى الأمام تراجعت خطوتين إلى الخلف!