حميد المهدوي ـ قرار الملك ضد اوزين يعكس نضجا كبيرا في تفاعل المؤسسة الملكية مع إرادة الشعب المغربي، وبالتالي لا يمكن لأي لبيب ومُحب لهذه البلاد إلا أن يصفق له وينوه به، غير أن هذا لا يمنع من إبداء جملة من الملاحظات على هذا القرار.

أولا، كان هذا القرار سيكون أقوى مما هو عليه اليوم، لو أمرت المؤسسة الملكية بفتح تحقيق مع هذا الوزير، منذ أن اتهم في "ذمته الأكاديمية"، حين شككت مجلة "الآن" في شواهده الدراسية، فالأمر ليس هينا، وربما يتذكر البعض كيف استقال وزير الدفاع الألماني كارل تيودور تسو غوتنبرغ يوم الثلاثاء 1 مارس من سنة 2011، فقط لاتهامه بـ"سرقة" عبارات قليلة، وتضمينها في اطروحته لنيل دكتوراه في القانون.

ثانيا، كان سيكون هذا القرار أقوى أيضا،  لو سبقه قرار ضد الوزير عبد العظيم الكروج بعد أن اشترى "الشكولاطة" لحفل خاص به، من المال العام، وهو فعل لا يقل خطورة عن الفعل المفترض لوزير الشباب والرياضة، ولم يُعف من مهامه ولا فُتِح معه تحقيق كأضعف الإيمان، كما هو شأن المسؤولين عن سقوط القناطر، قبل وفاة المواطنين، دون أن ننسى وفاة 11 مغربيا بـ"حي النهضة" في حفل موازين، خاصة بعد أن تبث أن وزيرة الشباب والرياضة سابقا نوال المتوكل رفضت تسلم ملعب "الأمير مولاي الحسن" لافتقاده مواصفات ملعب، فمن هو الوزير الذي قبل تسلمه، وفي أي ظروف تم ذلك؟

ثالثا، على المؤسسة الملكية أن تقتنع أن صمام الأمان لها وللوطن ضد "داعش" و"الإرهاب" وضد كل من تعتبرهم خصومها وخصوم الوطن، هي مثل هذه القرارات الجريئة، بدليل التفاعل والترحيب الكبير الذي حظي به القرار ضد أوزين من لدن الشعب، فمثل هذه القرارات وحدها تكسبها شرعية أكبر، وتسحب البساط من تحت أقدام خصومها في الداخل والخارج، أما الرهان على الأجهزة والمقاربات الأمنية فهو رهان خاسر، وعمره قصير مهما طال به الزمن، ولنا في دول الجوار عبرة لمن لا يعتبر.

رابعا، كان على هذا القرار الملكي أن يتأخر قليلا إلى ما بعد يوم الثلاثاء المقبل، لأن الوزير قال لموقع "بديل" صباح يوم الجمعة 19 دجنبر، ساعات قليلة جدا قٌبيل صدور القرار الملكي، "سيعرف المغاربة الحقيقة كاملة يوم الثلاثاء داخل البرلمان"، فمن يدري ربما أثار الوزير أسماءً وازنة في الدولة متورطة في الفضيحة، داخل البرلمان وأمام الرأي العام الوطني والدولي، خاصة وأن الأخبار الرائجة تفيد الاشتباه بتورط أسماء كبيرة قبل مجيء الوزير في صفقات و أمور رياضية؟

خامسا، القرار الملكي ضد أوزين لوحده لا يكفي، مادام للأخير رئيس وهو رئيس الحكومة، وبالتالي وجب على الأقل جذع أذني الأخير، بل و التحقيق معه عن سر عدم توقيفه لأوزين، ولما لا توقيف رئيس الحكومة نفسه، فقد يكون متورطا أيضا خاصة بعد أن استسهل الفضيحة وحاول تبخيسها والتقليل من شأنها من خلال تصريح صحفي أثار غيض الكثير من المغاربة.

قد يرى بعضهم في قرار الملك بأنه "قرار سياسي" أكثر منه "قرار مبدئي"، أملاه سياق آني مرتبط بالفضيحة والهيجان الشعبي المترتب عنها، خاصة بعد الشعارات القوية التي رُفعت في ملعب مراكش ضد الوزير أوزين والجامعة الملكية لكرة القدم، وسياق اجتماعي يتعلق بـ"الغُمة" التي تعُم معظم النفوس المغربية بسبب سقوط قتلى في هدم المنازل في الدار البيضاء وسقوط ضحايا في الفيضانات خاصة مع غياب زيارة للملك أو لرئيس الحكومة لمنطقة الكوارث، و "غُمة" بسبب الوفاتين الغامضتين لعبد الله باها وأحمد الزايدي، وسياق"ديمبلوماسي" مرتبط بالفضائح التي فجرها"كريس كولمان"، على حسابه على الموقع الاجتماعي "تويتر "، والإتهامات التي فجرها البطل العالمي زكرياء المومني، وبالتالي يحتاج الأمر لقرار جريء في مجال يستهوي كل المغاربة، من شأنه إزالة "الغُمة" ومص الإحتقان، وإدخال الفرحة من جديد في قلوب المغاربة، كل هذا قد يكون واردا، لكن ذلك لا يمنع من تحية المؤسسة الملكية، فهي على الأقل تثقن "ممارسة السياسة" مع نخبة تثقن ممارسة التجارة وقتل بعضها البعض وفي أحسن الأحوال "ممارسة الإديولوجيا"...