خالد أوباعمر

عند تصفحي لجريدة أخبار اليوم "عدد يوم الجمعة الماضي" استوقفتني ثلاثة مواد إخبارية في الصفحة الثالثة وافتتاحية لمدير نشر هذه الجريدة توفيق بوعشرين، تطرقت جميعها، لحدث توشيح "عبد اللطيف الحموشي" مدير المخابرات المدنية المعروفة اختصارا بــــ" الديستي".

ما يهمني في هذا التعليق ليس هو الحيز الذي أفرده السيد توفيق بوعشرين لحدث توشيح مدير الديستي في إسبانيا، بل المهم بالنسبة هو مضمون الافتتاحية التي كتبها مدير نشر أخبار اليوم المعروفة بخطها التحريري المحافظ إلى حد ما!!!

1 استعمال الصحفي توفيق بوعشرين لوصف المخبر الأول في حق المسؤول الأول على مديرية المحافظة على التراب الوطني " الديستي" عبد اللطيف الحموشي وصف غير مؤسس على معطيات دقيقة ومضبوطة تنفيذ ذلك .

2 القبول بوصف توفيق بوعشرين "للحموشي" بالمخبر الأول في المملكة يدفعنا بشكل مباشر إلى الاستنتاج بأن هناك المخبر الثاني والمخبر الثالث والمخبر الرابع. بمعنى، أن وصف الصحفي بوعشرين للحموشي يحيل على تواجد تراتبية في أجهزة الدولة الاستخباراتية لا نعرف معاييرها ولا طبيعتها.

3 توفيق بوعشرين وهو يصف الحموشي كمخبر أول في افتتاحية يوم الجمعة لم يشر ولو بكلمة واحدة إلى طبيعة الجهاز الأمني الذي يشرف عليه هذا الأخير، وهذه حيثية مهمة جدا في التحليل، لأن الحموشي يرأس جهازا مخابراتيا مدنيا في حين أن هناك أجهزة استخباراتية ذات طبيعة عسكرية.

4 حديث توفيق بوعشرين عن تمدد صلاحيات جهاز " الديستي" إلى خارج أرض الوطن يفيد ضمنيا بأن هذا الجهاز أصبح ندا لجهاز المخابرات الخارجية أو العسكرية الذي يشرف عليه صديق الملك في الدراسة، محمد ياسين المنصوري ، وهو الجهاز الذي لا يمكن تغييب حضوره على المستوى الداخلي أيضا من خلال تواجد عناصره في عدد من المدن الرئيسية.

5 توشيح عبد اللطيف الحموشي في سنة 2011 من طرف الملك محمد السادس، وفي 2014 من طرف الجارة الإسبانية، حدثين ينبغي قراءتهما في سياقهما العام، ويتعلق الأمر في هذا الإطار، بالظروف الداخلية والخارجية التي أحاطت بالتوشيحين الداخلي والخارجي.
6 وصف مدير نشر أخبار اليوم لـــ "الحموشي" بالمخبر الأول في المملكة أمر يفترض وجوبا أن يكون الجهاز الذي يشرف عليه هو الجهاز الذي يرفع التقرير الاستخباري الشامل للملك وليس أي جهاز آخر غيره..

7 وصف المخبر الأول يفترض أيضا أن يكون جهاز "الحموشي" ينسق مع كل من المكتب الثالث والمكتب الخامس " المخابرات العسكرية" وهذه الوظيفة، حسب ما هو متداول ومنشور في الصحافة، اختصاص مسنود للمديرية العامة للدراسات والمستنذات وحفظ التوثيق المعروفة اختصارا بـــ" لادجيد" والتي يوجد على رأسها صديق في الملك في الدراسة محمد ياسين المنصوري

8 توشيح "الحموشي" بوسام من الدرجة الثالثة في إسبانيا لا ينبغي تفسيره بشكل غير مؤسس على أن الجهاز الذي يشرف عليه هو الجهاز رقم 1 في مجال مكافحة الإرهاب رغم أهمية الدور الذي لعبه هذا الجهاز في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة خلال العشرية الأخيرة.

9 قبل القيام بأي تصنيف أو توصيف لرجالات الدولة الذين يشرفون على تدبير الشأن المخابراتي في المملكة علينا أن نستحضر ما هو بروتوكولي. وفي هذا السياق، عندما استقبل الملك محمد السادس فرونسوا هولاند في الدار البيضاء، لوحظ بأن العسكريين ومدير "لادجيد" كانوا قبل عبد اللطيف الحموشي. ولا أظن أن الأشخاص في مثل هذه الاستقبالات يختارون أماكن وقوفهم بشكل تلقائي.

10 التمثيل الرسمي للمملكة في المنتديات الدولية ذات الصلة بموضوع الإرهاب، يفيد بأن مدير "لادجيد" هو الذي يكون في الواجهة. وفي الآونة الأخيرة فقط، هو من قدم التقرير المغربي أمام اللجنة الأممية لمكافحة الإرهاب، وهذا الأمر في حد ذاته، يجعل من مقولة المخبر الأول التي ألصقت بالحموشي، اجتهاد شخصي للصحفي توفيق بوعشرين لا أقل ولا أكثر.

12 ملفات الصحراء والساحل ومالي ملفات حساسة لا يتولاها جهاز الحموشي بل يديرها جهاز المنصوري وهنا لا بد من الإشارة إلى الاستقبال الذي خصصه الملك في وقت سابق لممثل حركة "الأزواد" شريف "شريف آغا" حيث لوحظ في القنوات الرسمية بأن الملك كان مرفوقا بوزير الخارجية صلاح الدين مزوار، وبمدير لادجيد، محمد ياسين المنصوري وهذه إشارة دالة على أن كل جهاز في المغرب يمارس وظيفته الاستخباراتية بالشكل المرسوم له.
الخلاصة:

توشيح مدير المديرية العامة للمحافظة على التراب الوطني المعروفة اختصارا بـــ" الديستي" توشيح أمني يرتبط بالدور الذي لعبه هذا الجهاز ورجالاته في مجال التعاون الأمني المشترك في العلاقة مع الجارة اسبانيا في مجال مكافحة الإرهاب والهجرة السرية والاتجار الدولي في المخدرات.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن تفسير حدث توشيح "الحموشي" بطريقة ضيقة تفيد بأن هذا الأخير هو المخبر الأول في المغرب . التوشيح، من زاوية تحليلي الشخصي المتواضع جدا، له سياقات خاصة ترتبط بالهجمة التي استهدفت الجهاز الذي يشرف عليه "الحموشي" حقوقيا في سنة 2011 التي شهد فيها المغرب حراكا اجتماعيا غير مسبوقا ، وهنا لا بد من استحضار الزيارة التي قام بها كل من الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، محمد الصبار، والوكيل العام للملك بالرباط، حسن الذاكي، لمقرات الديستي بتمارة بعد اتهام هذا الجهاز بممارسة التعذيب على المعتقلين في معتقل سري تابع له في تمارة...

ومن جهة أخرى هناك سياق خارجي للتوشيح له علاقة مباشرة بالاستهداف الفرنسي لمدير الديستي ومن خلاله للجهاز ككل بسبب الشكايات التي رفعت ضد عبد اللطيف الحموشي أمام القضاء الفرنسي والتي كان من نتائجها وقف التعاون المغربي الفرنسي في المجال القضائي. كما أن التوشيح له علاقة أيضا بطبيعة العلاقات المغربية الإسبانية في هذه المرحلة التي تعرف فيها العلاقات المغربية الفرنسية توترا سياسيا، لاعتبارات يتداخل فيها الأمني بالسياسي والدبلوماسي بالاقتصادي.