خالد أوباعمر

تعليق نشاط وزير سياسي في الحكومة بتوجيه ملكي لرئيس الحكومة، دون إعفائه من مهامه الحكومية وفقا لمقتضيات الفصل 47 من دستور فاتح يوليوز، قرار من الناحية السياسية، يشكل سابقة في تاريخ المغرب. كما أنه يطرح من الناحية الدستورية، استفهامات عدة حول أساسه الدستوري، لاسيما، وأن الفصل 47 من الدستور لا يحيل على أي مقتضى يهم تعليق نشاط عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، بل يشير إلى الإعفاء بمبادرة من الملك أو بطلب من رئيس الحكومة أو بناء على استقالة فردية أو جماعية لأعضاء الحكومة.

مهما اختلفت الرؤى وتضاربت القراءات السياسية بشأن القرار الملكي الذي تعرف المغاربة على فحواه من خلال قصاصة لوكالة المغرب العربي للأنباء، فإن هذا القرار، يعد بمثابة تمرين دستوري سيسمح بإعادة النقاش حول المسألة الدستورية في المغرب إلى الواجهة بعد أن انشغل المغاربة برواية الإصلاح في إطار الاستقرار مند سنة 2011 التي تفجر فيها حراكا اجتماعيا غير مسبوقا في المغرب طالب في المغاربة بإسقاط الفساد والاستبداد وربط المسؤولية بالمحاسبة وفصل السلطة عن الثروة وفصل السلط واستقلالية السلطة القضائية...
إذا حاولنا من الناحية السياسية قراءة رد فعل المؤسسة الملكية بخصوص فضيحة ملعب الأمير مولاي عبد الله، سنستشف، أن قرار تعليق أنشطة الوزير الحركي "محمد أوزين" الذي أخطأ التعامل مع هذه الفضيحة مند اليوم الأول بسبب ردود فعله المتسرعة وغير محسوبة العواقب السياسية الوخيمة، قرار يمهد للإعفاء، وينطوي على رسالة سياسية واضحة، تفيد بأن التحقيق الذي فتح بأمر ملكي، ويشرف عليه الجنرال حسني بن سليمان بوصفه رجل ثقة القصر وليس قاض يشتغل تحت رقابة السلطة القضائية، لا يقتصر فقط على مسؤولين كبار في الوزارة، لجأ الوزير أوزين إلى اتخاذ قرارات تأديبية في حقهم لذر الرماد على عيون الرأي العام الوطني والدولي، بل إنه تحقيق يطال أيضا الوزير الحركي "محمد أوزين" بنفسه على اعتبار مسؤوليته الثابتة فيما حدث مادام أنه هو من يؤشر على كل طلبات العروض .
من هذا المنطلق، يمكن تفهم طبيعة التوجيه الملكي لرئيس الحكومة بتعليق أنشطة الوزير محمد أوزين، وهو توجيه لا يمكن إلاّ الإشادة به، ومن الصعب على أي أحد الحسم في طبيعة الخلفية التي جعلت الملك يتخذ قرار بهذه الأهمية.
في اعتقادي الشخصي هناك أربعة اعتبارات تقف وراء التوجيه الملكي لرئيس الحكومة من أجل تعليق أنشطة الوزير الحركي "محمد أوزين" وهي:
1 أولا فضيحة الأمير مولاي عبد الله فتح فيها التحقيق الذي يشرف عليه الجنرال حسني بنسليمان بأمر ملكي تحقيق ينبغي أن يكون شاملا ولا يقتصر على أطراف دون أخرى،
2 استمرار الوزير محمد أوزين في أداء مهامه السياسية بشكل طبيعي لا ينسجم مع منطق التحقيق لأن الوزير له مسؤولية سياسية في تدبيره لقطاع حكومي تفجرت فيه فضيحة أصبحت قضية رأي عام وطني ودولي،
3 ترك مساحة هامش زمني معقول للحركة الشعبية من أجل استيعاب رسالة الملك وراء تعليق نشاط وزيرها في الشبيبة والرياضة والقيام بالترتيبات السياسية اللازمة لمرحلة ما بعد أوزين،
4 بعث رسالة مباشرة إلى رئيس الحكومة الذي بخس الفضيحة عندما اعتبرها مجرد إشكال محرج في وقت أعطي فيه الأمر الملكي بفتح التحقيق من طرف الجنرال رجل الثقة.
استنادا لهذه الاعتبارات اعتقد أن أفق قرار تعليق أنشطة الوزير هو إعفاء الوزير الحركي "محمد أوزين" من مهامه السياسية بقرار ملكي. غير أن التساؤل المطروح يبقى هو: هل سيتم الإعفاء في حالة ما إذا اقتنعت المؤسسة الملكية بأهميته وجدواه، وفق الفصل 47 من الدستور أم خارج إطار هذا الفصل؟
إذا انطلقنا من الوثيقة الدستورية فالباب الثالث المتعلق بصلاحيات المؤسسة الملكية يتضمن فصلا دستوريا " الفصل 42" يحدد مهام وصلاحيات المؤسسة الملكية يحتمل عدة تأويلات كما يمكن للمؤسسة الملكية أن تستند عليه لإضفاء الشرعية الدستورية على أي قرار ملكي مثير للجدل السياسي والدستوري. والمهام المحددة في هذا الفصل يمارسها الملك، بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور.
من يدري أن تلتجئ المؤسسة الملكية إلى هذا الفصل لإعفاء الوزير الحركي بموجب ظهير، لاسيما، وأن تعيين الوزراء يتم بموجب ظهير أيضا؟
من جانب آخر، ثقافة النظام السياسي في المغرب، لا تحتكم فقط للقواعد الدستورية المكتوبة. فهناك ما يسمى بعقد البيعة الذي يسمو على الدستور من وجهة نظر دستورية تقليدانية.
إذا انطلقنا من هذا التأويل الذي يمكن أن يتأسس عليه قرار إعفاء الملك للوزير "أوزين" من مهامه كعضو في الحكومة، حتى يظهر التوجه المحافظ في الدولة، أن الملك فوق الدستور، فالفصل 47 الذي يخول للملك حق إعفاء عضو أو أكثر من مهامهم الحكومية بعد استشارة رئيس الحكومة، يمكن تبرير تحييده بكل بساطة استنادا إلى هذا التأويل.
شخصيا، أفضل أن يلجأ الملك في حالة ما إذا اقتنعت المؤسسة الملكية بضرورة إعفاء الوزير الحركي " اوزين" إلى الفصل 47 من الدستور لأن التأويل المدني السياسي الدستوري سيعزز الخيار الديمقراطي في المملكة وسيعطي الدليل على أن الملك معني بقضية التنزيل الديمقراطي للدستور.
أما ترجيح التأويل الديني الذي يرتبط بعقد البيعة، أو بحقل إمارة المؤمنين وفقا للفصل 41 من الدستور، فلا شك أنه سيطرح جدلا كبيرا حول طبيعة الدولة. هل هي مدنية أم دينية؟ كما سيعيد الزمن السياسي المغربي إلى مرحلة إعداد دستور " الحراك المغربي" وما رافق هذا الإعداد من شنآن وجدل بين أنصار الدولة المدنية والدولة الدينية.
الخيار الثاني سيكون من الصعب التعويل عليه إذا تقرر إعفاء الملك للوزير "محمد أوزين" بالنظر لما سيمكن أن يترتب عنه من جدل دستوري وسياسي لا ترغب الدولة فيه خلال هذه المرحلة بالذات.