بداية لابد من أن أحيي كافة شهداء الشعب المغربي وعائلاتهم، كافة المعتقلين السياسيين و عائلاتهم، كافة المحاميات والمحاميين بهيئة الدفاع، كافة الاطارات و الهيئات السياسية، النقابية والحقوقية، كافة المناضلات و المناضلين الشرفاء، كافة الأقلام الحرة و المنابر الاعلامية التي تساهم في التعريف بقضيتنا.

تطرقت في كتابة سابقة عنونتها بتوضيح لا بد منه للرأي العام الوطني و الدولي، الى حيثيات اعتقالي بشكل دقيق بدءا من لحظة اعتقالي بمقهى "لاس بالماس" يوم 24 ابريل 2014 ، مرورا بأهم المراحل و المحطات التي قطعتها أشواط المحاكمة، وصولا الى يوم 18 يونيو 2015 الذي صادف النطق بالحكم الجائر و المتمثل في 111 سنة من السجن النافذ كان نصيبي منها 15 سنة سجنا نافذا، وأود الاشارة الى أن ما سياتي من أفكار و تساؤلات هي نابعة من صميم معتقل سياسي عانى و يعاني الظلم، الحيف و الجرم، نفس الشيء تعانيه عائلتي الصغيرة و الكبيرة التي لازالت مكلومة جراء مؤامرة حقيرة و دنيئة.

لعل الجميع يعرف القضية و الملف الذي نتابع من أجله و المتعلقة "بجناية المساهمة في الضرب و الجرح بواسطة سلاح مؤديين الى الموت دون نية إحداثه مع سبق الاصرار"، و" بجنحة المساهمة في الضرب و الجرح بواسطة السلاح مع سبق الاصرار" .

فان و ضعنا نقطة و عدنا الى السطر، و أغلقنا أفواهنا الى الأبد سوف يتبين للمتتبعين سواءا سياسيين، نقابيين، حقوقيين، أو كل المتبعين بمختلف انتماءاتهم، على أن هناك تهمة اسمها "جناية المساهمة في الضرب و الجرح بواسطة سلاح مؤديين الى الموت دون نية إحداثه مع سبق الاصرار" و" بجنحة المساهمة في الضرب و الجرح بواسطة السلاح مع سبق الاصرار"، ومؤسسة القضاء قامت بالدور المنوط بها أي المحاكمة العادلة كما يدعون، لكن التساؤلات المطروحة والتي لازلت أبحث عن اجابة لها ولازالت عالقة بذهني : هل يعقل لأشخاص يوجدون بمقهى بحي النرجس لحظة وقوع المواجهة أن يساهموا في الضرب و الجرح ... الخ؟ هل يعقل لشخص يوجد بمدينة خريبكة لحظة وقوع المواجهة أن يساهم في الضرب و الجرح ... الخ؟ هل يعقل لأشخاص يوجدون بكلية الآداب لحظة وقوع المواجهة أن يساهموا في الضرب والجرح ... الخ؟ هل يعقل لأشخاص يوجدون بكلية العلوم لحظة وقوع المواجهة أن يساهموا في الضرب و الجرح ... الخ؟ و هل و هل...الخ؟ هذه التساؤلات و غيرها أطرحها علما أن الواقعة التي يتحدثون عنها حصلت بكلية الحقوق و بالضبط بمقصف هذه الاخيرة، فان كانوا يريدون البحث عن الحقيقة كما يقولون، و يريدون تجسيد شروط المحاكمة العادلة، و أنهم يحاكمون شخصا أو أكثر ارتكب فعلا ما و لا يحاكمون تنظيما أو تيارا أو اطارا أو أفكارا، فهناك من الحلول و من الخبرة و التجربة ما يكفي لكي يصلوا أو يعرفوا حقيقة ما وقع يوم 24 أبريل 2014 بقصف كلية الحقوق .

أكيد على أن كلية الحقوق بمقصفها لا توجد بالفضاء أو بجزيرة منعزلة عن العالم، لكنها توجد وسط مدينة فاس، و أكيد أن هذه المؤسسة لديها مسؤوليها و على رأسهم عميدها و نائبيه بالإضافة الى مجموعة من الموظفين بمختلف المصالح الادارية بما فيها العاملين بمقصف كلية الحقوق، هذا الأخير الذي كان مسرحا للوقائع التي تحدثوا عنها، فاذا كان الهدف هو الوصول للحقيقة عبر ما يسمى المحاكة العادلة، فلماذا تم تغييب كل هؤلاء طيلة أطوار التحقيق و المحاكمة؟ ألا تعتبر كلها عناصر حاسمة في تأكيد حقيقة ما وقعت يوم 24 ابريل 2014؟ و صدقية هذا السيناريو من ذاك؟ أم أن كل شيء كان محضرا سلفا و لم تكن جلسات التحقيق و المحاكمة سوى أليات و قنوات شكلية لإصدار 111 سنة سجنا نافذا ؟

فكل هاته العناصر و المعطيات و الحيثيات المتعلقة بهذا الملف و هذه القضية، سواءا كانت قانوية، سياسية، أو وقائع مادية (قبل، أثناء و بعد ) تؤكد بما لا يدع مجالا للشك على أن هاته المؤامرة حيكت خيوطها بحنكة بالغة على مستوى التنظير و التخطيط و التكتيكات المحكمة، الا أن ممثلي هاته المؤامرة لم يجسدوها على أرض الواقع كما كان مرسوما لها من طرف كاتب السيناريو(عبد العالي حامي الدين ومن لف لفه)، لذلك تجد تناقضات ساطعة و صارخة يتضمنها هذا الملف، فمثلا تجد شهود الاثبات يقدمون روايات متعددة و مختلفة، فلكل روايته الخاصة به أو كما يقال : لكل مقام مقال، فبمحاضر "الضابطة القضائية "رواية تذكر فيها وقائع و أحداث وشخصيات، أما أمام "قاضي التحقيق" فرواية ثانية بمعطيات مغايرة للرواية الأولى، و أكيد بما أن هناك الأولى و الثانية فلابأس بالرواية الثالثة أمام "هيئة المحكمة " و التي تناقض الروايتين معا على جميع المستويات .

فهذا الملف و هذه القضية ليس بها فقط شهود الاثبات والذين نعرف نحن و يجب أن يعرف الرأي العام الوطني انتماءهم السياسي (ينتمون الى منظمة التجديد الطلابي والعلاقة التي تجمع هاته الأخيرة بحزب العدالة والتنمية وحركة الاصلاح والتوحيد)، وهناك أيضا تقرير التشريح الطبي المنجز من طرف ثلاثة أطباء، الذي كانت استنتاجاتة عامة وغامضة على عكس بعض القضايا ولو أنها تندرج ضمن قضايا الحق العام تقدم فيها تقارير دقيقة للغاية تحدد مدى خطورة الاصابة والاداة المستعملة، وكذا تقرير أنجزه المجلس الوطني لحقوق الانسان الذي لا ندري الى حدود الأن لماذا لم يتم نشر مضامينه واستنتاجاته كشفا للحقيقة وتنويرا للرأي العام؟ ولماذا لم يقدم الى هيئة المحكمة كمرجع يؤخذ به لمقاربة عين الحقيقة على الأقل؟، بالإضافة الى شهود النفي كسائق سيارة الأجرة الذي حضر من مدينة خريبكة والذي أكد تواجد المعتقل زكرياء منهيش بنفس المدينة (خريبكة) يوم 24 أبريل 2014 ، ونادل مقهى بالما وحلاق بقرية كلاز واللذان أكدا تواجدي بالمقهى المذكورة لحظة المواجهة بالجامعة، بالإضافة الى حلاق بحي مونفلوري أكد بدوره تواجد عمر الطيبي بصالونه لحظة المواجهة، ومجموعة من الطلبة الذين أكدوا تواجدهم رفقة عبد الرزاق أعراب بمقر سكناهم بحي مونفلوري، وكذا شهادة الحضور التي قدمها الطالب ابراهيم الهبوبي لهيئة المحكمة والمسلمة من طرف معهد التكنولوجيا التطبيقية يوم 24 أبريل 2014 ، وشهادة ادارية سلمتها ادارة كلية الآداب يوم 24 أبريل 2014 قدمها أسامة زنطار لهيئة المحكمة، بالإضافة الى شهادة طلبة كانوا لحظة المواجهة بكلية العلوم وأكدوا تواجد كل من مصطفى شعول وعبد النبي شعول وعبد الوهاب الرمادي بنفس الكلية المذكورة، دون أن أنسى شهادة طلبة بكلية الحقوق كانوا لحظة المواجهة بأماكن مختلفة داخل الكلية، فهناك من كان وسط الساحة وهناك من كان خلف مقصفها ولحظة سماعهم بالمواجهة اتجهوا الى عين المكان وعاينوا الوقعة.

الا أن هاته المعطيات كلها بالإضافة الى معطيات أخرى لم تكن كافية "لهيئة المحكمة " واقتنعت بأشياء في تبرئتها لمعتقل ونفس الشيء لم تقتنع به في تبرئة باقي المعتقلين، وسأعطيكم أمثلة على ما أقول وسأنقلها حرفيا دون زيادة أو نقصان .
مثال أول : المرجع تعليل هيئة المحكمة المنجز من طرفها.

"وحيث أنه وبناءا على انكار المتهم لارتكابه الجناية والجنحة المتابع بها في سائر مراحل البحث والمحاكمة والمعززة بشهادة شاهدين ووجود شهادة شاهد وحيد لم تقتنع هذه المحكمة بارتكاب المعني بالأمر ما نسب اليه، ولم يثبت لها وجوده بالساحة الجامعية وقت الأحداث الدامية التي شهدتها وهي موضوع هذه القضية بل ظهر أن الشكك يحوم حول ذلك بناءا على شهادة الشاهد محسن العليوي الغير مدعمة بأي وسيلة أخرى من وسائل الاثبات القانونية.

وحيث أن الشك يفسر لفائدة المتهم وعليه قررت هذه الهيئة عدم مؤاخذة الظنين عبد الرزاق أعراب والتصريح ببراءته مما نسب اليه ".

كان هذا النص كما هو مدون بالتعليل السالف الذكر والذي أنجزته هيئة المحكمة لكن السؤال المطروح : لماذا هيئة المحكمة أقرت بتبرئة معتقل على ضوء عدم اقتناعها بشهادة شاهد الاثبات (محسن العليوي هو شاهد الاثبات الوحيد في هذا الملف وكان رفقة عبد الرحيم الحسناوي يوم 24 أبريل 2014 بكلية الحقوق فاس) ولم تقتنع به في العلاقة بتبرئة معتقلين أخرين؟.
مثال ثاني : المرجع تعليل هيئة المحكمة المنجز من طرفها.

" وحيث حظر الشاهد منير لزعر أمام هذه المحكمة وصرح بأنه شاهد عمر الطيبي بمقهى بالما يوم الحادث وكان بها ابتداءا من الساعة الثانية عشرة زوالا أي وقت وقوع الافعال الجرمية موضوع متابعته الحالية كما أفاد الشاهد جواد حافظي أن المعني بالأمر كان بمحله للحلاقة وقتها.

وحيث أن الشك يفسر دوما لفائدة المتهم و عليه قررت هذه الهيئة عدم مؤاخذة الظنين عمر الطيبي بما نسب اليه والتصريح ببراءته منه".

كان هذا النص كما هو مدون في التعليل السالف الذكر والذي أنجزته هيئة المحكمة لكن السؤال المطروح : شاهد النفي منير الزعر والذي هو حلاق بقرية كلاز وكان يتواجد يوم 24 أبريل 2014 بمدينة فاس وبالضبط بمقهى بالما لحظة وقوع المواجهة، اقتنعت بشهادته المحكمة وبرأت عمر الطيبي لكنها لم تقتنع به من أجل تبرئتي !؟ علما أنني كنت جالسا بنفس المقهى ومع نفس الشخص وصديقه الموظف بمدينة الدار البيضاء ابتداءا من الساعة 2 العشر زوالا ومكثنا هناك الى حدود الساعة الثانية والنصف بعد الزوال.

مثال ثالث : المرجع تعليل هيئة المحكمة المنجزة من طرفها.

"حيث أجريت مواجهة بين المتهم محمد غلوض والشاهد محسن العليوي فتعرف هذا الأخير على المعني بالأمر وأضاف بأنه لا يستطيع تحديد دور كل واحد من المعتدين عليه وعلى الضحية الحسناوي عبد الرحيم (ومنهم المتهم المذكور) وذلك أمام السيد قاضي التحقيق.

وحيث لم تطمئن هذه الهيئة لشهادة الشاهدين منير الزعر وخالد البوخياري واللذين أفادا بأنهما شاهدا المتهم محمد غلوض بإحدى المقاهي بفاس يوم الأحداث المشار اليها أعلاه.

وحيث أقتنعت هذه المحكمة بناءا على ما ذكر بارتكاب المتهم محمد غلوض الجنحة والجناية المتابع بهما فقررت ادانته بهما ".
كان هذا هو نص ادانتي كما هو مدون بالتعليل السالف الذكر والذي أنجزته هيئة المحكمة ويشمل شقين أساسيين هو تعرف شاهد الاثبات (محسن العليوي) علما أنه لم يتعرف علي بمحاضر الضابطة القضائية شأني شأن مجموعة من المعتقلين وأخص بالذكر بلقاسم بن عز وابراهيم الهبوبي واللذين أضافهما بعد مرور ما يقارب من سنة وشهر أي يوم 21 ماي 2015 في رواية ثالثة مخالفة لسابقتها، وهنا أتساءل كيف كونت هيئة المحكمة قناعة راسخة بأن شاهد الاثبات الوحيد يقول الحقيقة خصوصا وأنه روى ثلاثة روايات كما ذكرنا سابقا !؟ بالإضافة الى عدم اقتناعها به في مجموعة من الحالات التي حوكمت بالبراءة.

أما الشق الثاني فعدم اطمئنان هيئة المحكمة لشهادة الشاهدين (شهود النفي) منير الزعر ونادل مقهى بالما خالد البوخيري، علما أنه وكما أشرت اليه سابقا اقتناع واطمئنان نفس الهيئة بشهادة نفس شهود النفي لتبرئة متهمين أخرين.

بالإضافة الى كل هاته الاشياء لا بد من الاشارة الى ملاحظة أساسية متعلقة بمسألة الشك والتي تطرقت اليها هيئة المحكمة في العلاقة بتبرئة مجموعة من المعتقلين ونجدها تقول بأن الشك يفسر دائما لصالح المتهم وأن قرينة البراءة هي الأصل، لكن فيما تبقى من الحالات الأخرى للمعتقلين الشك يفسر ليس لصالهم بل ضدهم ويبقى أبرز وأسطع مثال هو المعتقل بلقاسم بن عز الذي أشار اليه شاهد الاثبات الوحيد عن طريق الشك أمام هيئة المحكمة علما أنه لم يسبق الاشارة اليه منذ لحظة اعتقاله وطيلة أشواط التحقيق والمحاكمة اللهم يوم 21 ماي 2015.

كانت هذه بعض التوضيحات والأمثلة لما هو متضمن للتعليل الذي أنجزته هيئة المحكمة، والذي يبقى غير مكتمل ومليء بالتناقضات والمفارقات العجيبة، لتتأكد صحة المؤامرة على جميع المستويات لأن كل المراحل والأشواط التي قطعتها المحاكمة لم تكن من أجل الوصول الى حقيقة ما وقع يوم 24 أبريل 2014 بكلية الحقوق فاس وبالضبط بمقصفها، بل كان الهدف شيء أخر انكشف منه البعض وسيكشف التاريخ عن ما تبقى.

وفي الأخير أحيي كل من ساهم ولازال يساهم من قريب أو من بعيد في التعريف بقضيتنا، كما أحيي كل من جعل منها أرضية لاشتغاله مساهمة منه في رفع الحيف والظلم عنا وكشفا للحقيقة كاملة غير مبتورة .
انتهى.

فاس في 14 أكتوبر 2015

السجن المحلي عين قادوس - فاس-
المعتقل السياسي : محمد غلوط
رقم الاعتقال : 89477