أحمد دابا

أقدمت مجموعة من الفعاليات والشخصيات على إصدار نداء مذيل ب83 توقيع ، وهو النداء الدي " يدعو لفتح نقاش جماعي وبناء وعميق حول قضايا الثروة وإنتاجها وتوزيعها والعدالة والفوارق الاجتماعية والعلاقة بين السلطة والثروة والربط بين ممارسة السلطة والمحاسبة " .

المبادرة لا يمكن إلا التنويه بها لأسباب كثيرة ، لعل أهمها أن النقاش العمومي في بلادنا ، وفي قضاياه المصيرية يكاد ينعدم ، وأن فضائه ممتلئ حتى الأخير إما بلغة الخشب ، أو بلغة تملق ونفاق نخب أصيبت بالعياء أو استقطبتها حلاوة الكراسي وجاذبية السلطة حتى ولو كانت بدون مضمون فعلي ، أو بلا صلاحيات.

من حيث المبدأ لا مصادرة على المطلوب ، بل بالعكس تماما المطلوب وبإلحاح نقاش عمومي حقيقي وفي كل القضايا ، بدءا من قضية الصحراء حتى قضايا سباق التسلح بين المغرب والجزائر وما يترتب عليه من نزيف مالي واقتصادي مكلف ، حتى الاختيارات الإستراتيجية التي يجري إقرارها وفي كل المجالات ، و هي الاختيارات التي كما نعلم جميعا سترهن المغرب لأجيال وأجيال ، دون أن تتوفر فعليا وحقيقة للمغاربة فرصة مناقشتها وإبداء الرأي فيها .

لكن هدا التنويه بالمبادرة لا يعني تماما أن لا نناقشها ونبدي رأينا فيها سواء لجهة التوقيت ، أو لجهة الأساس الدي بنت عليها منطلقاتها وأسسها وخلفياتها ...، بل إنني لا أظن أصحاب المبادرة سيكونون سعداء أن لا يجري هدا النقاش وهدا السجال .
ملاحظات أولية حول المبادرة

الملاحظة الأولى :

استندت المبادرة على خطاب 30من يوليوز والدي اعتبرته خطابا نقديا لمسار 15 سنة من حكم الملك محمد السادس ، والواقع ومع تأكيد هدا المنحى النقدي الدي ميز هدا الخطاب في بعض فقراته ، إلا أن خطاب 20 غشت أياما بعد خطاب 30 من يوليوز ، عاد ليؤكد على ناجعة الاختيارات الاقتصادية الكبرى ، ومما جاء في هدا الخطاب
""لقد عرف الاقتصاد الوطني تحولا عميقا في بنيته، وتنوعا كبيرا في مجالاته الإنتاجية، وحقق نسبة نمو مرتفعة وقارة، وتمكن من الحفاظ على التوازنات الكبرى، رغم تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية". كما " مكنت الاستراتيجيات القطاعية من تحقيق نتائج ملموسة، ساهمت في وضوح الرؤية، وفي إعادة تموقع الاقتصاد الوطني، على الصعيد الجهوي والدولي"" .".

بل ولن نعدم خطابات أخرى ستأتي ، بل ولن نعدم فقرات في نفس خطاب 30 يوليوز ، ستبقى تؤكد على أن اختيارات المغرب الاقتصادية والسياسية اختيارات صائبة ، وما ينقصها فقط هو بعض الإجراءات التقنية أو بعض الإجراءات في التدابير والتدبير و هي التي تجعل المغاربة لا يستفيدون من نتائجها .

لم يخرج المغرب على نفسه المسار السياسي الدي ميزه قبل حركة 20 فبراير ، بل يمكن القول وبدون أدنى تردد ، أن الحكم عاد بعد أن انحنى للعاصفة ، ليعيد التأكيد أن مشاكل المغرب ليست أبدا في إطاره السياسي والدستوري ، وفي تداخل المسؤوليات وفي غياب فصل حقيقي للسلط ، وفي عودة انتشار الملكية قوة مهيمنة على كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية ، مشاكل المغرب في بعض التدابير وأساسا في التدابير الدي يشرف عليها من جاءت بهم آلية وسلطة الانتخاب ، على محدودية هده الآلية وتقلص صلاحياتها .

معناه من الناحية السياسية وفي تقدير شخصي أن المناقشة العمومية لا ينبغي ولا تصلح أن تستند وتنطلق من خطاب لا زال في طابعه العام متردد ، وتغيب عنه الإرادة السياسية للحسم مع نظام مخزني يشكل عائقا حقيقيا لخروج المغرب من كبواته .

الملاحظة الثانية :

وتهم بعض الموقعين على النداء خاصة بعض الدي ينتمون لحزب العدالة والتنمية وهو ما من شأنه أن يضفي تشويش على المبادرة ويجعلها لا تخرج عن السمة الضبابية التي تميز المشهد السياسي المغربي ، خاصة إدا كانت للمبادرة هدفا أكبر من حوار ليس له غد ، أي إدا كانت المبادرة تستهدف أن تصبح أرضية لفعل سياسي ، كما أشار لدلك الفاعل السياسي والحقوقي عبد المومني فؤاد ، وأحد الأعضاء البارزين في إطلاق هده المبادرة ، ودلك في الحوار الدي أجرته جريدة الأيام في عددها الأخير .
إن ضبابية المشهد السياسي ، واختناقه ، والانتظارية القاتلة التي تميز سلوك الفاعلين السياسيين ، تملي إطلاق مبادرة سياسية متحررة من رتابة وضيق أفق الفاعلين السياسيين ، وشرط نجاح هده المبادرة أن لا تصاب بأعطابه وبتداخل وميوعة مواقع جل أطرافه ، حيث لا المعارضة معارضة ، ولا المشاركين في الحكومة مشاركين ومتحملين مسؤولية مشاركتهم .

الملاحظة الثالثة :

عندما بدأت الانتفاضات تجتاح العالم العربي ، وظهرت حركة 20 فبراير ، كان الملك محمد السادس من أول قادة دول العالم العربي ، الدي باشر عملية الإصلاح السياسي ، ودلك بهدف تجنب أن ترتفع حدة الاحتجاجات حد يهدد نظامه ، حيث أجرى تعديل دستوري في زمن قياسي بعد خطاب 9 من مارس ، وأجريت انتخابات في أكتوبر ولم يتردد الملك للحظة في تعيين بنكيران رئيسا للحكومة .

وفعلا مكنت هده الخطوات من تجنيب المغرب الدخول في اضطرابات كما حدث في بلدان أخرى ، لكن السؤال السياسي والجوهري الكبير الدي لا مفر من الإجابة عليه هو : هل المغاربة الدين ساندوا هدا الاختيار " إصلاح مع تجنب المغرب الاضطراب وعدم الاستقرار " وهو ما استند له سياسيا حزب العدالة والتنمية ومكنه من احتلال الرتبة الأولى ، هل هؤلاء المواطنون المغاربة مقتنعون اليوم أن عملية إصلاح حقيقي تجري اليوم وأنها عملية ستبقي على استقرار المغرب ؟ أم أنهم قريبا سيعتبرون أن هده العملية توقفت ، وهو ما سيدفعهم لأخذ زمام الأمور بيدهم ؟ . ما هو واضح اليوم أن السلطة الفعلية والحقيقية لا زالت بيد الملك ، وأن فرص الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية منعدمة تماما مع استمرار تداخل المسؤوليات ووجود مساحة كبيرة لسلطة التقرير خارج دائرة المحاسبة والمسؤولية .

وهدا معناه أنه ومع أهمية المبادرات بما فيها مبادرات إطلاق النقاش العمومي في قضايا المغرب الرئيسية ، سيظل عامل الضغط على النظام للقبول بإجراء إصلاح جدري للإطار السياسي والدستوري ، يمكن أخيرا بلدنا من الدخول في مسار سياسي ودستوري يربط سلطة القرار بسلطة المراقبة والمحاسبة والجزاء ، عاملا رئيسيا وحاسما وهو المفتقد .
إن خيار العدالة والتنمية الدي تأسس سياسيا على ما اعتبره دعوة لشراكة حقيقية مع القصر ، وطريقا واعدا للإصلاح بدون ضغط ، بدأ يفقد جاذبيته ويضفي مساحة واسعة من الشكوك حول ناجعة هدا الاختيار ، فالملك القوي وحاشيته المناورة لا تبقي إلا على هامش محدود للعدالة والتنمية ، بل إنها تورطه في " إصلاحات " باهظة التكلفة الاجتماعية على الفقراء وعلى الفئات الوسطى .

ومن تم سيظل المغرب في واقع حاله السياسي مشدودا بين الاحتقان والركود السياسي الدي يترتب على غياب الضغط الشعبي على السلطوية ، وما يضفيه من إحساس هده الأخيرة بالتفوق ، وبين خيار جرب في دول أخرى و أدى للفوضى.

وهو ما يعني من الناحية السياسية المباشرة ستكون للمبادرة قوتها ، إن هي تمكنت من أن تصبح أرضية سياسية تجمع أوسع تحالف ممكن للخروج من النفق المظلم الدي يصر البعض أن يدخل المغرب فيه .