جرت العادة في كل سنة أن يثير قانون المالية نقاشا واسعا سواء داخل قبة البرلمان أو بين المحللين والخبراء الإقتصاديين، لكن القانون الأخير من نوعه في عمر هذه الحكومة أثار خلال الأيام الأخيرة نقاشا من نوع آخر، فقد طفا إلى السطحخلاف جديد داخل مكونات الحكومة، وأبطاله هذه المرة هم رئيسها نفسه ووزيراه في المالية والفلاحة. وذلك على خلفية ما بات يصطلح عليه في بعض الأوساط الإعلامية ب " البند المدسوس".

يتعلق الأمر تحديدا بالبند المنظم لصندوق التنمية القروية الذي جاء في سياق أجرأة مضامين خطاب العرش الأخير، والذي خصصت له ميزانية يفوق حجمها 55 مليار درهم، وينتظر أن يستفيد منها ما يناهز 30 ألف دوار ومدشر في مجموع التراب الوطني في إطار برنامج النهوض بالعالم القروي. وتؤكد المصادر الإعلامية أن المادة 30 من قانون المالية الجديد تنص على منح وزير الفلاحة مهمة الآمر بصرف ميزانية الصندوق، بالرغم من أن دواعي إنشاء هذا الصندوق ليست خاصة بقطاع الفلاحة وحده، بل تتوخى أهدافا تنموية تشمل مختلف القطاعات. فالمقتضى الدستوري يفرض أن يكون رئيس الحكومة هو الآمر بالصرف، لأنه المشرف المباشر على جميع القطاعات الحكومية، والنهوض بالتنمية يمتد إلى مختلف تفاصيل الحياة القروية في الصحة والتعليم والشغل والبنيات التحتية ومختلف الخدمات الإجتماعية الكفيلة بتوفير أسباب العيش الكريم للمواطنين. فما دلالات هذا"التهريب" ؟. وأي دور سيتبقى لرئيس الحكومة إذا كان وزيره في الفلاحة هو الذي سينسق ويشرف على تنفيذ المشاريع التنموية التي تقترحها القطاعات الوزارية المختلفة والمعنية بأجرأة البرنامج التنموي في العالم القروي؟.

الغريب في الأمر أن البند المتعلق بالصندوق لم يثر أي رد فعل من طرف رئيس الحكومة وحزبه إلا بعد إثارته على أعمدة بعض الصحف الوطنية، بالرغم من أن قانون المالية الجديد قد تمت المصادقة عليه في المجلسين الحكومي والوزاري أيضا.وهذا يعني أحد أمرين: إما أن يكون بنكيران على علم مسبق بهذا " التهريب" وآثر الصمت لسبب ما، لكنه عاد ليعبر عن قلقه بعد تسريب الموضوع وتناوله من طرف الصحافة... وإما أنه لم يكن على علم بذلك، ولم ينتبه للأمر إلا بعدما أصبح مادة إعلامية... وفي الحالتين معا يظل رئيس الحكومة في موقف لا يحسد عليه، ففي الحالة الأولى يعني صمته الإرادي أنه يتخلى عن القيام ببعض أدواره وصلاحياته الدستورية في سبيل المحافظة على وحدة صفه الحكومي الذي أصابته الشروخ والخلافات في أكثر من مناسبة. اما في الحالة الثانية فإن عدم علم بنكيران بتفاصيل هذا البند، يفرض علينا أن نطرح علامة استفهام كبيرة عن الأدوار التي يقوم بها فريق مستشاري رئيس الحكومة ومدى اطلاعهم على نص القانون المالي من عدمه، لأن عدم الإنتباه لمادة قانونية من هذا الحجم يثبت أن الفريق الإستشاري الذي يشتغل بجانب رئيس الحكومة يتولى مهامه بعقلية هاوية وليست احترافية.
بعض المنابر الإعلامية التابعة أو المتعاطفة مع حزب العدالة والتنمية وجهت سهام النقد والإتهام لوزير المالية باعتباره المشرف المباشر على إعداد وثيقة القانون المالي. حيث سمعنا منهم من يقول بأن سحب مهمة الأمر بالصرف في صندوق التنمية القروية من رئيس الحكومة يخدم المشاريع المعرقلة للعمل الحكومي. وقد يكون هذا ممكنا إذا تمت قراءته من منطلق انتخابي، وذلك حتى لا يتم استغلال بنكيران لهذا الصندوق لاستمالة أصوات الناخبين القرويين في الإنتخابات التشريعية المقبلة، ويقدمه لهم كإنجاز إيجابي لولايته على رأس الحكومة. لكن هذا الكلام لا يستند على قرائن واضحة، لأن الإقرار بوجود من يعرقل العمل الحكومي داخل الحكومة نفسها هو أمر عبثي ويسيء إلى مصداقية السلوك السياسي برمته. ومع ذلك فإن غياب أي توضيح رسمي لملابسات ما جرى بخصوص هذا البند المثير للجدل، يبقي علامات الإستفهام قائمة بشأن الدواعي الحقيقية لوضع مفاتيح صندوق التنمية القروية بعيدا عن متناول رئيس الحكومة، رغم أن إمكانية تجاوز هذا الخلل مازالت قائمة. وتلك مسؤولية فقهاء القانون الدستوري.