ثمة مؤشرات ثلاثة تدلّ على أننا نتجه مغربيا نحو معجم سياسي جديد، يقلب رأسا على عقب الكثير من المفاهيم الحقوقية المتعارف عليها في العالم، والتي على أساسها تحاسَب الدول والحكومات على مدى احترامها لحقوق مواطنيها، وعلى رأسها حرية التعبير والتظاهر والتنظيم.

كان المؤشر الأول مسودة مشروع القانون الجنائي التي اقترحها وزير العدل والحريات، والتي تضمنت فقرة ذات خطورة، تتضمن تهمة "زعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية ولمؤسسات الشعب المغربي"، وهي عبارة من النوع الفضفاض القابل للاستعمال ضدّ أي طرف لا ترغب السلطة في سماع صوته المعارض، ويمكن في حالة تمرير صياغة من هذا النوع الزيادة في نسبة التوتر بين السلطة والمجتمع المدني والحقوقي، وتأخير الانتقال نحو الديمقراطية بشكل حتمي.

وجاء المؤشر الثاني مع قضية الأستاذ المعطي منجب، التي مست بشكل واضح بسمعة المغرب في الخارج، السمعة التي يحرص عليها كثيرا أولائك الذين يضطهدون الحقوقيين والصحافة الوطنية غيرة منهم على "سمعة البلاد"، حيث اعتمدت السلطة بشكل استباقي في اتهامها لمنجب الفقرة الواردة في مسودة مشروع القانون الجنائي كما لو أنها أصبحت نصا قانونيا نهائيا، حيث اتهم الرجل بزعزعة ولاء المواطنين للدولة وتهديد أمن هذه الأخيرة، ما يدلّ على مشروعية الرأي النقدي الذي عبرنا عنه ضد مسودة المشروع المذكور، عندما قلنا إن مثل هذه الصياغات في القوانين من شأنها أن تستعمل في تكريس كل أنواع الظلم بدون حدود.

وكان المؤشر الثالث هو انسحاب قيادي اتحادي ووزير سابق من بلاتو قناة تلفزيونية بحجة عدم قبوله بـ"محاكمة بلده في قناة تلفزيونية أجنبية"، ما يعني أن هذا الخلط بين السلطة والوطن أصبح أمرا بديهيا حتى عند فاعلين سياسيين يساريين، وهو أمر على قدر من الخطورة، لأنه يفتح الباب أمام عدم شرعنة الرأي المعارض، واعتباره خروجا عن "الوطنية"، ما سيبرر حتما كل اضطهاد يطال الأصوات المعارضة.

يتضح من العناصر السالفة الذكر أنّ التشويش الذي يتمّ حاليا على عدة أصعدة، يستهدف أساسا القيم الرئيسية للديمقراطية، والتي هي الحرية والعدل والمساواة، فحرية الرأي والتعبير عن المواقف بكل الطرق السلمية المتاحة، والحق في محاكمة عادلة لا تقوم على خلط الأوراق وفبركة التهم الملفقة، هي حقوق للجميع في إطار المساواة أمام القانون، ولا يعقل أن يجد البعض ما يكفي من المال والمنابر للتعبير عن مواقفه التي تهدف بشكل كبير إلى إخفاء الحقائق ومغازلة السلطة، بينما يظل الرأي المعارض منبوذا ومحاصرا، وحتى عندما يجد لنفسه متنفسا خارج الوطن تتم ملاحقته بتهمة "زعزعة ولاء المواطنين للدولة".

بهذا المنظور يصبح كل نقد للسياسات العمومية زعزعة لولاء المواطنين لأن هدف النقد هو إظهار الثغرات والنقائص، وهو عمل من شأنه أن يجعل المواطنين يفقدون الثقة في المسؤولين الذين أخطأوا وعجزوا عن حلّ مشاكل المجتمع، والسلوك السلطوي يعني السكوت عن النقد لإخفاء الثغرات والنقائص والتناقضات وتمكين الوضع من الاستمرار على ما هو عليه، فمن هو الوطني، المعارض أو السلطة ؟

إن الولاء للدولة ليس هو الولاء للسلطة، فالدولة ،مثل الوطن، هي ما يجمعنا، والولاء لها واجب بحكم الشعور بالانتماء، أما السلطة فهي تنفيذية، وعندما تتجاوز حدودها فإنها تشوّه صورة الدولة، وسيكون على الدولة أن توقف السلطة عند حدّها من أجل الحفاظ على الاستقرار العام، فكلما تجسد الخيار الديمقراطي وترسخ كلما كان الولاء للدولة أعمق وأقوى، وكلما كان العكس كلما ضعف هذا الولاء بسبب شيوع الظلم والطغيان ومنطق الغلبة. لقد أدى صفع مواطن من طرف شرطية إلى إحراق نفسه واندلاع الربيع التونسي الذي كاد يعصف بأركان الدولة لولا يقظة المجتمع السياسي والمدني في تونس، فلا ينبغي ترك السلطة بمنطقها الأمني الشرس واللاعقلاني تستأثر بكل السلطات وتحتكر كل الفضاءات، لأن من شأن ذلك تحويل الدولة إلى غول مفترس يشيع الخوف عوض الشعور بالأمن وبحقوق المواطنة.

ليس على السلطة إذن معاقبة الناس على ضعف ولائهم للدولة إذا لم تكن شروط الولاء متوفرة، وهي الحرية والعدل والمساواة، وغيرها من القيم الديمقراطية الصميمة، لأن أساس الولاء هو حماية الدولة للأفراد باعتبارها تعاقدا مبنيا على تنازلهم لها عن حرياتهم الأصلية.

إن مغرب اليوم ملزم بالعمل على ترسيخ الديمقراطية عبر مفاهيمها المتعارف عليها، وكل محاولة لخلق مفاهيم للتشويش على المنطق الديمقراطي ستؤدي بنا إلى العودة إلى الوراء، وهو ما سيمثل خسارة محققة للجميع.