محمد نعيمي

هل صحيح أن الحياة السياسية المغربية تعاني من استفحال ظاهرة العزوف كما يزعم جل الفاعلين السياسيين و الأكاديميين؟ إذا كان الأمر كذلك، فبأي معنى يفهم هذا العزوف؟ وما هي أسبابه؟ وما الحلول المقترحة للحد من تفشيه؟ وقبل هذا و ذاك، كيف يمكن أن نعرف العزوف السياسي؟

عادة ما يقصد بالعزوف، الامتناع والكف والإحجام عن التصويت أو عن التسجيل في اللوائح الانتخابية. وهو صنفان: عزوف إرادي واعي، وهو العزوف الحقيقي لأنه سلوك سياسي يعبر عن موقف الرفض والمقاطعة لسياسة ما.

أما الصنف الثاني فهوعزوف ناجم عن جهل تام بمعنى الانتخابات. والملاحظ أن هذا التعريف ينطلق من تصور معين لمفهوم المشاركة السياسية بما هي انخراط في الأحزاب ومشاركة في الانتخابات ، أي بكلمة واحدة ما يصطلح عليه لدى المختصين بالسياسة المؤسساتية .

ولكن هل تقتصر المشاركة السياسية على هذه المظاهر و المسلكيات ، أم أنها تتجاوزها إلى أنماط أخرى من السلوك السياسي غير المعتاد والتي لا تقل أهمية عن الأولى؟
إن مغالطة العزوف السياسي السائدة في الخطاب السياسي الرسميتكمن في النظر إلى الوجه الأول للعملة(أي المشاركة السياسية بمعناها التقليدي) دون النظر إلى وجهها الثاني، أي المشاركة السياسية بمعناها الحديث بما تتضمنه من سلوكات سياسية غير تقليديةو أنماط للفعل الجمعيالاحتجاجي مثل المظاهرات والوقفات والاضرابات والعرائض ومقاطعة الانتخابات إلخ.

وقد أكدت دراسة أنجزت مؤخرا بالمغرب أن وتيرة التظاهر ارتفعت خلال العشرية الأخيرة، حيث انتقلت من مظاهرتين اثنتين في اليوم سنة 2005 إلى 54 مظاهرة في اليوم سنة 2013 (عبد الرحمان رشيق، 2014).

وقد بلغت هذه المشاركة السياسية غير المؤسساتية أوجها في العالم العربي مع ثورات وانتفاضات الربيع الديموقراطي سنة 2011 . وقد اتخذت في المغرب شكل حركة اجتماعية احتجاجية عارمة تمثلت في"حركة 20 فبراير". وجدير بالذكر أن الشباب، الذي عادة ما ينظر إليه على أنه لا يبالي بالسياسة، كان في طليعة هذا الحراك السياسي. وهذا ما يفند مغالطة العزوف السياسي خاصة لدى الشباب. هناك إذن عزوف عن نوع معين من السياسة ، هو ما يصطلح عليهبالسياسة السياسوية التي لا تهدف إلا إلى تحقيق المصالح الخاصة للنخب السياسية ولمن يدور في فلكها.

ترى كيف تعالج الحكومة والأحزاب التقليدية ظاهرة العزوف ؟ أول ما يثير الانتباه أن هذه المعالجة تكون موسمية،وبالتالي فلا يمكن إلا أن تكون سطحية. فعندما تقوم الحكومة بحملات وطنية تحسيسية وإعلامية وتحدو الأحزاب حدوها ، فهذا يعني حسبها أن المشكل يكمن في مجرد لامبالاة و عدم اهتمام. وعندما تخصص السلطة موقعا إلكترونيا من أجل التسجيل في اللوائح الانتخابية، فإنها تختزل معضلة العزوف في أزمة التواصل مع الشباب.أما عندما تنجز قنوات الاعلام الرسمي العشرات من البرامج الحوارية الأحادية الرأي التي تشمل القيادات الحزبية التقليدية والقطاعات النسائية والشبابية التابعة لها، فإنها تكرس سياسة الإقصاء للرأي المخالف ، وبالتالي تعمق ظاهرة العزوف.هذا ناهيك عن إقصاء صفوة مهمة من الأكاديميين والباحثين،لا لشيء إلا لتغريدهم خارج السرب.

لقد أضحى العزوف  السياسي (بالمعنى المؤسساتي : الانتماءللأحزاب السياسية و المشاركة في الانتخابات )    منضم نأبرز الاختلالات العميقة التي يعرفها المشهد السياسي المغربي بشكل لافت خاصة في السنوات الأخيرة ، وذلك بالرغم من الحملات الحكومية الواسعة النطاق الداعية إلى المشاركة، بالإضافة إلي الحملات الكبيرة التي يقودها الإعلام الرسمي والحزبي لدفع المواطنين  نحوالمشاركة (مثال  ا لحملة الوطنية للتسجيل في اللوائح الانتخابيةوالتي شاركت فيها مجموعة من الأحزاب السياسية ، استعدادا للاستحقاقات المحلية و الجهوية في شتنبر 2015) .

وقد اختتمت هذهالحملة بتسجيل أزيد من مليون ونصف ناخب، ستضاف إلى أزيد من 13 مليون المسجلة إلى غاية 31 مارس 2014.إلا أن الكتلة الانتخابية في المغرب تزيد عن 26 مليون ناخب لهم الحق في التصويت، أي أن نسبة الناخبين المسجلين فعليا لا تكاد تتجاوز نصف الكتلة الناخبة إلابقليل، مما يطرح بمناسبة كل استحقاقإشكال العزوف عن التصويت في الانتخابات خاصة في أوساط الشباب .

وإذا كانت نسبة المشاركة في آخر انتخابات جماعية بالمغرب سنة 2009 قد بلغت 52,4 بالمائة من مجموع الناخبين المسجلين باللوائح الانتخابية، فإن التوقعات تقول إن نسبة المشاركة لن تتجاوز34.9بالمائة(حسب استطلاع للرأي أجراه موقعهسبريس أواخر2014). كيف يمكنإذن تفسير تفاقم ظاهرة العزوف السياسي بمعناه المؤسساتي ؟

من بين الأسباب نجد فقدان الثقة في الأحزاب السياسية،حيث أن %27.52 فقطهم من يثقون فيها (استطلاع للرأي أجراه موقع هسبريس في دجنبر 2014).وقد يرجع فقدان الثقة هذا إلى كون الهدف الأساسي للأحزاب السياسية المغربية بمختلف توجهاتها من الانتخابات يتحكم فيه إلى حد بعيد منطق الربح،أي السعي نحو الحصول على أكبرعدد من الأصوات ولو بإحلال الأعيان محل المناضلين.

الأمر الذي يبينأنوجوده افي المجتمع يظلموسميا ومرتبطا بالانتخابات فقط، ولا يلاحظ أي تطورعلى مستوى أدائها السياسي في علاقته بالتأطير والتنشئة، ناهيك عن فقدان القدرة على تعبئة المواطنين وغياب الديموقراطية الداخلية لدى عديد منها .
ثم ألا يمكن أن نرى في إفراط وسائل الإعلام الرسمية في حث المواطنين على المشاركة، سببا قد يحمله معلى الاعتقاد بأن ما يهم الدولة في المشاركة السياسية هو مصلحتها

أمامصلحتهم فتبقى موضع شك، وبالتالي ربما سيوثرون اتخاذ موقف العزوف ضد إرادة الدولة ومصلحتها كنوع من العقاب ،

و من أجل إثارة الانتباه إلى أن هذه الأخيرة لاتضع السياسات العمومية الكفيلة بخدمة مصالحهم وتلبية مطالبهم .

وأخيرا قديذهب العديد من الباحثين إلى أن الممارسة السياسية في المغرب لم ترق بعد إلى مستوى ما تقتضيه المواطنة الحقةمن قيم ومبادئ ،

وأنها تبقى أسيرة ممارسة تقليدية لا تنقصل عن مفهوم الرعية، الأمرالذي يفرغ المشاركة السياسية من أي معنى و يجعلها عرضة باستمرار للتحكم والمراقبة، ويسلب الشعب إرادته وقدرته على السيادة.

إن التعامل الجدي مع ظاهرة  العزوف السياسي التي أضحت ممارسة محايثة للمشهد السياسي المغربي، يفرض الوقوف علي مسبباتها الحقيقية من أجل بلورةحلول واقعية لإعادة الثقة إلى المواطنينو حقيقنوعمن المصالحة بينهم وبين الشأن السياسيو الانتخابي.

فلنتأمل هذه المفارقة : إن أغلب الشباب والنساء ،بقدر ما ينأون عن العمل السياسي ، بقدرما يزداد لديهم الاهتمام بالفعل الجماعي الاحتجاجي و بالنشاط الجمعوي والحقوقي ،لما يزخران به من فرص لإظهار إمكانياتهم و تحقيق متطلباتهم والمساهمة في دمقرطة المجتمع ،بعيداعن أية وصاية أواستغلال سياسوي .